التغيرات المناخية واتساع ظاهرة التصحر في العراق

التغيرات المناخية واتساع ظاهرة التصحر في العراق
تشكل التغيرات المناخية اليوم أحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه النظم البيئية والاقتصادية في العالم، ولا سيما في الدول ذات الهشاشة البيئية والمؤسسية مثل العراق، إذ لم تعد هذه التغيرات مجرد ظواهر طبيعية دورية..

بل تحولت إلى عامل ضاغط يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والموارد الطبيعية، ويكشف عن اختلالات عميقة في أنماط التنمية وإدارة الأرض والمياه، وفي هذا السياق، برزت ظاهرة التصحر بوصفها أحد أخطر المخرجات المباشرة للتغير المناخي، لما تمثله من تهديد للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

هناك إشكالية رئيسة مفادها: إلى أي مدى أسهمت التغيرات المناخية، مقارنة بالعوامل البشرية والمؤسسية، في تسريع وتيرة التصحر في العراق؟، وهل يعكس تفاقم هذه الظاهرة أزمة طبيعية خارجة عن السيطرة، أم فشلا في السياسات الزراعية والبيئية المعتمدة؟.

التغير المناخي هو التغير الطويل الامد في معدلات عناصر المناخ وظواهره المختلفة (الاشعاع الشمسي، درجة الحرارة، الرطوبة النسبية، الرياح، الامطار والظواهر الغبارية)، اذ تأخذ معدلات بعضها بالارتفاع عن المعدلات الطبيعية المحددة في حين تتجه معدلات العناصر الاخرى نحو الانخفاض، مما يسبب وجود حالة عدم التوازن في الغلاف الجوي ومكوناته وتغير نسبها وهذا يؤثر تأثيرا مباشرا وغير مباشر على مختلف مكونات البيئة ولا سيما ظاهرة التصحر في العراق التي بدأت تظهر خلال السنوات الاخيرة من القرن الماضي، واخذت بالتوسع بشكل سريع ومفاجئ في الوقت الحالي.

تعود ظاهرة التغيرات المناخية الى عدة اسباب:

أ‌-    العوامل الطبيعية والتي تتمثل بـ(الانفجارات البركانية، تغير النشاط الشمسي والبنية الجيولوجية).

ب‌-العوامل البشرية المتمثلة بالأنشطة المختلفة التي يمارسها الانسان (الصناعة، حرق الغابات، الحروب، الكثافة السكانية العالية).

اذ تساهم العوامل البشرية مساهمة فعالة في تفاقم ظاهرة التغير المناخي فهي تخطو خطوات كبيرة وسريعة بوقت قصير في توسع هذه المشكلة وتفاقمها بشكل يصعب السيطرة عليها ومعالجتها، ويضعف من قدرته على استيعابها ومعالجتها بشكل طبيعي وبالتالي فقدان التوازن الطبيعي للغلاف الغازي، كما ساهم قطع الغابات وتحويلها الى صناعية وسكنية واعمال اخرى الى زيادة حدة هذه المشكلة.

لم تكن هذه الانشطة مخططا لها سابقا بل تمارس بشكل عفوي وعشوائي فيترتب على ذلك آثار جسيمة تهدد الحياة بمختلف جوانبها، وكذلك الانتقال للسكن من المدينة الى الريف وتحويل الأراضي الزراعية الى مناطق سكنية زاد من حدة هذه المشكلة، فضلا عن ذلك زيادة الكثافة السكانية بشكل لا يتناسب مع الموارد الطبيعية المتاحة للاستخدام دفع الانسان الى اتباع هذه الاساليب العشوائية لإشباع حاجاته وارضاء رغباته وايضا يترتب عليه زيادة في وسائل النقل التي تعتمد اعتمادا مباشرا على مشتقات الوقود الاحفوري لتوليد الطاقة وتشغيلها (الكاز، البنزين والغاز الطبيعي) وهذا من شأنه يطلق غازات ملوثه للجو، كما تؤدي النفايات بمختلف اصنافها دورا فاعلا في تلوث البيئة المائية وانخفاض قدرتها على معالجتها والتخفيف من حدتها، فتفقد البيئة توازنها الطبيعي.

يتضح لنا، ان الاسباب البشرية تؤدي دورا كبيرا وجوهريا في خلق مشكلة التغيرات المناخية وتوسعها ولا سيما القضاء على المساحات الخضراء وتقليصها سواء عن طريق تحويلها الى منشآت صناعية وسكنية او بواسطة الرعي الجائر الذي يقتلع النبات والاعشاب من جذورها فيترتب عليه وجود تربة ضعيفة وهشة مجردة من النبات فيساعد ذلك على تعريتها بسهولة سواء بالتعرية المائية او الريحية، فيترتب على ذلك تصحرها وتحويلها الى اراضي جرداء خالية من الغطاء النباتي واتساع ظاهرة التصحر، مما يترتب على ذلك تقلص المساحات الصالحة للزراعة وتدني انتاجها وظهور مشكلة الامن الغذائي.

يعد التصحر من ابرز الظواهر البيئية الناتجة عن التغيرات المناخية، اذ يعنى بتدهور وتحطيم واستنزاف التربة بطريقة خاطئة مما يفقد التربة خصوبتها ويحولها الى اراضي غير صالحة لزراعة المحاصيل، اذ توجد ثلاثة مراحل للتصحر:

1- التصحر الخفيف بالإمكان استصلاح التربة من هذا النوع باستخدام المخصبات الكيميائية واتباع طريقة التبوير (اي ترك الارض الزراعية سنة واحدة بدون زراعة لكي تستعيد التربة ما فقدته من عناصرها والعمل على استصلاحها)، او استخدام الدورة الزراعية لزراعة المحاصيل للمحافظة على مكونات التربة وتوازنها.

2- التصحر المعتدل الذي يؤدي الى تدمير التربة بدرجة متوسطة وتكوين الاخاديد وبعض النتوءات فضلا عن ظهور الكثبان الرملية وترسخ الاملاح في التربة بشكل كبير مما يقلل من قدرة التربة على الانتاج الزراعي، وبالإمكان معالجة هذه الدرجة من التصحر ولكن تحتاج الى تكاليف عالية ووقت زمني طويل لأعاده خصوبة التربة وحيويتها.

3- التصحر الشديد تمتاز التربة التي تعاني من هذا النوع بظهور حشائش قصيرة، وزيادة نسبة تملح التربة، وتكوين الاخاديد والأودية العميقة والواضحة، فضلا عن سهولة تجريد التربة من مكوناتها وازالتها عند سقوط الامطار بشكل غزير او هبوب رياح سريعة (التعرية الريحية والمائية).

اذ شهدت السنوات الاخيرة تفاقم مشكلة التغيرات المناخية المتمثلة بارتفاع درجة الحرارة بشكل لن تشهده الارض سابقا، اذ ارتفعت تقريبا حوالي (1,2) درجة مئوية وهو اعلى من اي فترة سجلت قبل الثورة الصناعية، اذ يترتب على ارتفاع درجة الحرارة زيادة سرعة الرياح مما يزيل الطبقة السطحية للتربة وفقدان بعض مكوناتها الكيميائية والعضوية وبالتالي انخفاض خصوبتها، فضلا عن ذلك تذبذب الامطار وسقوطها بشكل مفاجئ وسريع وخلال فترة زمنية قصيرة اي لا يمكن الاستفادة منها مثل نظامها السابق (قبل التغيرات المناخية) الذي يتميز بالانتظام سواء من ناحية كميتها او فترة سقوطها، وهذا ايضا يساهم في تعرية التربة وفقدان توازنها وانخفاض قدرتها الانتاجية، وبالتالي تقلص مساحات الأراضي الصالحة للزراعة واصابتها بالتدهور والتصحر، اذ بلغت نسبة الاراضي الصالحة للزراعة في العراق نحو (13,5) مليون دونم للمدة (2022-2024)، بينما وصلت نسبة الأراضي المزروعة فعلا حوالي (13) مليون دونم، اما نسبة الغابات الطبيعية فسجلت تقريبا (2,3) مليون دونم، اما الغابات الاصطناعية التابعة الى مشاريع دائرة الغابات والتصحر فبلغت حوالي (15,8) الف دونم، في حين وصلت نسبة الغابات الاصطناعية التابعة الى مديرية الزراعة بحدود (39,9) الف دونم، اما مساحة الغابات الطبيعية والاصطناعية بالمئة فبلغت (1,4 %) من مساحة العراق، ونتيجة للتغيرات المناخية التي تفاقمت في الفترة الاخير بلغت مساحة الاراضي المتصحرة حوالي (40,4) مليون دونم، ونتيجة لذلك اتجهت الجهات المعنية باتخاذ خطوات لمعالجة التربة والتخفيف من حدة التصحر، اذ بلغت مساحة الاراضي قيد الاستصلاح نحو (265,9) الف دونم، اما مساحة الاراضي التي لم يتم استصلاحها فتراوحت بين (6,8-7,2) مليون دونم (هيئة الاحصاء ونظم المعلومات الجغرافية، قسم الدراسات البيئية، 2025).

مما يشير الى ان التغير المناخي بلغ مرحلة متقدمة من التطور والتوسع فبدأت اثاره واسعة الانتشار تمس مساحات كبيرة من الاراضي الصالحة للزراعة وتعمل على تدهورها وفقدانها جزء كبير من مكوناتها واختلال توازنها الطبيعي وتدني قدرتها الزراعية الانتاجية وبالتالي تصحرها بشكل كبير ومفاجئ ليبلغ التصحر اقصى درجاته وهو التصحر الشديد الذي يصعب معالجته لأنه يحتاج الى تكاليف عالية جدا ومدة زمنية طويلة لكي تستعيد التربة عناصرها وتحافظ على خصوبتها لتكون مهيأة للإنتاج الزراعي بشقيه (النباتي والحيواني).


سياسات مقترحة

1- سياسة وطنية لإدارة الغطاء النباتي: تبني برنامج وطني طويل الأمد لزيادة المساحات الخضراء، عبر إعادة تأهيل الغابات الطبيعية والتوسع في الغابات الاصطناعية، وربطها بمؤشرات أداء بيئية قابلة للقياس، بإشراف مشترك بين وزارتي الزراعة والبيئة.

2- سياسة متكاملة لحماية التربة الزراعية: اعتماد تشريعات تنظم استخدام المخصبات الكيمياوية والمبيدات الزراعية، وتفرض تطبيق أنظمة الدورة الزراعية والتبوير الإلزامي في المناطق المعرضة للتدهور، بما يضمن استدامة خصوبة التربة.

3- سياسة صناعية صديقة للبيئة: إلزام المنشآت الصناعية بإنشاء منظومات فلترة ومعالجة للانبعاثات الغازية، ونقل الصناعات الثقيلة بعيدا عن المناطق الزراعية والسكنية، ضمن إطار تشريعي رقابي صارم.

4- سياسة التحول إلى الطاقة المتجددة: إدماج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في تشغيل المشاريع الزراعية (الري، الضخ، التخزين)، بما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويحد من الانبعاثات الملوثة.

5- سياسة تنظيم الرعي وإدارة المراعي: فرض ضوابط قانونية للرعي، وتحديد طاقات استيعاب المراعي الطبيعية، مع استحداث برامج دعم للمربين مقابل الالتزام بالمعايير البيئية.

6- سياسة زراعية تكيفية مع المناخ: التوسع في زراعة المحاصيل المقاومة للجفاف والملوحة، وربط الخطط الزراعية بالتوقعات المناخية المستقبلية، وليس بالأنماط المناخية التقليدية.

7- سياسة نقل مستدام: وضع استراتيجية وطنية لتنظيم وسائل النقل، وتشجيع استخدام الوقود النظيف والنقل الجماعي، للحد من الانبعاثات الملوثة.

مما تقدم يتضح، إن التغيرات المناخية لم تعد عاملا ثانويا في تدهور الأراضي الزراعية، بل أصبحت محركا رئيسا لاتساع ظاهرة التصحر في العراق، خصوصا في ظل التفاعل السلبي بين العوامل المناخية والأنشطة البشرية غير المستدامة، فقد أسهم ارتفاع درجات الحرارة، وتذبذب الأمطار، وتزايد العواصف الغبارية، في إضعاف التربة وتسريع عمليات التعرية، فيما ضاعفت الممارسات الزراعية العشوائية، والرعي الجائر، وتقلص الغطاء النباتي، من حدة هذه التأثيرات.

وعليه، فإن الحد من التصحر لم يعد خيارا تنمويا، بل ضرورة وطنية تستوجب إرادة سياسية، واستراتيجيات طويلة الأمد، وشراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، لضمان استدامة الموارد الطبيعية وحماية حق الأجيال القادمة في بيئة صالحة للإنتاج والحياة.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

م. د. مروه خضير عباس العميدي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!