قضايا محلية

العراق.. ديمقراطية بقياسات الكتل السياسية

   تمخضت جمهورية ما بعد حكم صدام حسين عملية سياسية جديدة على أنقاض نظامه الاستبدادي قضى على كل معالم العمل السياسي العقلاني من: التعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة، وحصر السلطات بيده، وحكم البلاد والعباد باللامنطق السياسي، واصول العمل السياسي العقلاني، وكان من اثاره انتاج العقلية الشمولية، والقمع، والحروب، والحصار، والعزلة الدولية، ومع بادرة الامل بالتحول باتجاه نظاما سياسيا قائما على الدستورية القانونية، ويعتمد على ركائز ديمقراطية في العمل السياسي، وتكون التداولية السلمية للسلطة عن طريق ما يقرره الشعب عبر صناديق الاقتراع تدار عبر مؤسسات دستورية مهنية ومحايدة، والاهم من ذلك راي الشعب فيمن يرغب بان يكون ممثلية داخل مجلس النواب ليقرر عنه مشاريع القوانين واختيار من يرغب الشعب في السلطة التنفيذية.

في قبال ذلك ومع أكثر من ثمانية عشر عاما من سقوط النظام الاستبدادي يوما بعد اخر تظهر عيوب كثيرة في فهم الأحزاب والكتل السياسية للديمقراطية والعمل السياسي القائم على أساس القوانين وإرادة الشعب، وهنا من حق الشعب ان يتسائل أي ديمقراطية يعمل بها في العراق بعد النظام الشمولي الاستبدادي البائد، لا نريد ان نعود الى البدايات التأسيسية للعملية السياسية في العراق، وعرف المحاصصة في تقاسم السلطة بدءا من مجلس الحكم الذي هيمن عليه الكرد والشيعة في ضوء معارضة شبه مسلحة آنذاك من قبل السنة للنظام الجديد والجنوح بالرجوع الى الماضي، كتب بعدها دستور مؤقت ومن ثم دائم وهو النافذ لغاية اليوم، الدستور اقر الانتخابات في نظامه النيابي التعددية وقد حددت المادة 76 عملية تشكيل السلطات وإقرارها من قبل مجلس النواب وهي المادة المثيرة للجدل واحدى اكبر الثغرات في تعقيدات المشهد السياسي، والتي تشكلت بموجبها حكومات توافقيه وفق ما يسموه بالديمقراطية التوافقية والتي هي بعيدة كليا من حيث الشكل والجوهر عن الديمقراطية التوافقية المعمول بها في أنظمة سياسية أخرى كسويسرا وماليزيا وغيرهما حيث يكون هناك ائتلاف حكومي في قباله ائتلاف معارض وهذين الائتلافين يضمان قوى سياسية مختلفة في حين تتمحور الديمقراطية التوافقية في العراق على تقاسم كل السلطات في مختلف المؤسسات من قبل الأحزاب الممثلة داخل مجلس النواب دون وجود معارضة واضحة وحقيقة، ويرى متابعين ان الدستور النافذ شجع على فكرة المكوّن السياسي وإشباعه بعبارات طائفية وقومية تمجّد قسمة الغرماء الذين انتصروا متحالفين ضد النظام السابق؛ ما تسبب في تأسيس السخط المجتمعي وتعميق الشعور بالظلم، من خلال ما تضمنه من فقرات وبنود تتعارض مع طموحات واستحقاقات مكونات أخرى، في مقدمهم السنّة العرب، وعدم تمثيله الكامل للمجتمع العراقي بكلياته ومكوناته، وظلت كثير من بنوده كألغام داخل دستور، فتغير هنا مضمون وشكل وابعاد الديمقراطية التوافقية وفق الحالة العراقية الى مقاصد التحاصص بدل الكفاءة وتحول النظام السياسي من الديمقراطية الى الاوليغارشية، من الدولة الخادمة الى دولة الغنيمة.

تكمن خطورة تعاطي الكتل والأحزاب والقوى السياسية في العراق مع الديمقراطية حتى مع اسوء اصنافها المشوهة وهو الديمقراطية التوافقية حينما تكون النتائج لا تصب في صالح هذه القوى، والعلة في ذلك ان هذه القوى لم تفهم بعد جوهر الديمقراطية وعندما تتعامل معها لأنها تريد ان تصل بها الى غايات محددة اذ ان الديمقراطية كفلسفة اجتماعية وقبل ان تكون سياسية قائم على أسس ومعايير علمية متطورة كالمساواة، والكفاءة، والانتخابات الداخلية، والتقنين القانوني والمالي، والمواطنة دون النظر الى العرق والدين والقومية، ومشاركة النساء الحقيقية، وما الى ذلك.

