قضايا محلية

مائة عام على تأسيس الدولة العراقية

    قبل ايام مرت الذكرى المئوية لتأسيس الدولة العراقية واحتفلت الحكومة بهذه المناسبة، مر فيها العراقيون بمراحل وحقب وانظمة سياسية متعاقبة ومتباينة، تشكل هذه المناسبة فرصة لقراءة وتقييم تأريخ العراق المعاصر، فبدءً من العهد الملكي واستقلال العراق الشكلي بعد دخوله عصبة الامم، وضعت اللبنات الاولى للدولة العراقية من حيث الهياكل والقوانين والتشريعات والخطط الاقتصادية والمشاريع العمرانية، ورغم انحسار المساواة سياسيا في نطاق المشاركة في الحكم وشيوع حالة التفاوت الطبقي اقتصاديا الان، ان الدولة شهدت تقدما واضحا وراسخا في مسار التعددية الحزبية والتمثيل النيابي والتجربة الدستورية والتناوب السياسي في الحكم، شابت هذه الفترة حالة من عدم الاستقرار السياسي بحيث وصل عدد الحكومات الى ٥٩ حكومة خلال ٣٧ عام من عمر المرحلة الملكية في حكم العراق مع حصول اول انقلاب عسكري في المنطقة عام ١٩٣٦ وثورة مايس ١٩٤١ المعروفة بثورة العقداء الاربعة، الا ان النظام الملكي ظل قائما واضعا اساسات مهمة في التقدم العمراني والقانوني، حتى سقوطه بأحداث عام ١٩٥٨ التي تباينت المواقف نحوها على انها انقلاب ام ثورة، الا ان هذه المرحلة شهدت عدة انجازات باتجاه بناء الدولة، فعلى الصعيد السياسي خرج العراق من حلف بغداد وانتهج العراق سياسة التحرر من المحاور الدولية والاقليمية الى حد ما، اما اقتصاديا فقد حررت العملة العراقية التي كانت خاضعة للجنيه الاسترليني واتسعت حركة البناء والاعمار ونشاط سوق العمل وشرع قانون رقم ٨٠ الذي حرر الثروة النفطية وقانون الاصلاح الزراعي وبدأت الصناعة الوطنية بالازدهار، وعلى الصعيد الاجتماعي شرع قانون رقم ١٨٨ الذي صب في صالح المرأة العراقية، اضافة الى قانون الاحوال الشخصية هذه القوانين، عدت من اهم القوانين المتقدمة في حينها قياسا مع الاوضاع العامة الراهنة في المنطقة.

ومع هذا التقدم، الا ان الدولة العراقية مرت بظروف استثنائية ومرحلة اخفاق في هذه الفترة، فقد برزت سلطة العسكر والحركات الحزبية المؤدلجة، كما تزايدت التجاذبات السياسية وشهدت هذه المرحلة حربا ضد الاكراد من جهة وافتعال ازمة مع الكويت والمطالبة بضمها من جهة اخرى، ما ادى الى الاطاحة بالحكم الجمهوري عام ١٩٦٣، لتبدأ مرحلة شحيحة على صعيد الحريات والاستقرار والتوجه صوب الشمولية والاستبداد، وبعد الانقلاب الذي حصل عام ١٩٦٨ ووصول حزب البعث منفردا الى الحكم والسلطة لمدة ٣٥ عام دخل العراق فيها في مشاهد الحروب العبثية من عام ١٩٨٠ الى ١٩٩١، والتصفية وقمع اي صوت للمعارضة لتنعدم الحريات بشكل مطلق ويسود منطق الحكم بالحديد والنار، رغم وجود حركة بناء واعمار محدودة وعابرة لا تتناسب مع حجم ثروات العراق بسبب تكاليف تلك الحروب وواحدية السلطة وطائفيتها، اعقب ذلك فرض حصار اقتصادي شامل وتمتع الاكراد بالحكم الذاتي، في ضوء ذلك تفككت كل اساسات الدولة العراقية وشهدت تراجعاً عاما في كل المجالات، مهد ذلك الى اسقاط النظام البعثي عام ٢٠٠٣ واحتلال العراق، لتبدأ مرحلة جديدة من الحكم قائمة على اساس ديمقراطي تعددي لكن بدل ان يعمل الاحتلال الامريكي على غرس القيم الديمقراطية عملوا على ترسيخ الانقسامات الداخلية الطائفية والأثنية التي عملوا على فرضها في فترة مجلس الحكم الانتقالي الذي أسسه الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر، والتي انعكست على قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والدستور النافذ لعام ٢٠٠٥، اذ تم العمل بمنطق المكونات والمحاصصة التي فتحت افاق واسعة في التنافس السياسي والصراع على المكاسب والمغانم والثروات ليكون المبدأ الاساس في الحكم الطائفة والمذهب والمكون اولاً، وليس المواطنة والكفاءة والخبرة ليصبح معيار التخادم الطائفي والمكوناتي اساسا في توزيع المسؤوليات والوظائف، الأمر الذي أضعف هيبة الدولة وعرّضها للتراجع والهدم.

انتج هذا النمط والتفكير السياسي: الارهاب والعنف والتطرف، فظهرت القاعدة وبعدها داعش واحتلت الاخيرة اكثر من ثلث مساحة العراق ولازال التنظيم موجودا الى يومنا هذا رغم تحرير المدن والاراضي منه نهاية العام ٢٠١٧، تزامن مع ذلك وبعد انحسار طفيف في منسوب الطائفية، تزايد وعي ابناء الشعب والتفاتهم لضعف الاداء الإنجازي للحكومات المتعاقبة وتشكيكهم بالنظام السياسي الحالي وضرورة استبداله لتكون احتجاجات تشرين الاول من العام ٢٠١٩ فاصلا زمنيا مهما في الوعي الاجتماعي اضطر بالطبقة السياسية الى مراجعة سياساتهم وأُطرهم التي يحكمون بها ويديرون بها الدولة، لتستقيل اول حكومة عراقية بعد العام ٢٠٠٣، وتشكل حكومة جديدة يرأسها لأول مرة شخصية غير حزبية، وكابينة فيها من الحد الادنى من المستقلين سياسيا، وشرعت قوانين في مجلس النواب شكلت تحولا مهما على صعيد النظام السياسي برمته ومنها قانون الانتخابات البرلمانية الذي اجريت على ضوءه اول انتخابات مبكرة في هذه الحقبة، افرزت لأول مرة قوائم انتخابية مستقلة منها فردية، حققت نتائج جيدة وحصلت على مقاعد واصوات تضعها بالمربع الاول المنافس للقوى التقليدية، ولهذا التاريخ فان العراق بعد تشرين الاول من العام ٢٠١٩ لن يكون كسابقه بالنسبة للعراق، رغم اعادة انتاج معظم السياقات التقليدية في الممارسة السياسية بعد الانتخابات وطرح معالجات التوافق والمحاصصة واللامبالاة في مواجهة التحديات والمعوقات التي تواجه النظام السياسي والعملية السياسية برمتها، وعلى الساسة العراقيين كافة الان معرفة تاريخ دولتهم وعدم تكرار التجارب المريرة المحكوم عليها بالفشل والمأساة.

تواجه القوى السياسية الآن اشكاليات معقدة تعيش معهم تحتاج مقاربات عاجلة لاستيعابها وادارتها، واهمها المشكلة الكردية المتفاقمة والمستعصية على الحل، وكذلك المشكلة الطائفية والمحاصصة السياسية، وضعف المواطنة وهشاشتها التي رافقتها ممارسات تمييزية، والاهم من ذلك الزبائنية والعمالة للخارج التي تعد احد اهم ادوات هدم الدولة العراقية على مر تاريخها المعاصر.

هذه الاشكاليات باتت معُتقة تحتاج الى وحدة فكرية ثقافية تحتوي الاختلافات بين المكونات وداخل كل مكون نفسه، كما تحتاج الى مسارات بناء وطنية صادقة تتجاوز هذه العقد، لا يبقى امام الساسة العراقيون وهم يستذكرون ذكرى مئوية دولتهم، إذا أرادوا بقاء هذه الدولة وبناءها على أسس موحّدة وسليمة الا: تسييد حكم القانون والمواطنة واستقلال القضاء والإقرار بالتنوّع والتعددية والحق في الاختلاف، ويضعوها امام نصب أعينهم كمعيار للحكم والممارسة السياسية وعدا ذلك فأن الدوران في فلك التجارب الفاشلة سيكون هو المشهد الماثل امامهم، ولن يتغير شيء ولو بعد مائة عام اخرى، لكن الذي سيتغير هو الساسة انفسهم.

هذه الحقبة التي يعيشها العراقيون الان تتضمن فرصة ذهبية في الحرية والديمقراطية والرفاه، ستكون حاضرة اذا ما انتهجوا ساسته وحكامه اسلوب جديد للحكم والتدبير واستثمار دائرة الفرص الضائعة لمعالجة كل هذه الاشكاليات والتحديات والعقد.

...........................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات