قضايا اقليمية

العودة إلى الوراء.. أفغانستان بعد 22 عاما على التغيير

    استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية من تغيير نظام الحكم في أفغانستان وإزاحة حركة طالبان منه في عام 2001، وتعد أفغانستان ذات موقع جيوإستراتيجي الذي يربط شرق وغرب وجنوب ووسط آسيا، وهي موطن لكثير من الأمم القديمة والحديثة خلال العصور المتتالية، ومنذ القرن الثامن عشر ومع ظهور قبائل البشتون بدأ التاريخ السياسي الحديث لأفغانستان، وتعد ذو طبيعة بدائية وتسود فيها منذ الثمانينات نمط متشدد من الإسلام الحركي ذو النزعة الراديكالية، حيث كان في مقدمة التجاذبات بين الدول الكبرى أبان الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي السابق، إذ حاولت الولايات المتحدة من أجل زعزعة نفوذ الروس خلق حركة إسلامية ذات طابع متشدد عرفت بحركة طالبان وهي تسميه تعود إلى عدد من الطلاب الأفغان الذين كانون يدرسون العلوم الدينية في باكستان إحدى الدول الإسلامية المجاورة لأفغانستان من الاتجاه الجنوبي في مطلع الثمانينيات من العقد الماضي.

ينتمي معظم أفراد حركة طالبان إلى القومية البشتونية التي يتركز معظم أبنائها في شرق وجنوب البلاد، ويمثلون نحو 38% من تعداد الأفغان، البالغ نحو 39 مليون نسمة. وكان من مخرجات هذا الصراع حول صعود حركات الإسلام السياسي ومن ثم الدخول في حروب أهلية وخارجية، وهذا ما مكن حركة طالبان التي ظهرت بصورة رسمية منذ مطلع التسعينات وأستمرت بالحكم حتى سقوطها على يد الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2001 أثر تداعيات الإرهاب الذي ضرب الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية ومنها تفجير برج التجارة العالمي.

قضي على حركة طالبان من الحكم، وتشكل نظام سياسي جديد، وساهمت الولايات المتحدة في ما يمكن أن نسميه تكوين جيش لأفغانستان بديلا عن أعضاء حركة طالبان الذين كانوا يسيطرون على البلاد سياسيا وعسكريا، وصرفت عليه مئات المليارات وإقامة نظام حكم رئاسي، وساهمت بقيام انتخابات دورية لانتخاب رئيسا للبلاد، وشهدت البلاد انتعاش لحقوق المرأة والحريات العامة، مع هشاشة أمنية أثر العمليات التي يقوم بها أعضاء حركة طالبان طوال السنوات الماضية بعد إقصائها من الحكم، وعلى مدى قرابة 20 عاما حسب بعض التقارير الصحفية، وصل عدد قتلى الجيش الأميركي في أفغانستان 2448 جنديا، حتى أبريل 2021. كما قُتل خلال ذات الفترة نحو 3846 من المتعاقدين الأميركيين. وتم تقدير خسائر الجيش الأفغاني والشرطة بنحو 66 ألف قتيل وبلغت الخسائر البشرية من عناصر الدول الحليفة وحلف الناتو 1144 قتيلا. كما تسببت الحرب بمقتل أكثر من 47 ألف أفغاني إلى 51191 قتيلا. كما شهدت الحرب مقتل 444 فردا من عمال الإغاثة، و72 من الصحفيين.

وبعد طوال كل هذه السنوات أو ما عدت أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة سعت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في عام 2011 إلى عقد اتفاق مع الأطراف الأفغانية ومنها حركة طالبان من أجل الانسحاب من أفغانستان إلا أن الموضوع تأجل إلى سنوات، ومع صعود دونالد ترامب عقد اتفاقا مباشرا مع حركة طالبان وبوساطة قطرية- عمانية، يقضي بانسحاب الجيش الأمريكي على أمل أن توقف حركة طالبان هجماتها ضد الجيش الأمريكي في قبالة ذلك تعود الحركة إلى المشهد السياسي في سياق ما يعرف بالمصالحة الوطنية بين القوى والشخصيات الأفغانية، إلا أن المفاجئة التي حدثت مع صعود الرئيس الديمقراطي جون بايدن، وقع على الانسحاب الفوري للجيش الأمريكي على أن يتدبر الجيش والقادة الأفغان شؤون بلدهم ومنذ ذاك التاريخ، ومع تشتت الولاء للجيش والقادة الأفغان بدأ الانهيار السريع أمام أعضاء الحركة التي سيطرت على المدن الأفغانية خلال أيام قليلة، وصولا إلى سقوط العاصمة كابول، وهروب رئيس البلاد اشرف غني (2014 ـــ 2021) إلى الإمارات العربية، تاركا وراءه حيرة وترقب الأفغانيين خصوصا المناوئين لحركة الطالبان، وهو ما مثل صدمة للرأي العام العالمي، وذعر وخوف للمجتمع والقوى في أفغانستان، إذ عاشت شرائح من المجتمع الأفغاني لسنوات تجربة مريرة مع سلوكيات وتعامل الحركة المتشددة مع الناس، ويرى العديد من المراقبين بأن الحركة هي نسخة من تنظيم القاعدة الإرهابي لكن بطابع محلي، من هنا لا يزال العديد من  السياسيين والفنانين، والإعلاميين والمترجمين يعيشون حالة من الصدمة والهلع، وهذا ماهو واضح من التزاحم ولإيام عديدة على مطار كابول بعشرات الآلاف من أجل الهروب مع الطائرات الأمريكية التي تنقل الجنود الأمريكان.

حيث أن حركة طالبان لديها سلوكيات متشددة في التعاطي مع الواقعيين السياسي والاجتماعي، فهي تحاول أن توصل رسائل عن وضع المرأة وحقوق الأقليات لكن الواقع قد يكون بخلاف ما تعلن الآن إذ أنها تؤمن بالرأي الذي تمثله الحركة فقط ولا تؤمن بالتعدديات الثقافية والدينية، وتريد إعادة فرض نسخة مشددة من تعاليمها الدينية، حيث أن الحركة ترفض استعمال لفظ الديمقراطية على المستويين السياسي والاجتماعي، لأنها (تمنح حق التشريع للشعب وليس لله)، ولا ترى الحركة أهمية لوضع دستور أو لائحة لتنظيم شؤون الدولة، وترى أن القرآن والسنة هما دستور الدولة الإسلامية وتعد الحركة (أمير المؤمنين) هو زعيم الحركة وبمثابة الخليفة، ينتخبه ما تمسيه بأهل الحل والعقد، ولا توجد مدة محددة لتولي هذا المنصب، ويتم عزله فقط في حالة العجز أو الموت أو إذا أتى ما يخالف الدين. ولا تسمح الحركة بتشكيل أحزاب سياسية جديدة، ولا تقبل الأحزاب الموجودة، ولا تؤمن بالعمل التشريعي ونيابة الأمة وتمنع على المستوى الشكلي في السلوكيات الفردية والمجتمعية إطالة الشعر وتحرم الموسيقى والغناء والصور، وتمنع عمل المرأة خارج بيتها، وتشرف على تنفيذ ذلك هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي ضوء ما تقدم، يمكن تفسير ما حدث في أفغانستان بصعود حركة طالبان بأنه فعلا العودة إلى الوراء أي الرجوع بتسليم حركة متشددة مقاليد حكم أفغانستان رغم أنها أقصيت لأسباب تتعلق بموضوعها وسلوكها الإرهابي، إلى جانب تفسيرات أخرى أهمها ما يلي:

1- إن الإدارة الأمريكية بعد إدارة جورج بوش الابن الذي قام باتخاذ قرار الحرب على أفغانستان وطرد حركة طالبان من السلطة بذريعة محاربة الإرهاب خارج حدود الولايات المتحدة، يبدو أنها نظرت إلى الحرب في أفغانستان بأنها حرب إستنزاف بشرية ومالية ولا تعود بالنفع على الولايات المتحدة بعكس الدول الغنية بالنفط مثل العراق الذي هو يشبه أفغانستان في عملية التغيير من قبل الولايات المتحدة، ويختلف عنها من حيث طبيعية المجتمع والتعدديات الثقافية ومؤهلات الجيش العراقي والتشكيلات العسكرية المختلفة كوجود قوى ضاربة مثل جهاز مكافحة الإرهاب، وقوى الحشد الشعبي، والشرطة الاتحادية، وقواه الروحية والدينية، الذين اثبتوا جدارتهم في وقف تمدد تنظيم داعش الإرهابي بعد انسحاب الجيش الأمريكي في عام 2011 أبان إدارة أوباما ومن ثم هزيمة التنظيم الإرهابي بأقل من عامين.

2- إن إدارة بايدن ترى أن الصراع لم يعد مع الإرهاب وأن وجود الجيش الأمريكي يعني استمرار الحرب في ذلك البلد، وإنما صراع الولايات المتحدة الأخطر الآن هي حرب اقتصادية مع دول كبرى صاعدة مثل الصين وروسيا وحتى إيران وأن انشغالها هناك يعني تقدم أكبر لهذه الدول.

3. يبدو أن إستراتيجية الولايات المتحدة في هذه المرحلة بقيادة الديمقراطيين وحتى النفعيين من الجمهوريين هو محاولة التركيز على سد الفجوة الاقتصادية الآخذة بالتصاعد في الولايات المتحدة في قبالة صعود اقتصادية كبيرة لدول أخرى مثل الصين مما يهدد النفوذ السياسي والاقتصادي والمالي للولايات المتحدة على المستويين القريب والبعيد.

4. مع التفسيرات المتقدمة، يبدو أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان بهذه الطريقة التي هي أقرب إلى الهزيمة ولا تشبه حدث آخر مماثل مرت به الولايات المتحدة منذ هزيمتها من فيتنام في نهاية الستينات، مع أن الهزيمة هذه المرة أشد كونها جاءت بالتنازل أمام حركة مصنفة على لوائح الإرهاب، ومقاطعة من أغلب الدول الغربية، والتي هي الآن (الدول الغربية) في تردد بكيفية التعامل مع الحركة، إضافة إلى مخاوفها من تصاعد الهجرة وعمليات القتل ضد المخالفين للحركة ومعارضيها.

...........................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات