قضايا محلية

محاولة اغتيال الكاظمي: التوظيف والتداعيات

    شكلت حادثة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي انعطافة كبيرة في المشهد السياسي العراقي والاقليمي والدولي، فبعد مشهد الاحتجاجات الرافضة لنتائج الانتخابات النيابية المبكرة من قبل جمهور مايعرف بقوى الاطار التنسيقي وضغطها باتجاه قبول الطعون واعادة العد والفرز اليدوي للاصوات بعد خسارتها اكثر من ٣٠ مقعد، وصولا الى مشهد الصدامات على بوابة المنطقة الخضراء وسقوط قتلى وجرحى من المتظاهرين والقوات الامنية، خيم حادث الاغتيال على كل هذه المشاهد، خاصة بعد توجيه الاتهامات الاولية من قبل الكاظمي وفريقه في الحادثة الى فصائل الحشد الشعبي المقربة من ايران التي تحركها القوى السياسية الرافضة لنتائج الانتخابات، بسبب التهديدات المستمرة ضد الكاظمي، اذ قال في كلمة مباشرة: "إن الصواريخ والمسيرات الجبانة لا تبني أوطاناً"، ولاحقا غرد "إنّ هؤلاء المتورطين نعرفهم جيداً وسنكشفهم".

استطاع الكاظمي وفريقه توظيف هذه الحادثة بشكل براغماتي خدم مقبوليته الدولية والاقليمية واحرج خصومه السياسييين الرافضين لتجديد ولايته الحكومية مرة ثانية واستطاع التغطية على حادثة الاعتداء على خيم المتظاهرين وحرقها وقتل اثنين من قادة الحشد الشعبي وجرح العشرات منهم، فبدل من اضطلاع قوى الاطار التنسيقي وفصائل الحشد من زيادة بؤرة التوتر ضد الكاظمي ومحاولة توريطه وافشال رغبته بالبقاء وتقديمه للمحاكمة كما صرح امين عام حركة عصائب اهل الحق قيس الخزعلي، وايقاع المزيد من الشكوك واضعاف مصداقية نتائج الانتخابات، استثمرت الحادثة حكوميا باتجاه تذويب كل هذه المشاهد التي حضرت لها القوى المعارضة للنتائج نتيجة استمرارها بالتهديد لشخص الكاظمي وحكومته منذ شهر، فقد هدد احد قادة الفصائل الحكومة بضرورة التراجع عن تزوير الانتخابات بقوله: "ان هنالك ادلة قاطعة دامغة حول التزوير وسيكون لنا موقف اخر خلاف ذلك"، واضعا التزوير في سياق استهداف امريكي اسرائيلي للحشد الشعبي، اما المتحدث باسم كتائب حزب الله ابو علي العسكري هدد الحكومة قائلا: "على الإخوة في الحشد الشعبي أن يحزموا أمرهم وأن يستعدوا للدفاع عن كيانهم المقدس"، معتبرا ان نتائج الانتخابات بمثابة  "عربون ذبح الحشد الشعبي".

وبعد حادثة الاشتباك بين المتظاهرين والقوات الامنية تعهد الأمين العام لعصائب أهل الحق الشيخ قيس الخزعلي بمحاكمة الكاظمي محملاً إياه المسؤولية عن دماء الشهداء، قبل ساعات من محاولة الاغتيال. كما ان هذه الحادثة تزامنت مع جولة للسيد مقتدى الصدر في بغداد  للتباحث والتفاوض مع القوى السياسية الفائزة مستثنيا ائتلاف دولة القانون وتحالف الفتح، على تشكيل الحكومة، مما فسر على انه رد فعل على الاستبعاد او محاولة لنشر الفوضى والارتباك واعتبار الحادثة رسالة تهديد شديدة من القوى المتراجعة انتخابيا على اي حراك سياسي يقصيهم من المشاركة في الحكومة والمناصب الاخرى، خاصة ان الصدر دعى إلى حصر السلاح بيد الدولة مانعاً استخدامه خارج هذا الإطار وإن كان "ممن يدعون المقاومة"، هذا الكلام تجاه تيار المقاومة يعد بمثابة انتقاد قاسي للفصائل المقربة من ايران، استثمر بشكل مدروس لتوريط هذه الفصائل بمحاولة الاغتيال.

التداعيات والمواقف مابعد حادثة الاغتيال، كانت لصالح الكاظمي على المستوى المحلي خاصة ان قادة الحشد الشعبي خففوا من حدة لهجتهم تجاه رئيس الوزراء لكنهم ألمحوا الى التشكيك في حقيقة حادثة محاولة الاغتيال، وكتب الشيخ الخزعلي بياناً اوضح هذا التشكيك قال فيه: "إذا لم يكن (الهجوم) انفجاراً عرضياً أو ما شابه، وكان استهدافاً حقيقياً، فإننا ندين هذا الفعل بكل صراحة" كما وصف الحادثة بأنها "محاولة لخلط الأوراق لمجيئها بعد يوم واحد على الجريمة الواضحة بقتل المتظاهرين والاعتداء عليهم وحرق خيمهم". خاصة ان الشيخ الخزعلي حذر قبل أيام قليلة، من نية أطراف مرتبطة بجهات مخابراتية بقصف المنطقة الخضراء وإلقاء التهمة على فصائل المقاومة، كما طالب بتحقيق موثوق في الحادثة وهذا يؤكد الى حد كبير رواية التشكيك واستخدامها كورقة سياسية امنية لمواجهة فصائل المقاومة والاجهاز على مالديهم من اوراق في قضية نتائج الانتخابات ومخرجاتها في تشكيل الحكومة والرئاسات الاخرى.

كما شكك فصيل كتائب حزب الله، في جدية الاستهداف، بطريقة ساخرة وحادة، اذا صدر تصريح عن أبي علي العسكري قال فيه: "إنّ هنالك طرقاً أقل تكلفة لإيذاء رئيس الحكومة في حال برز هذا الهدف، متهما إياه بلعب دور الضحية".

اما التوظيف والتداعيات للحادثة على الصعيد الاقليمي والدولي، فالولايات المتحدة الرابح الاول، وظهرت إيران وكأنها متورطة بشكل مباشر، بعد توجيه أصابع الاتّهام اليها على نطاق واسع دوليا باعتبارها صاحبة القرار الأساسي في هذا الهجوم، لكن من الناحية النظرية من الصعب والمستبعد ان تقوم طهران بخطوة كهذه تعمل على مفاقمة مأزقها في العراق المتمثل بتراجع مقبوليتها الشعبية في هذا البلد كما ان خطوة كهذه ستقوض احتمالات إنجاح عودتها إلى طاولة المفاوضات النووية في فيينا مع الولايات المتحدة والدول الغربية. خاصة انها أعلنت قبل ايام عن عودتها إلى المحادثات في ٢٩ من الشهر الحالي، ومحاولة الاغتيال لرئيس الوزراء العراقي ستكون مكشوفة وواضحة نحو ادانتها وبالتالي لن تقربها من الغرب ولن تعمل على ترسيخ اطار التعاون مع المجتمع الدولي في مواجهة واشنطن، حتى ولو لم تكن طهران تنوي الايفاء بهذا الالتزام بالعودة إلى طاولة المفاوضات، فالمناورة الايجابية في الملف النووي سيمكنها من امساك اكبر قدر ممكن من الأوراق في مواجهة الضغوط الامريكية وهذا الحال يفرض عليها عدم تبني اي مغامرة او حماقة امنية او عسكرية او حتى تصريحات اعلامية حادة تجاه الوضع الاقليمي وخاصة في العراق في الوقت الحالي، كما ان ايران تجد في استهداف القوات الأميركية والساندة لها في العراق أقل كلفة عليها من استهداف رئيس حكومة يحظى بدعم دولي واسع.

لهذا من المستعبد ان تتبنى طهران محاولة الاغتيال او ان تكون مسؤولة عنها او اعطت اوامر للفصائل المقربة منها للقيام بذلك، ربما ان يكون اصل الهجوم قد تم من قبل اطراف محلية مدفوعة بمصالح ضيقة لحساب اطراف سياسية او ربما يكون الحادث مفتعل لغرض توظيفه في مسارات اضعاف ايران والقوى السياسية المقربة منها.

وبكل الاحوال مابعد محاولة الاغتيال قد يعمل على اطالة امد بقاء القوات الامريكية في العراق وهذا السيناريو لاتريده ايران، ويعمل على تمكين الرئيس بايدن نحو استخدام هذه الحادثة على نطاق دولي داخل مجلس الامن ومحكمة العدل الدولية لادانة ايران وفصائل المقاومة على غرار حادثة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لبنان عام ٢٠٠٥، وهذا يمنح بايدن فرصة لفرض اجنداته في العراق التي كان يأمل تنفيذها حينما كان نائبا للرئيس بتقسيم العراق الى ثلاثة دول وفق نطاق المكونات الاساسية فيه، ورغم ان الادارة الامريكية لديها مسار غير واضح صوب الانسحاب التدريجي من منطقة الشرق الاوسط ومن المرجح ان يكون العراق هو المحطة الثانية بعد افغانستان خاصة ان الولايات المتحدة سبق لها أن خفضت عديد قواتها القتالية في العراق وحولت الجزء الباقي إلى الدور التدريبي الاستشاري، لكن لازالت هنالك مخاوف كبيرة من حلفاء واشنطن من النفوذ الايراني في المنطقة يمنع تخليها عنهم في هذه المنطقة المضطربة والعراق اهمها.

لكن في النطاق العام ادركت الادارة الامريكية ان الديمقراطية اثبتت هشاشتها في دول منطقة الشرق الاوسط ولازالت تعاني من نزاعات وصراعات داخلية كما هو الحال في العراق الذي يعاني من ازمة في مسار بناء الدولة ومن عدم الاستقرار السياسي المستدام.

مع ذلك من المرجح ان لا تؤثر محاولة اغتيال الكاظمي لوحدها على حسابات الرئيس بايدن وعلى مقارباته في العراق خاصة بعد فشل هذه المحاولة، ولن تؤثر كثيرا في تفاعلاته الجيوسياسية وحسابات القوة مع ايران الا في نطاق استخدامها كورقة ضغط من بين اوراق عديدة ان حظيت هذه المحاولة بالاثبات والمصداقية، وهذا ليس مستغربا ان يكون الرئيس بايدن غير مهتم بالشأن العراقي بقدر مقارنته بالشأن الايراني بالاساس حتى وان اصبح العراق واقعيا جزء من مناطق النفوذ الايراني بعد الانسحاب الامريكي منه في حال ضمان امن الحلفاء وفقا لاتفاق مبرم فيه منافذ قوة لبايدين يسمح لاي ادارة قادمة بالانسحاب منه والعودة الى العراق والمنطقة وفق سياقات تدخلية واسعة.

...........................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات