تحديات وخيارات الحكومة لمواجهة الازمة المالية في العراق

تحديات وخيارات الحكومة لمواجهة الازمة المالية في العراق
تواجه الدولة العراقية في المرحلة الراهنة تحديا مالياً ونقدياً مركباً يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في آن واحد، ويعود هذا التحدي في جوهره الى اختلالات بنيوية مزمنة في هيكل السياسة المالية العامة، فضلاً عن الفساد المالي والاداري...

اضافة الى تدهور طبيعة العلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية، كذلك الاعتماد شبه الكلي على الايرادات النفطية كمصدر وحيد لتمويل الانفاق العام.

ومع استمرار هذا النمط الريعي دون اصلاحات حقيقية مع انخفاض لاسعار النفط، تتفاقم مخاطر العجز المالي وتتقلص قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية وفي مقدمتها الرواتب والاجور والاستحقاقات المتراكمة للمشاريع والمقاولين فضلاً عن الالتزامات المالية الدولية.

ان التوسع الكبير في التعيينات الحكومية خلال السنوات الاخيرة، بدوافع سياسية وانتخابية، اسهم في رفع الانفاق التشغيلي الى مستويات غير قابلة للاستدامة من حيث التغطية المالية، اذ اصبحت الرواتب تستحوذ على النسبة الاكبر من الموازنة العامة، في ظل ضعف واضح في الايرادات غير النفطية، وعدم تحقيق القطاعات الانتاجية اي مساهمة مؤثرة في الناتج المحلي الاجمالي.

ومع تراجع اسعار النفط او عدم استقرارها، يظهر الخلل بشكل مباشر في قدرة الحكومة على توفير الكتلة النقدية بالدينار العراقي اللازمة لتغطية النفقات الشهرية، نظرا لان الايرادات النفطية تتحقق بالدولار الامريكي، وتحتاج الى التحويل عبر بيع العملة للحصول على السيولة المحلية.

تكمن خطورة الوضع الحالي في ان ما يدخل من عملة اجنبية لا يكفي لتغطية الاحتياجات التشغيلية المتزايدة، خاصة مع التزامات الرواتب الضخمة وتراكم المستحقات والديون الداخلية والخارجية، وفي ظل هذا الواقع، تجد الحكومة الحالية والقادمة نفسهما امام خيارات محدودة، جميعها مكلف اقتصاديا واجتماعيا، تتمثل بالاتي:

الخيار الاول/ تأخير تسديد الرواتب او دفعها بشكل جزئي، او تقليصها كما حصل مؤخراً من قرارات ضغط النفقات، وهو خيار يحمل تبعات اجتماعية خطيرة، اذ يؤدي الى فقدان الثقة بالدولة، ويفتح الباب امام احتجاجات واسعة واضطرابات سياسية، كما شهدت تجارب سابقة نتائج مماثلة.

الخيار الثاني/ اللجوء الى التمويل التضخمي عبر طباعة كتلة نقدية اضافية بالدينار العراقي، وهو خيار شديد الخطورة على الاستقرار الاقتصادي، اذ يؤدي ضخ النقد غير المغطى الى ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القوة الشرائية للمواطن، وارتفاع الاسعار بشكل عام، وهو ما يفاقم معاناة الشرائح ذات الدخل المحدود، ويزيد من مستويات الفقر، ويخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي يصعب السيطرة عليها، كما ان هذا الخيار يقوض الثقة بالعملة الوطنية، ويدفع نحو المزيد من الاعتماد على النقد الاجنبي في التعاملات اليومية، اذن لا يمكن طباعة العملة المحلية من قبل البنك المركزي لتغطية العجز الا وفقاً لمتطلبات التداول النقدي، فهنالك فرق بين الطبع النقدي والاصدار النقدي، الاول فني روتيني لتعويض التالف، والاخر يكون وفقا للارصدة الموازية.

الخيار الثالث/ السحب من الاحتياطي الأجنبي من البنك المركزي لتمويل العجز المخصص لمواجهة العجز في الميزان التجاري وهذا حاصل اساساً؛ لان حجم الاستيرادات اكبر من حجم الصادرات، لكن هذا الخيار لا يمكن اللجوء اليه بتاتاً ومخالف لقانون البنك المركزي رقم ٥٦ لسنة ٢٠٠٤ المادة ٣١؛ لان الاحتياطي النقدي ليس مبالغ فائضة يتم استخدامها متى شاءت الحكومة بل هو مجموعة أصول اجنبية بضمنها الذهب النقدي لمواجهة اعباء ميزان المدفوعات وتحقيق قوة العملة المحلية المصدرة، علماً ان الحكومة استنفذت خيارات الاقتراض من البنوك الحكومية والاهلية، مع امكانية اصدار سندات يتم شرائها من البنوك بفائدة محددة، لكنه خيار مؤقت.

الخيار الرابع/ من بين الخيارات الممكنة توزيع جزء من الالتزامات المالية بعملات اجنبية ضمن ضوابط واضحة، او اعتماد آليات مبادلة نقدية مع المصارف الحكومية، بما يسمح بتدوير السيولة داخل النظام المصرفي بدلا من خلق نقد جديد، كما يمكن توسيع نطاق بيع الدولار للتجار والشركات وفق احتياجات حقيقية، بما يوفر للحكومة دينارا عراقيا يمكن استخدامه في تسديد الرواتب، مع الحفاظ على قدر معقول من الاستقرار في السوق.

الخيار الخامس/ يتعلق بتعديل سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي، فالسياسة المتبعة خلال الفترة الماضية كشفت عن اشكالات عميقة في ادارة هذا الملف، اذ ان تخفيض سعر الصرف الرسمي دون معالجة اسباب الطلب المرتفع على الدولار، ودون السيطرة على السوق الموازي، ادى الى خلق فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، وهو ما افقد هذا الاجراء فعاليته الاقتصادية. فالمستفيد الحقيقي من هذا التخفيض لم يكن المواطن العادي، بل فئات مالية وتجارية محددة استطاعت الوصول الى الدولار بالسعر الرسمي، في حين بقيت اسعار السلع في السوق مرتفعة، ولم تنخفض بما يتناسب مع التغيير الحاصل.

ان وجود سوق موازية نشطة يعكس فشل ادوات السياسة النقدية في ضبط الطلب على العملة الاجنبية، كما يشير الى ضعف التنسيق بين الجهات المعنية، فضلا عن تأثيرات خارجية تتعلق بالتحويلات المالية والعلاقات الاقليمية والدولية، ومع استمرار هذه الفجوة، تصبح التوقعات بارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية امرا واردا بل مستدام، وهو ما يضاعف الضغوط التضخمية، ويتزامن مع ازمة السيولة والعجز في تغطية الرواتب، بما يشكل مزيجاً خطيرا من الازمات المتداخلة.

ومواجهة هذا التحدي تتطلب اعادة النظر جذريا في آلية بيع العملة، والانتقال من سياسة النافذة المفتوحة الى سياسة تعتمد على فتح الاعتمادات المستندية للمستوردين الحقيقيين، وبما يضمن توجيه العملة الاجنبية نحو النشاطات الانتاجية والتجارية الفعلية، وليس المضاربات او التحويلات غير المنتجة، كما يتطلب الامر تهيئة بيئة اجرائية مرنة تقلل من التعقيدات الادارية التي تدفع التجار والمواطن الى السوق الموازية، وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل السياسة النقدية عن البعد السياسي والدبلوماسي، اذ ان استقرار سعر الصرف مرتبط بتوازن العلاقات الخارجية، سواء مع الولايات المتحدة او مع دول الجوار، وبمدى قدرة العراق على ادارة ملفه المالي ضمن الالتزامات الدولية دون التفريط بمصالحه الاقتصادية. ومن هنا، تبرز الحاجة الى قرارات سياسية اقتصادية شجاعة، تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة، وتضع مصلحة الاستقرار المالي والاجتماعي في مقدمة الاولويات.

ان معالجة هذا الوضع لا يمكن ان تتم من خلال حلول قصيرة الاجل او اجراءات شعبوية، بل تتطلب رؤية متكاملة تعيد التوازن بين السياسة المالية والنقدية، وتخرج من دائرة ادارة الازمة الى التخطيط الاستراتيجي، وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الى البحث عن بدائل تمويلية خارج اطار طباعة العملة، او الاستدانة غير المدروسة، من خلال استخدام ادوات مالية داخلية، واعادة هيكلة العلاقة بين وزارة المالية والبنك المركزي بما يضمن توفير السيولة دون المساس بالاستقرار النقدي.

خلاصة القول، ان الازمة المالية في العراق ليست ازمة عابرة، بل نتيجة تراكمات طويلة من السياسات غير المستدامة، ومعالجتها تتطلب اصلاحات هيكلية حقيقية تشمل ترشيد الانفاق، واعادة هيكلة الرواتب، وتعزيز الايرادات غير النفطية، وضبط السياسة النقدية، وتفعيل دور القطاعات الانتاجية، وتحسين نظام الضريبة العادلة التي تذهب جبايتها واماناتها فعلا للخزينة العامة، فمن دون ذلك، ستبقى الحكومة الحالية والقادمة تدور في حلقة مفرغة من العجز والتضخم والاحتجاجات، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار السياسي والاجتماعي للدولة.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

د. احمد عدنان الميالي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!