وبينما يرى بعض شركائه في الإطار التنسيقي أنه الخيار الأكثر خبرة لاستكمال المشاريع الأمنية والسياسية، يراه آخرون عبئًا على التوافقات الداخلية وإعادة إنتاج مرحلة سابقة أراد المجتمع العراقي تجاوزها.
بدأ المالكي ولايته الأولى (2006–2010) في فترة حرجة، اتسمت بالعنف الطائفي، وانقسام الدولة بعد أحداث 2006 في بغداد وما تبعها من صراعات في تلك المرحلة، كان المالكي يُنظر إليه كمرشح تسوية، قادر على تشكيل حكومة شبه توافقية وسط الفوضى، مع القدرة على إدارة الأزمة الأمنية، ورغم الانتقادات الموجهة إليه، فقد استطاع خلال ولايته الأولى تعزيز هيبة الدولة وإعادة بعض الاستقرار الجزئي، وإن كان ذلك على حساب بعض الحريات السياسية والشراكة الحقيقية مع القوى الأخرى.
أما ولايته الثانية (2010–2014)، فقد جاءت بعد الانتخابات التي منحت المالكي شرعية أكبر، لكنه دخل مرحلة صعبة مليئة بالاتهامات حول مركزية القرار، سيطرة الحزب على مؤسسات الدولة، وتهميش الشركاء السياسيين، وتفاقم الوضع مع انهيار الأمن في شمال البلاد وصعود تنظيم داعش الارهابي، الأمر الذي ألقى بظلاله على سمعته السياسية داخليًا وخارجيًا، وجعله رمزًا للمرحلة التي يرغب بعض السياسيين في تجاوزها.
الإطار التنسيقي والمالكي: قيادة أم تحدٍ؟
داخل الإطار التنسيقي، يظل المالكي الاسم الأبرز من حيث الخبرة التاريخية والسياسية، لكن هذا لم يمنعه من أن يصبح نقطة خلاف بين القوى المختلفة. فبينما يُنظر إليه بوصفه شخصية قوية تستطيع فرض رؤيته، فإن بعض حلفائه يرونه مزاجيًا سياسيًا وتاريخيًا محمّلًا بالنزاعات السابقة، ما يجعل إعادة انتخابه محل خلاف. وقد برز هذا التوتر في العلاقة مع السيد محمد شياع السوداني، الذي يُقدم كبديل أقل إثارة للجدل وأكثر قدرة على التواصل مع القوى الإقليمية والدولية، ما يجعله خيارًا يرضي الشركاء المترددين داخل البرلمان والإطار نفسه.
التنافس داخل الإطار التنسيقي ليس مجرد صراع على السلطة، بل يعكس اختلاف الرؤى الاستراتيجية حول دور الإطار في المرحلة المقبلة: هل يكون الإطار محورًا لتقوية الدولة ومؤسساتها، أم قوة ضغط داخل المشهد السياسي لتثبيت المكاسب السابقة؟، هذا السؤال يوضح سبب رفض بعض القوى، مثل تيار الحكمة بزعامة السيد عمار الحكيم وحركة عصائب أهل الحق بزعامة الشيخ قيس الخزعلي للولاية الثالثة، إذ يرون أن ترشيح المالكي يعيد إنتاج أزمة الثقة بين شركاء الإطار نفسه ويضعهم أمام مواجهة سياسية داخلية وخارجية محتملة.
فالصراع بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني ليس صراعًا على الأسماء فحسب، بل صراع على تمثيل مرحلة سياسية مختلفة، فالمالكي يمثل الجيل القديم الذي واجه العراق في أصعب اللحظات الأمنية والسياسية، بينما يمثل السوداني الطموح الجديد للإطار التنسيقي، القادر على تقديم خطاب أكثر توافقية داخليًا وخارجيًا، بما يخفف الاحتكاك مع واشنطن والقوى الإقليمية.
هذه المعادلة جعلت خيار المالكي صعب التمرير، حتى لو حاول بعض النواب في البرلمان دعمه، إذ سيواجه مقاومة مركبة من الداخل والخارج.