لذا فالديمقراطية بقدر ما هي لعبة سياسية تقوم مخرجاتها على المنتصر والخاسر فأنها في الوقت نفسه فكر وسلوك ومن خلال سلوكيات ومواقف القوى السياسية في العراق يتضح الى حد كبير انها لا تؤمن بالديمقراطية المحايدة أي عندما لا تكون مخرجاتها لا تصب في مسألة الوصول مرة بعد أخرى الى السلطة واذا تعاملت هذه القوى مع الديمقراطية فأنها تتعامل معها كآلية ليس الا، حيث ان هذه القوى تؤمن بعناصر أساسية في تعاطيها العمل السياسي في العراق من خلال مثلاً العنف او استخدام القوة بالتهديد والوعيد مجتمعيا وسياسيا وحزبيا، او الركون الى الشارع، او الى الغش والتزوير والتحايل على القوانين، يضاف الى ذلك هناك مقاسات تمتهنها القوى والأحزاب السياسية في العراق مثل التعكز على الطائفة والمكون او العشيرة او الرمز الديني والقومي، وربما خضعت العديد من القوى السياسية الى أوامر من دول إقليمية ودولية تخالف المبادئ الوطنية ومخرجات العمل السياسي والانتخابي، وهذا هو الحاصل في دعم الكتل السياسية قبل الانتخابات ومن ثم التدخلات الأخرى في عملية تقسيم المناصب والدرجات الخاصة وحتى اللجان البرلمانية.

مما تقدم نقول ان هناك تشوهات قادتها الأحزاب والكتل السياسية في تعاطيها مع العمل السياسي بدءاً بتشكيل الأحزاب والثقافة الحزبية مروراً في التعامل مع القوانين وصولاً الى العمل داخل مجلس النواب وفي السلطة التنفيذية ومؤسساتها أيضا وحتى التدخل في السلطة القضائية، والعيب بكل تأكيد لا يكمن في الديمقراطية كنظرية وسلوك ولعبة سياسية وانما في غياب الثقافة الحزبية والفهم والسلوك الحزبي المضاد لها، ولعل الخطوة الأولى باتجاه التحول الديمقراطية يبدأ من الأحزاب ذاتها على اعتبارها ركيزة أساسية للديمقراطية من ثم في احترام مبادئها وفلسفتها ومخرجاتها على مستوى الانتخابات واختيار من يختاره الشعب، وحقا قد مثل تغيير النظام الاستبدادي فرصة تاريخية في بناء دولة قائمة على مبادئ الديمقراطية والقوانين لكن يبدو ان الضحية كثيرا ما تشبه جلاده في الفكر والسلوك والتعاطي مع مجريات العمل السياسي والاجتماعي، وهذا خطا فضيع ستبين اثاره على الدولة والمجتمع عموما والأحزاب والكتل السياسية المنغمسة في العملية السياسية على وجه الخصوص منذ ايامها الأولى والى الان.

ومن اكتوى بنار الدكتاتورية والاستبداد عليه ان يحتمي منها بالديمقراطية، والفصل بين السلطات، وحكم القانون، ومثل هكذا تجارب عقلانية كانت منقذ للعديد من الدول الغربية التي تبنت الديمقراطية مثل المانيا وفرنسا وإيطاليا بعد عقود من حكم الشمولية والاستبداد في حين ان العقل السياسي العراقي والعربي رغم التحولات الحاصلة منذ زمن لكنه لا يزال يعيش في غرفه المظلمة ولم يتكيف بعد مع واقع وفلسفة الديمقراطية وقد يرفضها اذا ما كانت خلاف ما تريد في حين ان ابجديات العمل الحزبي هو قائم على الفوز والخسار، والخسارة أحيانا تكون مقدمة للفوز في مرحلة قادمة، وهذا الدرس الذي يجب ان يعمله ما يسمى بالاطار التنسيقي الشيعي المعترض في الشارع على نتائج انتخابات تشرين الأول 2021 لكن يبدو ان الشعور بدولة الغنيمة لا يفارق القوى والأحزاب السياسية في العراق والعالم العربي وهذا ما يجعل دوامة التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي مستمرة.

...........................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات