تلت الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي أستمرت (40) يوماً، هدنة أعلن عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 أبريل 2026، وتضمنت هذه الهدنة عدة شروط كان من أبرزها موافقة إيران على فتح مضيق هرمز بشكل فوري وآمن، والدخول في المفاوضات من أجل التوصل إلى أتفاق شامل، إلا أن المفاوضات التي دخل فيها وأجراها الطرفان يكتنفها عدة غموض، ولاسيما أنها عقدت في دولة ذات حساسية وخصوصية أمنية واستخباراتية عالية مثل باكستان، وفي قاعات سرية ومغلقة تخلوا من الحضور الإعلامي الكبير، إلى جانب الشروط غير المتكافئة التي طرحت على طاولة المفاوضات، إذ طالبت الولايات المتحدة الأمريكية من خلال وفدها، الجانب الإيراني بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم، وبرامج صواريخها الباليستية، ودعم الوكلاء في المنطقة، وهذا ما وأجهته إيران بالرفض، والذي تزامن مع خرق الهدنة، من خلال قيام الكيان الصهيوني بقصف عدة مناطق في لبنان، مما زاد هذا من مسافة الفجوة بين الطرفين، وقلل من فرص التفاهم والحوار حول المطالب المطروحة، ولاسيما مع انتهاء مدة وقف إطلاق النار في 22 أبريل من العام الحالي، وتمديد الهدنة إلى تاريخ غير معلوم، ورفض الوفد الإيراني في اجراء جولة مفاوضات أخرى في باكستان، والاقتصار على طرح المطالب وتوصيلها عبر الأخيرة؛ تتضح من خلال ذلك عدة معطيات تحول دون حدوث مفاوضات سلام تقليدية، وإنما مزيج معقد من إعادة تموضع استراتيجي، وإدارة صراع تكتيكية، إذ حاول الطرفان من خلالها استغلال الوقت الكافي، في التحول من الصراع المباشر إلى تهدئة أو سلام مؤقت، يعيد لهما إعادة التموضع الاستراتيجي من خلال المعطيات الآتية:
1- فشل التهديد المباشر: أدركت واشنطن بعد الحرب التي خاضها أطراف الصراع، أنَ الخيار العسكري في فرض الشروط، أصبح صعباً للغاية وبلا جدوى، وأن التصعيد المستمر قد لا يحقق مكاسب استراتيجية، مما جعل تراجعها تكتيكاً، لإدارة الانسحاب من الحرب دون الإعلان أو الاعتراف بالتراجع، ولاسيما بعد الأزمات التي رافقت الحرب، ومنها أزمة الطاقة، واستهداف المصالح الأمريكية اللوجستية من قبل الجانب الإيراني في المنطقة.
2- ترحيل الصراع: في المرحلة الحالية، لا يعني وقف إطلاق النار انتهاء الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وإنما محاولة دفعه إلى مساحة أكثر تعقيداً (دبلوماسية)، مما يعكس ذلك رغبة كبيرة في إعادة التموضع، وصياغة قواعد اللعبة في نمط مختلف من الصراع غير المباشر، بدلاً من إنهائها.
3- تجزئة الملفات: تركز الجهود الأمريكيةـــ الإيرانية في الوقت الحالي، على الحد من مستويات التخصيب، والقبول النسبي بنفوذ طهران على مضيق هرمز، بدلاً من التركيز على برنامج الصواريخ الإيرانية، مما يعد ذلك تحولاً كبيراً في الأولويات الاستراتيجية.
4- استمرار الصراع بأشكال أخرى: على الرغم من المفاوضات الجارية بين الجانبين، إلا أنها تعد جزءٍ من المواجهة، وليست مقدمة في التوصل إلى أتفاق نهائي، ولاسيما بعد الحصار الأمريكي المفروض على مضيق هرمز والصادرات النفطية الإيرانية، إذ لم يعد هذا الحصار مجرد عقوبات اقتصادية، وانما سيطرة عسكرية أمريكية على المضيق، والمتجسدة في المدمرات العسكرية والطائرات وحاملات الطائرات.
5- إعادة بناء وتعزيز القدرات العسكرية: يحاول اطراف الصراع في ظل هذه المفاوضات الشكلية، إعادة بناء وتعزيز القدرات العسكرية، من أجل الاستعداد في الدخول في مرحلة قادمة من الحرب، ولاسيما بعد استمرار الجانب الأمريكي بتدفق الجنود والمعدات العسكرية، في ظل المفاوضات إلى منطقة الشرق الأوسط، والمتمثلة بطائرات التزود بالوقود وحاملة طائرات ثالثة إلى المنطقة، وعلى الجانب الأخر تعمل إيران على إعادة تهيئة صواريخها الباليستية ومنصات الإطلاق، إضافة إلى تعزيز قيادات الحرس الثوري الإيراني والباسيج من خلال ملئ ثغراتها، والتشديد على أجهزة حفظ النظام في الداخل.
في الختام، يتضح من خلال المعطيات السالفة الذكر، أن الطرفان دخلا في هدنة هشة للغاية، تجنباً للاستنزاف الاستراتيجي وللمواجهة الشاملة، والتي تعد في جوهرها مناورة تكتيكية لإدارة المآزق العسكري والسياسي الحالي للطرفين، إذ تشهد المنطقة إعادة تموضع استراتيجي أمريكي يعمل على الموازنة بين الضغط النووي أو الاجتياح البري وبين تأمين الملاحة البحرية، وهذا ما يجعل المرحلة القادمة من الحرب مبهمة المسارات والخطوط، في حالة عدم التوصل إلى أتفاق نهائي وشامل للصراع.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!