ثم تحولت تدريجياً إلى معادلة ردع متبادل، تارةً تأخذ شكل العقوبات الاقتصادية، وتارةً تنزلق إلى حافة الاشتباك العسكري غير المباشر غير أن السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي في ولايته الأولى، أظهرت أن الصراع لم يعد يدور حول ملف تقني محدود، بل بات يعكس صراعاً أوسع على إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط في ظل تحولات النظام الدولي.
عقب الانسحاب الأمريكي من الاتفاق عام 2018، دخل البرنامج النووي الإيراني مرحلة جديدة فبدلاً من الالتزام بقيود التخصيب التي نص عليها الاتفاق، شرعت طهران في رفع نسب التخصيب وتطوير أجهزة الطرد المركزي وتوسيع بنيتها النووية هذا التحول لم يكن مجرد رد فعل سياسي، بل كان رسالة استراتيجية مفادها أن سياسة “الضغط الأقصى” ستقابلها سياسة “التقدم النووي المحسوب” ومع استهداف بعض المنشآت أو الحديث عن ضربات طالت مرافق حساسة، أعادت إيران هيكلة توزيع منشآتها وعمّقت طابعها التقني الدفاعي، بما يجعل البرنامج أقل عرضة للتعطيل الكامل بضربة واحدة. وهكذا، تحوّل البرنامج من ورقة تفاوض إلى عنصر مركزي في معادلة الردع.
في المقابل، لم يكن التصعيد الإسرائيلي بعيداً عن المشهد فـإسرائيل تنظر إلى اقتراب إيران من “العتبة النووية” بوصفه تهديداً وجودياً، وترى أن أي مفاوضات لا تنتهي بتفكيك جوهري للبنية النووية والصاروخية الإيرانية ستكون اتفاقات مؤقتة وخطرة، ومن هنا جاءت مرحلة التصعيد التي وُصفت إعلامياً بـ“حرب الاثني عشر يوماً”، وهي وإن لم تتحول إلى حرب شاملة، إلا أنها كشفت هشاشة التوازن القائم، وأظهرت أن المنطقة تقف على خط تماس دائم بين الردع والانفجار.
غير أن هذا الصراع لا يُفهم فقط من زاوية ثلاثية (واشنطن– طهران– تل أبيب)، بل ينبغي إدخاله ضمن شبكة تحالفات أوسع فالعلاقة المتنامية بين الكيان الإسرائيلي والهند أضحت أحد العوامل المؤثرة في ميزان القوى الهند، التي تطورت شراكتها الدفاعية والتكنولوجية مع إسرائيل خلال العقدين الأخيرين، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة فهي تحتاج إلى علاقات وثيقة مع واشنطن وتل أبيب، لكنها في الوقت ذاته لا ترغب في خسارة إيران كممر استراتيجي للطاقة والتجارة نحو آسيا الوسطى، هذا التوازن الهندي يعكس طبيعة المرحلة لا اصطفافات حادة بقدر ما هي حسابات مصالح مركبة.
في الضفة المقابلة، تعززت علاقات إيران مع الصين وروسيا، ومعهما بدرجة أقل كوريا الشمالية اذ ان الصين تنظر إلى إيران بوصفها شريكاً محورياً في مبادرة “الحزام والطريق” ومصدراً آمناً للطاقة بعيداً عن الضغوط الأمريكية، بينما ترى روسيا في طهران شريكاً تكتيكياً في مواجهة تمدد النفوذ الغربي، خصوصاً في الساحة السورية وأمن القوقاز، أما كوريا الشمالية، فتقدم نموذجاً لدولة تمكنت من تطوير قدرات ردعية رغم العقوبات، وهو ما يثير اهتماماً في التفكير الاستراتيجي الإيراني. ومع ذلك، فإن هذا التقارب لا يرقى إلى تحالف عسكري ملزم، بل هو تقاطع مصالح ظرفي تحكمه حسابات دقيقة لكل طرف.
في هذا السياق، يثور السؤال: ماذا تريد إدارة ترامب –إذا عادت– من إيران؟ التجربة السابقة تشير إلى أن التفاوض، من منظورها، لن يقتصر على البرنامج النووي، بل سيشمل الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي الإيراني. واشنطن تعتبر أن الاتفاق السابق عالج “الشق النووي المؤقت” وأغفل عناصر القوة الإيرانية الأخرى. لذلك فإن أي مسار تفاوضي جديد سيحاول إدماج هذه الملفات في إطار شامل، يهدف إلى إعادة هندسة السلوك الإيراني في المنطقة.
أما إيران، فغايتها الأساسية تتمثل في رفع العقوبات بشكل فعلي ومستدام، والحصول على ضمانات تحول دون انسحاب أمريكي جديد من أي اتفاق. وهي ترى أن إدراج ملف الصواريخ أو نفوذها الإقليمي يمس جوهر عقيدتها الدفاعية. فالصواريخ تمثل، في منظورها، تعويضاً عن اختلال ميزان القوى التقليدي مع إسرائيل والولايات المتحدة. ومن ثم، فإن التنازل عنها يعني تقويض ركيزة الردع الأساسية.
هل المفاوضات إذن مجرد خدعة أو وسيلة لكسب الوقت؟ تاريخ العلاقة بين الطرفين يظهر أن كليهما يستخدم الوقت أداةً استراتيجية. الولايات المتحدة توظف المفاوضات لاحتواء التصعيد وتنسيق مواقف حلفائها، بينما تستثمر إيران الفترات التفاوضية لتثبيت مكاسب تقنية أو تخفيف الضغط الاقتصادي غير أن وصف العملية بالخدعة الكاملة يتجاهل حقيقة أن كلفة الحرب الشاملة باهظة على الجميع، خصوصاً في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي واعتماده على استقرار إمدادات الطاقة من الخليج.
إقليمياً، تميل الدول العربية خصوصا بعض دول الخليج مثل عمان وقطر والسعودية إلى تجنب المواجهة الشاملة، لأنها ستكون الساحة الأولى لأي تصعيد بعض هذه الدول يفضل تسوية تقيّد البرنامج النووي الإيراني دون انهيار الدولة الإيرانية، فيما تسعى أخرى إلى موازنة علاقاتها بين واشنطن وطهران، أما تركيا، فتتبنى سياسة توازن دقيقة تنافس إيران في بعض الملفات، لكنها تعارض إضعافها جذرياً، خشية اختلال ميزان القوى لمصلحة أطراف أخرى وبالنسبة إلى باكستان، فإن أي حرب واسعة قرب حدودها الغربية تمثل تهديداً مباشراً لاستقرارها الداخلي، كما أن أفغانستان، بحكم هشاشتها السياسية، ستتأثر سريعاً بأي تصعيد إقليمي، وبالتالي يبقى احتمال الحرب مطروحاً، لكنه ليس وشيكاً بالضرورة فالحسابات الأمريكية ترتبط بتنافسها الاستراتيجي مع الصين في آسيا، ولا تبدو راغبة في انخراط عسكري واسع جديد في الشرق الأوسط، وإيران تدرك بدورها أن الحرب الشاملة قد تستهدف بنيتها التحتية الحيوية بشكل مؤلم. أما إسرائيل، فهي تضغط باتجاه تشديد القيود على إيران، لكنها تتحسب من فتح جبهات متعددة في حال اندلاع مواجهة واسعة.
وعليه، يمكن تصور أربعة سيناريوهات للمرحلة القادمة:
أولها اتفاق مرحلي محدود يجمد بعض الأنشطة مقابل تخفيف جزئي للعقوبات.
ثانيها اتفاق موسع يشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي، وهو أقل احتمالاً لتطلبه تنازلات كبيرة.
ثالثها استمرار الوضع الرمادي لا حرب شاملة ولا اتفاق نهائي، بل تصعيد منخفض الوتيرة ومفاوضات متقطعة.
رابعها مواجهة عسكرية محدودة تعيد رسم خطوط الردع دون الانزلاق إلى حرب إقليمية كبرى.
في المحصلة، إن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة تجري تحت سقف النار، لكنها ليست بلا منطق إنها انعكاس لصراع أعمق على شكل النظام الإقليمي، وعلى موقع الشرق الأوسط في توازنات القوى العالمية، وبين تحالف إسرائيلي–هندي يتعزز، وتقاطع مصالح بين إيران وكل من الصين وروسيا وكوريا الشمالية، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، تحكمها حسابات الردع بقدر ما تحكمها رهانات السياسة. الشرق الأوسط، مرة أخرى، يقف عند مفترق طرق، حيث تختلط الدبلوماسية بالتهديد، ويصبح التفاوض ذاته جزءاً من معادلة القوة.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!