الهجمات السيبرانية لمكافحة الارهاب.. بين الفعالية والمخاطر الأخلاقية

الهجمات السيبرانية لمكافحة الارهاب.. بين الفعالية والمخاطر الأخلاقية
شهد العقد الأخير اندماجاً غير مسبوق بين عالمين كانا يعملان بشكل منفصل: الطيران المسير (Drones) والحروب السيبرانية (Cyber Warfare) في سياق مكافحة الإرهاب...

لم تعد "الدرونز" مجرد منصات لإطلاق صواريخ هيلفاير، بل تحولت إلى خوادم طائرة قادرة على اختراق الأنظمة الرقمية للجماعات المتطرفة. يطرح هذا الاندماج تساؤلاً جوهرياً: هل تبرر الفعالية العملياتية العالية في تحييد التهديدات الإرهابية التضحية بالمعايير الأخلاقية والقانونية الدولية؟.

 

أولاً: الفعالية العملياتية والتقنية: لماذا الدرونز السيبرانية؟

1- تجاوز الفجوة الهوائية (Air-Gap Crossing)

تعتمد التنظيمات الإرهابية المتطورة على عزل أنظمتها الحساسة عن شبكة الإنترنت العالمية لتجنب الاختراق عن بُعد، هنا تبرز فعالية الطائرات بدون طيار؛ حيث يمكنها الاقتراب فيزيائياً من المقرات أو مراكز الاتصال وبث موجات راديوية أو استخدام ثغرات في بروتوكولات (Wi-Fi) أو (Bluetooth) لاختراق تلك الشبكات المعزولة.

 

2- الاستخبارات الإشارية (SIGINT) في الوقت الفعلي

تستطيع هذه الطائرات القيام بمهام صائدات الـIMSI"، وهي أجهزة تحاكي أبراج الاتصالات الخلوية في مناطق الصراع، تجبر هذه الطائرات هواتف العناصر الإرهابية على الاتصال بها، مما يتيح استخراج البيانات، وتحديد المواقع بدقة مترية، واعتراض الرسائل المشفرة قبل وصولها للوجهة.

 

3-  الهجمات السيبرانية المادية  (Cyber-Physical Attacks)

بدلاً من تدمير منشأة بالمتفجرات، يمكن لطائرة مسيرة سيبرانية اختراق نظام التحكم الصناعي (SCADA)  التابع لورشة تصنيع عبوات ناسفة، وتعطيل الآلات أو جعلها تدمّر نفسها برمجياً، مما يحقق الهدف العسكري بأقل قدر من الأضرار الجانبية المادية.

 

ثانياً: المخاطر الأخلاقية (المعضلة الإنسانية)

1- تغميم المسؤولية  (Accountability Gap)

عندما يتم تنفيذ هجوم سيبراني عبر طائرة مسيرة تعمل بخوارزميات ذكاء اصطناعي، يبرز سؤال الأخلاق الأكبر: من المسؤول في حال اختراق مستشفى عن طريق الخطأ بدلاً من مقر قيادة إرهابي؟، هل هو المبرمج؟ أم القائد العسكري؟ أم الذكاء الاصطناعي نفسه؟ هذا الغموض في المسؤولية يضعف الردع الأخلاقي.

 

2- نزع الإنسانية عن الصراع  (Dehumanization)

تحول الحرب إلى ما يشبه ألعاب الفيديو حيث يرى المشغل أهدافاً رقمية وبيانات مشفرة وليس بَشراً، يؤدي إلى تآكل التعاطف الإنساني وزيادة التجرؤ على اتخاذ قرارات هجومية قد تكون كارثية، مما يجعل قرار القتل الرقمي أسهل بكثير من قرار المواجهة الميدانية.

 

3- انتهاك الخصوصية الجماعية كأثر جانبي

تكنولوجيا الاعتراض السيبراني التي تحملها الدرونز لا تميز بين هاتف إرهابي وهاتف مدني يسكن في الجوار، هذا يعني أن مكافحة الإرهاب تتحول إلى مراقبة شاملة تنتهك حقوق المجتمعات المحلية بالكامل، مما قد يؤدي إلى نتائج عكسية بتغذية التطرف نتيجة الشعور بالانتهاك الدائم.

 

ثالثاً: التحديات القانونية والسيادة الدولية

1- السيادة الرقمية والجوية

استخدام الطائرات المسيرة لتنفيذ هجمات سيبرانية عابرة للحدود يمثل خرقاً مزدوجاً للقانون الدولي: خرق للأجواء وخرق للفضاء السيبراني الوطني، الدول التي تكافح الإرهاب غالباً ما تتذرع بـ "الدفاع عن النفس الاستباقي"، وهو مفهوم قانوني مثير للجدل ولا يحظى بإجماع دولي.

 

2- تصنيف الهجوم: هل هو عمل حربي؟

لا يزال القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف) يواجه صعوبة في تعريف الهجوم السيبراني كـ "هجوم" بالمعنى التقليدي ما لم يترتب عليه دمار مادي أو خسائر بشرية فورية، هذا الفراغ التشريعي يسمح للدول باستخدام الدرونز السيبرانية في "المنطقة الرمادية" دون خوف من ملاحقة قانونية دولية.

 

رابعاً: سيناريوهات المستقبل والتهديدات المضادة

1- الإرهاب السيبراني المضاد

هناك خطر دائم من وقوع هذه التقنيات في يد الجماعات الإرهابية نفسها "اختراق الطائرة" (Drone Hijacking)  أو استخدام درونز تجارية رخيصة لتنفيذ هجمات سيبرانية ضد البنى التحتية للدول هو سيناريو كابوسي يلوح في الأفق.

 

2- سباق التسلح بالذكاء الاصطناعي

التوجه نحو الطائرات المسيرة "ذاتية التشغيل بالكامل" التي تتخذ قرار الهجوم السيبراني بناءً على تحليل البيانات الضخمة دون تدخل بشري يمثل نقطة التحول الأخطر في تاريخ الحروب البشرية.

 

وبهذا فإن الهجمات السيبرانية بواسطة الطائرات بدون طيار هي سيف ذو حدين؛ فهي توفر دقة جراحية في استئصال الأورام الإرهابية بأقل تكلفة بشرية ممكنة، لكنها في الوقت ذاته تهدد بتقويض أسس الخصوصية والمسؤولية القانونية الدولية، وفي النهاية يمكن صياغة معاهدات دولية تمنع استقلالية القرار في الأسلحة السيبرانية الطائرة (Human-in-the-loop) وكذلك تشفير البيانات المدنية في مناطق النزاع لحمايتها من الاعتراض العشوائي، وكذلك يمكن ايضاً تفعيل آليات الرقابة البرلمانية والقضائية على العمليات السيبرانية الجوية لضمان التناسب والضرورة.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

د. علي عبد الخضر المعموري

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!