اذ لم تكن الضربات الأولى مجرد عملية عسكرية محدودة، بل بدت وكأنها افتتاحية لحرب ذات أهداف استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز تدمير منشآت عسكرية محددة إلى محاولة إعادة صياغة موقع إيران في النظام الإقليمي وربما تغيير معادلة القوة في الشرق الأوسط بأكمله.
جاءت الضربات الأولى في وقت كانت فيه واشنطن تتحدث علناً عن إمكانية استئناف المفاوضات النووية مع طهران، الأمر الذي أضفى على الحرب بعداً سياسياً شديد التعقيد، فبينما كان الخطاب الدبلوماسي يتحدث عن فرص التفاوض، كانت الآلة العسكرية تعد لعملية واسعة تستهدف البنية الاستراتيجية للدولة الإيرانية وقد عكس هذا التناقض طبيعة الاستراتيجية الأمريكية القائمة على إدارة الصراع عبر مزيج من الدبلوماسية والضغط العسكري، حيث تتحول المفاوضات في كثير من الأحيان إلى أداة لإدارة الوقت وترتيب الخيارات الاستراتيجية الأخرى.
الضربة الأولى: محاولة كسر العمود الاستراتيجي الإيراني
مع الساعات الأولى للحرب، نفذت القوات الأمريكية والإسرائيلية سلسلة ضربات جوية وصاروخية مركزة استهدفت عدداً من المواقع الحساسة داخل إيران ابرزها اغتيال المرشد الايراني وعدد من افراد اسرته في مكان اقامته المعروف في طهران الى جانب عدد من قيادات الحكومة الإيرانية ومنهم وزير الدفاع ومستشار الامن القومي، وهو ما اثار ردت فعل غير مسبوقة من قبل القوات الإيرانية شمل جميع المصالح الامريكية في الجوار الإيراني فيما شملت الضربات الامريكية والإسرائيلية فيما بعد منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، ومراكز قيادة عسكرية، وقواعد للحرس الثوري، إضافة إلى منشآت يعتقد أنها جزء من البنية الصناعية للصواريخ الباليستية.
كان الهدف الواضح لهذه الضربات هو إحداث صدمة استراتيجية تعطل قدرة إيران على الرد السريع، وتحد من إمكاناتها العسكرية قبل أن تتمكن من تنظيم دفاعاتها، غير أن النتائج الأولية كشفت سريعاً عن تعقيد المهمة العسكرية. فإيران، التي أمضت عقوداً في بناء قدراتها الدفاعية تحت ضغط العقوبات والتهديدات، كانت قد صممت جزءاً كبيراً من بنيتها العسكرية على أساس الحرب غير المتكافئة، بما يشمل توزيع المنشآت العسكرية، وبناء قواعد تحت الأرض، وتطوير شبكات معقدة للقيادة والسيطرة ولهذا لم تحقق الضربات الأولى هدفها في شل القدرة الإيرانية على الرد، بل سرعان ما بدأت طهران بإطلاق سلسلة من الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة باتجاه أهداف عسكرية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.
الصواريخ الإيرانية: لغة الردع في مواجهة التفوق الجوي
خلال السنوات الماضية أدركت إيران أن التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، خاصة في المجال الجوي، يجعل من الصعب مواجهته عبر الوسائل التقليدية، ولهذا ركزت استراتيجيتها الدفاعية على تطوير القوة الصاروخية والطائرات المسيرة باعتبارها أدوات ردع قادرة على تعويض النقص في القوة الجوية، وقد ظهر تأثير هذه الاستراتيجية بوضوح في الأيام الأولى للحرب فالهجمات الصاروخية الإيرانية لم تكن مجرد ردود فعل رمزية، بل شكلت محاولة لإظهار أن إيران قادرة على ضرب أهداف بعيدة نسبياً، وأن الحرب لن تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية.
وهنا ظهرت إحدى أهم الإشكاليات التي تواجه الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية، فالقوة الصاروخية الإيرانية ليست مجرد مخازن يمكن تدميرها بضربات جوية، بل هي منظومة صناعية وعسكرية متكاملة تعتمد بدرجة كبيرة على الإنتاج المحلي. وهذا يعني أن استهداف بعض المواقع لن يؤدي بالضرورة إلى القضاء على القدرة الصاروخية الإيرانية، بل قد يدفع إيران إلى إعادة توزيع بنيتها الصناعية وتعزيز إنتاجها العسكري.
الهدف الأكبر: تغيير معادلة النظام في إيران
ورغم التركيز الإعلامي الكبير على البرنامجين النووي والصاروخي، فإن القراءة الأعمق للحرب تشير إلى وجود هدف استراتيجي أوسع يتمثل في إضعاف النظام السياسي الإيراني وربما الدفع نحو تغييره.
ويكتسب هذا الهدف بعداً أكثر حساسية خصوصا بعد استشهاد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية داخل النظام السياسي الإيراني غير أن هذا الرهان يواجه معطيات بنيوية معقدة فالنظام الإيراني لا يقوم على شخص المرشد وحده، بل يعتمد على شبكة واسعة من المؤسسات السياسية والدينية والعسكرية، في مقدمتها مجلس الخبراء والحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور.
ووفقاً للدستور الإيراني، يمتلك مجلس الخبراء صلاحية اختيار مرشد جديد للجمهورية الإسلامية، وهو ما يوفر آلية دستورية لاستمرار القيادة السياسية حتى في ظروف الحرب ولهذا فإن الافتراض القائل بأن الحرب قد تؤدي إلى انهيار سريع للنظام الإيراني يبدو مبالغاً فيه، خاصة أن التاريخ السياسي يشير إلى أن الضغوط الخارجية غالباً ما تعزز التماسك الداخلي داخل الدول المستهدفة.
السيناريو الأخطر: تفكيك إيران وإعادة رسم الخريطة
إلى جانب الأهداف العسكرية والسياسية المباشرة، يبرز في بعض التحليلات الاستراتيجية سيناريو أكثر خطورة يتمثل في تفكيك إيران إلى كيانات أصغر على أساس قومي أو عرقي فإيران دولة متعددة القوميات، تضم الأكراد والبلوش والعرب والآذريين وغيرهم، وقد شهدت بعض هذه المناطق في فترات مختلفة حركات احتجاجية أو مطالب سياسية، وتشير بعض المؤشرات إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى التواصل مع بعض هذه الجماعات في إطار استراتيجية الضغط على الدولة الإيرانية من الداخل غير أن هذا السيناريو بدوره يواجه تعقيدات كبيرة، لأن معظم هذه المكونات القومية تشارك أيضاً في مؤسسات الدولة الإيرانية، وتتمتع بدرجات متفاوتة من الاندماج السياسي والاجتماعي.
الشرق الأوسط على حافة الانفجار
لا تقتصر تداعيات الحرب على حدود إيران وحدها، بل تمتد إلى مجمل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، فاستمرار الحرب يعني عملياً فتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي فدول الخليج والعراق واليمن ولبنان تتابع التطورات بقلق بالغ، نظراً لاحتمال انتقال الصراع إلى محيطها الجغرافي، خاصة مع وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها كما أن أي تصعيد إضافي قد يهدد أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية ولهذا فإن أي اضطراب طويل في هذه المنطقة قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية واسعة، خصوصاً في أسواق الطاقة.
صراع يتجاوز حدود المنطقة
على المستوى الدولي، تعكس الحرب الجارية مؤشراً على تصاعد التنافس بين القوى الكبرى في النظام الدولي، فبعض الدول تنظر إلى هذه المواجهة بوصفها جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في الشرق الأوسط، وهي منطقة لا تزال تحتفظ بأهمية استراتيجية كبيرة في معادلات الطاقة والأمن العالمي، كما أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تعميق حالة الاستقطاب الدولي، حيث قد تتباين مواقف القوى الكبرى تجاه الصراع، الأمر الذي يزيد من تعقيد الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتوائه.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الحرب الثانية على إيران أكثر من مجرد مواجهة عسكرية محدودة إنها حرب على التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، تسعى من خلالها الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي إلى تقليص القوة الإيرانية وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة غير أن طبيعة الدولة الإيرانية، وبنيتها المؤسسية، وقدراتها العسكرية المتراكمة، تجعل من تحقيق هذه الأهداف مسألة معقدة ومحفوفة بالمخاطر، ولذلك فإن مستقبل هذه الحرب سيظل مفتوحاً على عدة احتمالات، تبدأ من الاحتواء المتبادل ولا تنتهي عند احتمال الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع قد يعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بأكمله.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!