لا تبدو المسألة شأناً إجرائياً مرتبطاً بالاستحقاقات الدستورية بقدر ما تمثل انعكاساً مباشراً لطبيعة النظام السياسي ذاته، ولمنطقه الداخلي في إنتاج السلطة وإعادة تدويرها، فالعراق بعد أكثر من عقدين على التحول السياسي، ما يزال يتحرك داخل حلقة مغلقة تُدار فيها السلطة بوصفها تسوية مؤقتة، لا بوصفها عقداً سياسياً مستقراً.
ومن هنا، فإن الجدل الدائر بعد اعلان نتائج انتخابات تشرين الثاني 2025 لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق البنيوي، حيث تطرح الولاية الثانية لمحمد شياع السوداني بوصفها خيار الاستمرارية المقبولة من بعض الأطراف السياسية داخليا وضرورات الوضع الاقليمي، فيما تُستعاد فرضية الولاية الثالثة لنوري كامل المالكي كاحتمال عودة إلى نموذج حكم مجرّب ومثير للانقسام. وبين الخيارين، يتحرك النظام السياسي العراقي محكوماً بالخوف من الفراغ أكثر من طموحه إلى التحول.
جاء محمد شياع السوداني إلى رئاسة مجلس الوزراء في لحظة انسداد عميق، كان الهدف الأول فيها إعادة تشغيل النظام ومنع انزلاقه نحو تفكك مفتوح، لم يكن الرجل نتاج موجة انتخابية صاعدة، ولا تعبيراً عن زعامة سياسية مكتملة، بل جاء بوصفه حلّاً وسطياً توافقياً، قادراً على طمأنة الفاعلين المتعارضين أكثر من قدرته على فرض رؤية خاصة به. ومنذ تلك اللحظة، تشكّلت حدود تجربته السياسية، وحدود ولايته الأولى وخلال فترة حكمه، اشتغلت السلطة التنفيذية على إدارة التوازنات لا على إعادة تعريفها.
جرى تخفيف حدة الصراعات داخل البيت الشيعي من دون التيار الصدري كأكبر قوى اجتماعية فاعلة ومؤثرة في المشهد الجماهيري، وضبط العلاقة مع الشركاء السنة والكرد، وتجنّب المغامرات في السياسة الخارجية.
هذا الأداء أسهم في إنتاج استقرار نسبي، لكنه استقرار قائم على التعليق لا على الحسم، في الملف الخدمي والاقتصادي، تحركت الحكومة ضمن منطق تحسين الأداء لا تغيير النموذج، أُطلقت مشاريع، وارتفعت وتيرة الإنفاق، وتحسنت بعض المؤشرات وسط كلام كثير عن هدر في الأموال والموازنات، لكن البنية العميقة للاقتصاد الريعي، والإدارة المترهلة، والعلاقة الزبائنية بين السياسة والدولة، بقيت على حالها. وعليه، لم تتحول الولاية الأولى إلى لحظة تأسيس، بل إلى مرحلة إدارة محسّنة لأزمة مزمنة.
تحالف إدارة الدولة، الذي شكّل الغطاء السياسي للحكومة، كان في جوهره تحالف احتواء لا تحالف مشروع حيث وفّر مظلة برلمانية واسعة، لكنه حوّل القرار إلى نتاج مساومات دائمة، وأعاد إنتاج منطق الفيتو المتبادل. في ظل هذا التحالف، لم يعد السؤال: ماذا تريد الحكومة أن تفعل؟ بل: ما الذي يُسمح لها بأن تفعله؟.
من هنا، فإن الولاية الثانية للسوداني، إذا ما تحققت، ستأتي بوصفها امتداداً لمسار الاستمرارية المقيدة هي خيار منخفض المخاطر في حسابات القوى السياسية، لكنها في الوقت نفسه خيار منخفض الطموح، واستمرار رجل التسوية يعني استمرار منطق التسوية ذاته، بكل ما يحمله من قدرة على منع الانهيار، وعجز عن إحداث التحول.
في الجهة المقابلة، تقف فرضية الولاية الثالثة لنوري كامل المالكي محمّلة بثقل التجربة والذاكرة، فالولايتان السابقتان لم تكونا مجرد فترتين زمنيتين في الحكم، بل شكلتا نموذجاً كاملاً لإدارة السلطة، اتسم بتعزيز المركزية، وتضييق فضاءات الشراكة، وتحويل الدولة إلى ساحة صراع على النفوذ داخلها لا من خلالها وقد انتهت تلك التجربة إلى أزمات كبرى ما تزال آثارها حاضرة في الوعي السياسي، واليوم لا يتحرك المالكي من موقع المسؤول التنفيذي، بل من موقع الفاعل المؤثر في هندسة التوازنات داخل الإطار التنسيقي، نفوذه مستمد من خبرته، ومن شبكة علاقاته، ومن قدرته على تعطيل المسارات بقدر تمريرها، لكنه نفوذ إشكالي؛ إذ يمثل في آن واحد عنصر قوة لبعض القوى، وعامل نفور لقوى أخرى، داخل الإطار وخارجه.
وعليه، فإن طرح الولاية الثالثة لا يُقرأ بوصفه مشروعاً جاهزاً بقدر ما يُقرأ كورقة ضغط في معادلة معقدة، فعودته إلى رئاسة الحكومة تعني إعادة فتح ملفات لم تُغلق، واستدعاء استقطابات لم تُحسم، ورفع كلفة الاستقرار في لحظة يبحث فيها النظام عن تقليل تلك الكلفة. ولهذا، فإن هذا الخيار، وإن كان ممكناً نظرياً، يبقى محفوفاً بمخاطر سياسية داخلية وخارجية عالية، وبذلك تتعامل قوى الإطار التنسيقي مع هذا الاحتمال بحذر مزدوج، الاستفادة من ثقل المالكي دون الاضطرار إلى تحمّل تبعات عودته.
اما عن موقف المرجعية الدينية، فتميل في خطابها العام إلى دعم التداول والاستقرار وتجنب الاحتكار الطويل للسلطة، دون أن تدخل في تسمية الأشخاص في حين يشكل موقف التيار الصدري بزعامة السيد مقتدى الصدر عامل رفض صلب لأي سيناريو يعيد المالكي إلى الواجهة التنفيذية وعلى المستوى الإقليمي والدولي، يسود تفضيل لخيارات أقل إثارة للانقسام وأكثر قابلية لإدارة التوازنات.
وأخيراً لا تكشف جدلية الولاية الثانية للسيد السوداني والولاية الثالثة للسيد المالكي عن أزمة أشخاص بقدر ما تكشف عن أزمة نظام فالنظام السياسي العراقي ما يزال عاجزاً عن إنتاج انتقال طبيعي للسلطة، ويميل إلى خيارين أحلاهما مرّ تمديد الاستمرارية بوصفها إدارة للأزمة، أو استعادة الماضي بوصفه ملاذاً مألوفاً، وبين هذين الخيارين، تقف انتخابات تشرين الثاني 2025 لا بوصفها لحظة حسم، بل بوصفها اختباراً جديداً لقدرة النظام على تأجيل أزمته أو الشروع بها.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!