الكاتب: د. راشد والي جانجوا- معهد اسلام اباد للدراسات والبحوث
وكان من أفضل السبل لكبح جماح إيران النووية هو السعي للحصول على ضمانات من خلال اتفاق مثل خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، الذي أبرمه الرئيس الأمريكي الأسبق اوباما.
كان الضمان الثاني ضد انتشار الأسلحة النووية من جانب إيران هو الفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية، والتي تمنع إيران من تطوير قنبلة نووية، إلا أن استياء إيران من نظام العقوبات اعتُبر تحديًا للاتفاق النووي، ما دفع الولايات المتحدة إلى إلغاء الاتفاق، وكان إلغاء الاتفاق النووي خطأً فادحًا، إذ أزال القيود المفروضة على الإيرانيين للامتثال لأحد أكثر أنظمة التفتيش النووي تدقيقًا في العالم، كما تعرض الإيرانيون سابقًا لهجمات إلكترونية استهدفت تخريب مرافق تخصيب اليورانيوم في منشأة نطنز، وبعد معاملة الإيرانيون كدولة نووية مستبعدة، فُرضت عليهم عقوبات شديدة التقييد، ما زاد من إحباطهم وتحديهم.
لكن أثارت أنباء قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% قلق القيادة الإسرائيلية، وبدأ القادة الإسرائيليون التنسيق مع الولايات المتحدة لمنع إيران من تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز المستوى المتفق عليه سابقًا والبالغ 3,67%، وساهمت سلسلة من التطورات في تسريع مساعي إسرائيل للحد من قدرات إيران، من بينها صعود قادة اليمين المتطرف في إسرائيل بقيادة نتنياهو، وعودة الرئيس ترامب إلى منصبه في واشنطن.
وفي الوقت نفسه، أدى ضعف النظام العالمي القائم على القواعد، وعجز الأمم المتحدة عن منع الدول القوية من التحرك ضد الدول الأضعف، إلى خلق سابقة وحافز للقوى الكبرى للتحرك بشكل منفرد، وقد أبرزت الإبادة الجماعية في غزة فشل النظام القائم على الأمم المتحدة، لكن اضمرت حكومة نتنياهو هدف أناني يتمثل في إطالة أمد الصراع في غزة وضرب إيران لتأخير الانتخابات وتجنب توجيه اتهامات محتملة بالفساد. ولذلك، كان سيناريو الحرب الدائمة مناسبًا لنتنياهو، ولتحقيق هذه الغاية، تعرضت الولايات المتحدة لضغوط للتخطيط لهجوم على المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، حتى مع إحراز المحادثات الإيرانية الأمريكية تقدمًا ملحوظًا، وسط توقعات بالتوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين في الجولة القادمة من المحادثات في فيينا.
فوجئ الرئيس الأمريكي الذي كان يأمل في استسلام إيران دون حرب فوضوية بفشل الإكراه، إلى جانب نشر أسطول ضخم، مما دفع إسرائيل والولايات المتحدة إلى شن هجمات جوية وصاروخية على إيران في الأول من مارس، ما أثار إدانة من الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي الأوسع، في هجمات مفاجئة دون موافقة الأمم المتحدة.
على الصعيد الآخر، يمتلك الإيرانيون أيضاً طائرات شاياد القتالية بدون طيار، وهي خيار منخفض التكلفة (حوالي 30 ألف دولار للطائرة الواحدة) مقارنةً بطائرات الاعتراض الدفاعية الأمريكية مثل باتريوت، التي تبلغ تكلفتها حوالي 4 ملايين دولار للطائرة الواحدة، وقد ادعى وزير الحرب الأمريكي ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين تحقيق سيادة جوية كاملة، وتحولاً من استراتيجية المواجهة إلى استراتيجية التدخل، مما يعني ضمناً استخدام قنابل الجاذبية غير الذكية، ويشير بعض المحللين إلى استنزاف الترسانة الأمريكية من الذخائر الذكية، بما في ذلك صواريخ كروز وقنابل JDAM، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي شخصياً إلى الدعوة لزيادة إنتاج الذخائر الذكية محليا.
الا أن الكثير يعلم أن الولايات المتحدة قد زُجّت في الحرب من قبل نتنياهو، مما تركها بلا استراتيجية واضحة لإخضاع إيران، ومع استبعاد التدخل البري، فإن الحملة الجوية والصاروخية وحدها غير كافية لتحقيق أهداف الحرب، ووفقاً للبروفيسور ميرشايمر دخلت الولايات المتحدة الحرب دون استراتيجية خروج، إذا كان تغيير النظام هو الهدف، فلا توجد قوة مضادة على الأرض في إيران قادرة على تحقيقه، بل إن الحملة الجوية والصاروخية قد عززت من عزيمة الحرس الثوري الإيراني، وحشدت القومية الإيرانية خلف قيادته.
حيث يبدو خيار التقسيم غير واقعي، إذ لم يُظهر الأكراد ولا الجماعات العرقية المهمشة الأخرى، كالبلوش والعرب والأذربيجانيين، القدرة على تحدي الحرس الثوري الإيراني أو الجيش الإيراني، ووفقًا لنظرية إيفان أريغوين- توفت للتفاعل الاستراتيجي في الصراعات غير المتكافئة، غالبًا ما ينتصر الخصم الذي يستخدم استراتيجية غير مباشرة بإرادة أقوى.
قد تخدم الحرب المطولة المصالح الإسرائيلية، حيث يأمل نتنياهو في تعزيز حظوظه الانتخابية، لكنها لا تخدم بالضرورة المصالح الأمريكية، ويبقى السؤال مطروحًا: هل ستسعى الولايات المتحدة لإنهاء الحرب بعد إضعاف إيران بما يكفي لدفعها للعودة إلى المفاوضات، وهل ستقبل إيران بمثل هذه الصفقة؟. يبدو ما سبق الخيار الأنسب للولايات المتحدة للخروج من مأزقها العملياتي، بالنظر إلى تاريخ الحروب الحديثة على مدى المئة عام الماضية، والذي يؤكد أنه لم يُحسم أي حرب ضد خصم عنيد بالقوة الجوية والصاروخية وحدها.
السيناريوهات المستقبلية للأزمة الإيرانية
في ضوء المعطيات التي عرضها الكاتب جانجوا، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسة للأزمة الإيرانية، تتباين وفق مستوى التصعيد وطبيعة التفاعلات الدولية:
1- سيناريو التسوية المشروطة
يفترض هذا السيناريو عودة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، سواء بصيغة معدلة للاتفاق النووي أو عبر تفاهمات جزئية، تقوم على مبدأ التجميد مقابل التخفيف، بحيث تحد إيران من مستويات التخصيب مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، ويعد هذا السيناريو الأكثر عقلانية من منظور الكلفة، لكنه يتطلب إرادة سياسية من واشنطن وطهران، فضلاً عن كبح الضغوط الإسرائيلية.
2- سيناريو التصعيد المنضبط
يقوم هذا السيناريو على استمرار نمط العمليات السيبرانية، واغتيالات، وضربات محدودة، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، في هذا السياق، تستمر إيران في رفع مستوى التخصيب كورقة ضغط تفاوضية، فيما تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل سياسة الردع الانتقائي.
3- سيناريو المواجهة العسكرية المفتوحة
وهو السيناريو الأخطر، ويفترض فشل المسارات الدبلوماسية، مع لجوء إسرائيل –بدعم أو تغطية أمريكية– إلى ضرب المنشآت النووية الإيرانية، ما يدفع طهران إلى رد واسع يشمل استهداف القواعد الأمريكية وإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي يهدد بإشعال صراع إقليمي واسع النطاق.
ما بعد تحقق السيناريوهات
إن تحقق السيناريوهات الثلاثة اعلاه، لا يعكس انتقال الأزمة الإيرانية نحو الحسم، بل يؤشر إلى دخولها طورا أكثر تعقيدا يتمثل في نموذج الصراع الدوري؛ حيث لم تعد هذه السيناريوهات بدائل محتملة، بل تحولت إلى أنماط سلوكية متكررة تستخدم بالتناوب ضمن استراتيجية إدارة الصراع. ففي هذا النموذج، تتعاقب مراحل التصعيد والاحتواء والتفاوض بصورة دورية، بما يتيح لكل طرف تعظيم مكاسبه الجزئية دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو تقديم تنازلات نهائية.
إن دلالة هذا التحول تكمن في ترسيخ حالة اللا حسم الاستراتيجي، حيث يستمر التوتر بوصفه حالة طارئة، مع بقاء احتمالات الانزلاق قائمة نتيجة تكرار الاحتكاك وارتفاع مخاطر سوء التقدير، وعليه فإن مستقبل الأزمة الإيرانية مرهون بقدرة الفاعلين على ضبط إيقاع هذه الدورة، لا كسرها، في بيئة إقليمية ودولية باتت تميل إلى إدارة الأزمات بدل حلها.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!