الرفض الخارجي: الفيتو الأميركي
لم يكن الرفض الأميركي للولاية الثالثة قرارًا مفاجئًا، بل جاء نتيجة تراكم سجل المالكي السياسي والمواقف السابقة التي اعتبرتها واشنطن مقلقة، اذ ان إدارة ترامب -على وجه الخصوص- رأت في ترشيح المالكي خطوة قد تعيد العراق إلى دائرة النفوذ الإيراني، وتزيد من صعوبة التعاون الأمني والسياسي مع الولايات المتحدة، لذلك جاء الفيتو الأميركي كرسالة سياسية واضحة لجميع الأطراف: المالكي غير مقبول على المستوى الدولي، وترشيحه يعقد العلاقة مع واشنطن.
الفيتو لم يقتصر تأثيره على المستوى الرسمي، بل انعكس أيضًا على مواقف القوى الداخلية، فحلفاء سابقون للمالكي داخل الإطار التنسيقي، مدفوعين بالاعتبارات الدولية، بدأوا بالتعبير عن تحفظهم على فكرة الولاية الثالثة، ما جعل خيار المالكي أشبه بـ «رهان صعب» يحتاج إلى توازن داخلي ودعم خارجي مستمر.
السيناريوهات المستقبلية للولاية الثالثة للمالكي
1- سيناريو تمرير الولاية الثالثة داخل البرلمان
قد يتمكن المالكي من جمع غالبية كافية لتمرير ترشيحه، لكنه سيكون منذ البداية محاصرا داخليا وخارجيا، حيث تواجه حكومته قيودا ناتجة عن ضغوط القوى السياسية داخل الإطار التنسيقي والفيتو الأميركي، ويترتب على ذلك:
- تقييد قدرة الحكومة على التعاون العسكري والأمني مع الولايات المتحدة.
- إحجام بعض القوى الإقليمية عن دعم المشاريع الاقتصادية والتنموية.
- فرض قيود على الاستثمارات الأجنبية والتأثير في السياسات الاقتصادية الوطنية.
2- سيناريو الإزاحة الناعمة أو الحل الوسط
هذا السيناريو يفترض تراجع المالكي عن ترشيحه لصالح شخصية توافقية جديدة مثل محمد شياع السوداني، بحيث:
- يتم الحفاظ على وحدة الإطار التنسيقي وتجنب الانقسامات الداخلية.
- تخف الضغوط الدولية، ويصبح التعاون مع الولايات المتحدة أكثر سهولة واستمرارية.
- يسمح بإعادة ضبط العلاقة مع القوى الإقليمية، وتسهيل تنفيذ المشاريع الاقتصادية والأمنية.
3- سيناريو بقاء المالكي كـ«صانع قرار من الخلف»
في هذا السيناريو، ينسحب المالكي رسميا من المنافسة على المنصب، لكنه يحتفظ بنفوذه داخل الإطار التنسيقي كقوة مؤثرة غير رسمية، ما يعني:
- استمرار تأثيره على السياسة الداخلية والخارجية للإطار التنسيقي.
- إمكانية توجيه مواقف حلفائه داخل البرلمان دون الانخراط المباشر في السلطة التنفيذية.
- الحفاظ على شبكة علاقاته التنظيمية والسياسية، مع تجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة.
وفي ضوء ما تقدم يُمكن القول استنتاجاً، إن الولاية الثالثة للمالكي لم تسقط فقط بسبب الفيتو الأميركي، بل بسبب تغير السياق السياسي الداخلي، وتنوع المصالح، والصراع بين الأجيال داخل الإطار التنسيقي، فالمالكي رغم خبرته الطويلة وشبكته التنظيمية، أصبح يمثل عنوان مرحلة سياسية سابقة، يرفضها جزء كبير من شركائه داخليًا وخارجيًا وستظل أي محاولة لإعادة انتخابه محفوفة بالمخاطر السياسية والأمنية، وقد تؤدي إلى تأزيم العلاقة مع واشنطن، وإضعاف موقع الإطار التنسيقي داخليًا، وبالتالي يبقى المالكي لاعبًا مؤثرًا، لكنه ليس خيار المرحلة المقبلة، في ظل واقع سياسي وإقليمي يفرض موازنات جديدة بين الداخل العراقي والضغوط الدولية، ويجعل من أي ترشيح لولاية ثالثة رهانا معقدًا على كل المستويات.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!