إذ انتهجت بكين "إستراتيجية الصعود السلمي" في جميع المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية، في إشارة اطمئنان إلى القطب المهيمن والمتجسد في الولايات المتحدة الأمريكية، بأنها لا تطمح في أنَّ تأخذ مكانة الاتحاد السوفيتي في الهيمنة على العالم، وأن صعودها لا يهدد الأمن والسلم الدوليين، ولا سيما مع انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية (WTO) عام 2001.
ونتيجةً لذلك بعد عام 2010 ومع تولي شي جين بينغ السلطة، عملت الصين على تغيير استراتيجيتها من "إستراتيجية الصعود السلمي" إلى "إستراتيجية التطور السلمي"، إذ انتقلت من الاستيعاب إلى التشكيل الفاعل للنظام الدولي، ولم تعد تكتفي بالنمو الاقتصادي بل سعت إلى تحويل هذا النمو إلى نفوذ جيوسياسي مباشر ومؤثر، إذ تجسد ذلك النفوذ المباشر والمؤثر في إطلاق مشاريع كبرى مثل "مبادرة الحزام والطريق"، لتعزيز الاتصال والتأثير الاقتصادي عالمياً، إضافة إلى دبلوماسية حازمة، إذ أصبحت السياسة الخارجية الصينية أكثر استباقية (المحارب الذئب)، للدفاع عن مصالحها الوطنية ولا سيما في بحر الصين الجنوبي وقضية تايوان، مما أدى ذلك إلى زيادة التوتر مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بصورة عامة.
ومنذ ذلك الحين لم تكتفي واشنطن في أدراج التنين الصيني، في "إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي" ووصفه بـ(العدو الأصفر)، إذ عدت الأولى الصين بأنها المنافس الأكبر والأخطر والمهدد لمكانتها على النظام الدولي، ولا سيما بعد هيمنتها على معظم مراحل وإنتاج وتكرير المعادن النادرة في العالم، والرقائق الإلكترونية فائقة الأهمية، والتي تشمل مجالات عديدة ومنها تكنولوجية لا غنى عنها في صناعة الهواتف الذكية والكمبيوترات والشاشات، وطاقة متجددة تعد عنصر أساس في توربينات الرياح ومحركات السيارات الكهربائية، وأخرى دفاعية تستخدم في إنتاج أجهزة الرادار والصواريخ الموجهة، إضافة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، فضلاً عن ذلك إلى قدرة شركاتها العملاقة على الإنتاج خارج الصين.
ونتيجةً لذلك ولكونها أكبر مشتري للنفط الإيراني، والدعم العسكري الذي قدمته لإيران، الذي حول الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران إلى حرب استنزاف، ومسألة حسمها عسكرياً أصبح أمراً مستبعداً، ولا سيما مع تفاقم أزمة مضيق هرمز والطاقة العالمية، نظم الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب زيارة رسمية إلى الصين امتدت لثلاثة أيام من 13 آيار إلى 15 آيار من العام الحالي، عدت الأولى من نوعها، إذ ضمت هذه الزيارة وفد اقتصادي ضخم من (17) شخصية، يضم نخبة من كبار التنفيذين في قطاعات التكنولوجيا والطيران والخدمات المالية؛ ويكمن خلف هذا الوفد الاقتصادي وهذه الزيارة إعادة هندسة المنافسة الاستراتيجية بين البلدين، لتتحول من "فصل اقتصادي شامل" إلى "تنافس مدار ومستدام"، يجمع بين المواجهة في ملفات التكنولوجيا والسيطرة على سلاسل التوريد العالمية، وبين الحاجة المتبادلة للاستقرار الاقتصادي والأمن الجيوسياسي، من خلال الآتي:
أولاً/ إستراتيجية المنافسة
1- الانتقال من التفصيل إلى إدارة التنافس: نتيجة التضخم الذي تشهده ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية، والذي تزامن مع الحرب على إيران، صعوبة القطيعة الكاملة، إذ اتجهت نحو "منافسة مدروسة" تسعى لتأمين المصالح الأمريكية في مجالات الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة، دون تدمير شبكات التجارة العالمية.
2- مركز الثقل (السيطرة على المعادن الحرجة): تحول التنافس بين العملاقين من الرسوم الجمركية فقط، إلى السيطرة على المعادن النادرة، وسلاسل توريد المغناطيسات والرقائق المتقدمة (فائقة الأهمية)، إذ تمارس بكين ضغطاً عبر قيود التصدير، بينما تحاول الولايات المتحدة تأمين بدائل لها.
3- مأسسة التنافس التجاري: تم التوافق في هذه القمة على مقترح تأسيس "مجلس تجاري ثاني" مشترك لإدارة الرسوم الجمركية، وهو ما يعد تحولاً كبيراً وواضحاً في محاولة لتحويل المنافسة العشوائية، إلى قواعد لعبة واضحة تسمح بالتعايش التجاري (شركاء لا خصوم).
4- صفقات الاضطرار: راهنت القمة بين الطرفين على "صفقات كبرى" تضمنت (بيع طائرات، شراء فول الصويا وغاز)، لتهدئة التوترات ولتقليص الدعم العسكري لخصوم الولايات المتحدة الأمريكية، مما يعكس ذلك تحولاً نحو صفقات تجارية نفعية، تخدم التوازن الداخلي لكليهما.
ثانياً/ ملامح إعادة الهندسة (الهيكلة) 2026
1- بؤرة الخطر (تايوان): لطالما شكلت تايوان النقطة الأكثر قابلية للأنفجار، إذ تعدها الصين خطاً أحمر للسيادة الوطنية، ولا سيما مع المناورات والتدريبات العسكرية، التي أجرتها الأولى مع زيارة ترامب إلى الصين، بينما تلتزم الولايات المتحدة بتسليحها وتتبع تجاهها "الغموض الإستراتيجي"، مما يتطلب ذلك وضع قواعد إدارة أزمة.
2- سباق التسلح والذكاء الاصطناعي: يسعى الطرفان لتجنب "سباق تسلح رقمي" غير منضبط (غير مسيطر عليه)، من خلال وضع إطار مشترك لسلامة الذكاء الاصطناعي وتقليل فجوة الصدام التكنولوجي المتسارع وفائق الأهمية.
3- الشراكة بدل الخصومة: أظهرت القمة الرئاسية للبلدين رغبة كبيرة في تحول العلاقة إلى "شراكة استراتيجية غير مريحة" بدلاً من الخصومة، بضغط من التحديات الاقتصادية المحلية.
4- الشرق الأوسط (ملف إيران): يبحث ترامب في هذه القمة عن دور صيني واقعي في الحد من دعم إيران، وقطع الدعم العسكري عنها، بينما تحاول بكين الحفاظ على أوراقها الاستراتيجية في المنطقة (أوراق الضغط الاستراتيجي)، مما جعل ملف الطاقة والشرق الأوسط جزءاً من صفقة المنافسة التي طرحت على طاولت القمة.
ثالثاً/ الملف الأوروبي
لا يخلو الملف الأوروبي من أولويات ترامب الاستراتيجية، ولطالما أتهم ترامب الدول الأوروبية بأنهم لا يقدمون شيء مقابل الحماية الأمريكية التي يقدمها لهم، إذ طالبهم مراراً وتكراراً بزيادة الانفاق العسكري والاقتصادي عن أكثر من 2%، وأنّ الولايات المتحدة الأمريكية تقدم الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا نيابةً عنهم، وأنهم يجب أن يردوا هذا المعروف، لكن دول الاتحاد الأوروبي آيست من تصريحات ترامب الهجومية، ولا سيما في ولايته الأولى، إذ أنتهج المسار ذاته تجاه الدول الأوروبية، ومع تزامن الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران طالبهم بتقديم الدعم اللوجستي العسكري والاقتصادي، والمشاركة في فتح مضيق هرمز، وهذا ما واجهته أغلبية الدول الأوروبية بالرفض القاطع، ونتيجة لذلك تخشى الدول الأوروبية في هذه القمة من أنَّ تكون ورقة رابحة بيد ترامب، عن طريق منح الشركات الصينية العملاقة العابرة للحدود حرية التدفق والإنتاج داخل دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما فيما يتعلق بإنتاج السيارات الكهربائية والبطاريات، إذ تنتج الصين هذه السيارات بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة جداً، على غرار تكلفة انتاجها العالية داخل دول الاتحاد، مما ينذر بمنافسة كبيرة داخل دول الاتحاد الأوربي مع الشركات الصينية الكبرى.
في الختام، نصل إلى أنَّ القمة لم تنهي المنافسة بين القطبين الاقتصاديين، بل نقلتها إلى مرحلة أكثر نضجاً وخطورة (منافسة مدروسة لإدارة المرحلة الحالية)، إذ يعد التنافس التكنولوجي والعسكري والاقتصادي هو المحرك الأساس، مع وجود مكابح تجارية لمنع الانهيار الشامل للعلاقات، تجنباً للصدام المباشر ولتقليل التضخم وخفض الرسوم الجمركية بين البلدين، وقطع سلاسل الأمداد اللوجستية عن خصوم واشنطن، ولا سيما فيما يتعلق بالملف الإيراني، إضافة إلى التحكم في الدول الأوروبية في المرحلة القادمة، واستخدامها كورقة ضغط، وفي الواقع هو انتقام شخصي من ترامب لهذه الدول، نتيجة لمعارضتها سياساته التجارية والاقتصادية ورفضها تقديم الدعم العسكري وزيادة الانفاق، لكن ذلك لا يمنع من حصول منافسة تكنولوجية مرعبة ومتقدمة في مجال سلاسل التوريد العالمية، والرقائق الإلكترونية المتقدمة وما يعرف بـ"حقبة سلام السليكيا"، والتي تحاول من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية تحقيق استقرار وقائي، فبدلاً من محاولة هزيمة الصين بشكل مباشر وتفكيك العلاقات الاقتصادية العالمية، تسعى الاستراتيجية الأمريكية إلى الحد من قدرة أي جهة فاعلة منفردة على استغلال سيطرتها على المدخلات الأساسية، بمعنى آخر، التمهيد إلى تشكيل نظام عالمي جديد لا تسيطر على مدخلاته الأساسية قوى منفردة.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!