تتوالى وتستمر ممارسات جلد العملية السياسية العراقية بسياط الصراعات والجمود السياسي بعد اعلان نتائج الانتخابات المبكرة، وقد يعزى ذلك الى طبيعة النظام السياسي الذي بُني سلوكيا وفق مبدأ المحاصصة، السياسية او الى قانون الانتخابات او الطعن بنزاهتها، لكن الحقائق والوقائع تشير الى ان الخلل والعلة ليست في النظام السياسي او النظام الانتخابي او التلاعب بالنتائج فحسب انما له مسببات عدة ناتجة عن الممارسات الخاطئة والمتراكمة للقادة السياسيين واحزابهم من مختلف المكونات: شيعة وسنة واكراد، ممن اسهموا في اضعاف النظام السياسي واجهاض كل محاولات انقاذه حينما تتاح فرص وتبرز قيادات ومبادرات وطنية تريد مواجهة هذه الاختلالات، ولهذا عرف ناخبوا هذه القيادات واحزابها العلة والسبب فاحجم عنهم الجمهور.

هذه الممارسات التي يتمسك بها القادة التقليديون الذين يعملون تحت غطاء واسوار المكونات المحصنة بذاكرة مليئة بالعداء والخوف من الاخر، يجعل اي نجاح سياسي او انتخابي او انجازي يعمل على تخليص النظام السياسي العراقي من مخرجاته السلبية مسألة صعبة التطبيق، حتى في اللحظات التي يكون فيها الجميع تحت التهديد الوجودي، يتم التموضع باستغلال هذا التهديد لتعزيز المكاسب واضعاف الخصوم والمزايدة على حساب الوطن والمواطن، وهذا ما حصل بتهديد داعش الواضح والصريح، ومحاولات توجيه مسار الاحتجاجات الشعبية وركوبها، او استخدام الجمهور الخاص كأداة للتغطية عن الاخفاق في الانتخابات والتراجع في عدد المقاعد النيابية.

إذا كان ثَمّ هنالك أمل، فإنه ينعقد ويقع على عاتق وجود طبقة سياسية جديدة مستقلة تكون أكثر تفاعلا مع الجماهير وتحظى بالمقبولية الشعبية، وهذا بدأ بالظهور على الساحة السياسية مؤخرا وترسخ بعد اعلان نتائج الانتخابات المبكرة، مثل هذه الطبقة تمثل جيلاً مهما من السياسيين يُراهَن على اداء مثل هؤلاء، على إنهاء الصراعات والخلافات المحتدمة بسبب سياسات وممارسات القادة التقليديين الذي قاد اداءهم الى تدمير هذا البلد.

لا افق امام العراق حاليا الا بالتعويل على هذه القوى بتشكيل فرص واجتراح سياسات تعمل على الاسهام في بناء الدولة وفقا لاستحقاقات هذه الحقبة، فهؤلاء القادة اذا ما مثلوا مصالح جماهيرهم ما بعد الانتخابات الاخيرة، بنظرة متطلعة جديدة تغادر الضغائن والتقاطعات السياسية فالعملية السياسية ستكون بمسارات امنة.

ووفقا لنتائج الانتخابات يعول على الفائزين الثلاثة (الصدر، الحلبوسي، البارزاني) والمستقلين الجدد الذين يمثل جزء كبير منهم حركة تشرين الاحتجاجية، بتشكيل ائتلاف او تحالف سياسي  يصوب الاخطاء السابقة ويعمل على تأسيس فعل سياسي جديد تنتج عنه حكومة قوية وبرلمان فاعل، فالكتلة الصدرية هي الفائز الاول في الانتخابات والصدر زعيم ديني لديه جمهور واسع ومطيع لكنه يعول على تغيير في الاداء السياسي والانجازي، اما الحلبوسي الفائز الثاني في الانتخابات استطاع ان يكون رقما سياسيا مهما لتمثيل العرب السنة في العراق، من خلال النتائج التي حققها في الانبار ونينوى وصلاح الدين وديالى وبغداد وكركوك، فقد شكل الحلبوسي خطاً مستمراً من التواصل والانجاز مع جمهوره ومناطقه وعمل على طمأنة مخاوف هؤلاء وتمثيل مصالحهم وامتلك القدرة على التواصل مع المكونات السياسية كافة، اما البارزاني فرغم كل الحملات المضادة الموجهة ضده وضد الاقليم الا انها لم تنال من رمزيته السياسية القومية وعمق امتدادته المحلية والاقليمية والدولية والشعبية ولازال الرجل السياسي الاول الذي يتحكم بخيوط العملية السياسية في اقليم كردستان على المستوى الشعبي والانتخابي والقدرة على التفاوض واستحصال المكاسب ويعول عليه في تشكيل اي حكومة او اتفاق او تفاهم سياسي.

اما المستقلون فيمثلون الامل الاكبر لمستقبل العراق واداءهم المرتقب ايجابيا سيكون البوابة لاستقطاب تيار مقاطعة الانتخابات في المرحلة القادمة وهذا قد يؤشر اتجاه العملية السياسية صوب الوجوه الشابة الجديدة التي تمثل تطلعات العراقيين بعد العام ٢٠٠٣ دون النظر الى الماضي بل التفكير في المستقبل دون ضغائن.

نتائج الانتخابات كانت بمثابة صفعة كبيرة للاحزاب التقليدية المتصارعة على المواقع والمناصب، ولهذا شكلت النتائج ازمة حادة خاصة حول من هي الكتلة الشيعية الاكبر المعنية بتسمية رئيس الحكومة في حين ان الهدف من تشكيل أيّ حكومة هو الخروج من أزمة، فأي شخصية تأتي من دون توافق ومقبولية عامة وكتلة كبيرة ستنذر بالذهاب إلى حكومة تهدد السلم المجتمعي قد تحدث شرخا بين مكونات المجتمع، ولهذا لابد من الحرص على التوافق بين القوى السياسية كافة على ان تتحمل القوى الفائزة ومسؤولية تسمية رئيس الحكومة وباقي الرئاسات، فان اي خيار يخص تشكيل الحكومة واستكمالها لن يمر خلافا لإرادة الشعب والسياقات القانونية النافذة، ووفقا لنتائج الانتخابات وطبيعة التحالفات السياسية.

كل مطالبات التشكيك والطعن بالانتخابات تندرج تحت فقدان المكاسب السياسية والاستمرار بهذا النهج لن يحقق او يغير شيئا سوى استمرار الصراعات والجمود السياسية والتراجع الشعبي.

الأمل الان منعقد في القيادات السياسية الثلاثة واحزابها والقوى المستقلة لتبني منهجا معتدلا اكثر من السابق، وهذا سيكون أكثر أهمية في الأيام القادمة لانجاز المطالب الشعبية واستحقاقات المرحلة القادمة.

وفي المقام الاخير نقول أن العوامل التي ستمزق العراق الى اشلاء هي الانفعالات والعواطف والطائفية والخوف والتردد من بروز قوى سياسية عقلانية ومشاريع وطنية جديدة قادرة على تمثيل المصالح بشكل عادل، والبقاء صفاً موحدا ضد الطموحات والتدخلات الخارجية. فلا بد ان يتم دعم واسناد هذه القوى شعبيا لتكون قادرة على البقاء ومعترفة بالاختلافات بين مكونات البلد، وتعرف معطياته ومتطلباته، وبهذا سوف يكون هناك سبب للتفاؤل، وعدا ذلك لن يبقى العراق متماسكا.

لا نعول كثيرا على مسألة القيادات الجديدة والمستقلة فقط في انجاز الاصلاح والتغيير المنشود، فلابد ان يكون النظام السياسي كذلك، دستور وقوانين وانظمة خادما ومستوعبا لخصوصيات الشعب العراقي، لكن تزداد هشاشة الديمقراطية وحضور المخاطر السياسية والمشاعر غير الناضجة في العراق في ظل مواجهة بروز القيادات السياسية الوطنية المعتدلة والطعن في الانتخابات وعدم احترامها واحترام مخرجاتها، فلو سارت الامور وفق السياقات الدستورية والقانونية والاعتراف بالواقع والاقتراب من الشارع والاستجابة لمطالبه واهتماماته، فإنها ستشكل نسبيا الامل الاكبر لمستقبل العراق.

...........................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات