قضايا محلية

الانتخابات المقبلة في العراق وأساليب التأثير في نتائجها

   تشكّل الانتخابات أهم عنصر من عناصر النظم الديمقراطية كونها الآلية التي يتم من خلالها اختيار الشعب لحكامهم ضمن ظروف تضمن لهم حرية القرار بالاختيار وعدم وجود أي مؤثرات تحاول التلاعب بإرادة الناخبين، ولهذا حرصت أغلب الدول الديمقراطية إلى تشريع القوانين الانتخابية وفق صيغ تراعي إجراء الانتخابات وفق أطر قانونية سليمة تحترم لا بل تقدس إرادة الناخب وتحرص على إجراء انتخابات نزيهة يمارس الفرد فيها دوره بالمشاركة السياسية بعيدا عن أي محاولات لتوجيهه سياسيا وبما يمليه عليه ضميره ووطنيته وحرصه على المصلحة العامة.

التجارب الانتخابية في الدول ومنها العراق واجهت ومازالت تواجه الكثير من التحديات والعقبات التي تزيد من فرص التلاعب بمزاج الجماهير والتأثير في قراراتهم وميولهم الانتخابية، وفي بلد مثل العراق اعتادت الكتل والكيانات السياسية على إتباع أساليب عدة تهدف من وراءها إلى تعزيز أرصدتها الانتخابية، ومن هذه الأساليب التي لا تخفى على أحد، هي استغلال الصلاحيات التشريعية للكتل البرلمانية الفاعلة لتشريع قانون انتخابي عادل في ظاهره منحاز في باطنه يؤدي تطبيقه إلى مخرجات تزيد من حظوظ المهيمنين على أكبر مساحة من السلطة، وللخلاص من هذه المشكلة قدمنا في أكثر من مناسبة مقترحا يقضي بإسناد مهمة وصلاحية تشريع القانون الانتخابي في العراق إلى هيئة مستقلة تضم خبراء متخصصين قادرين على صناعة محتوى قانون انتخابي عادل يضع المصلحة الوطنية في المقدمة، فالقانون الانتخابي هو عماد الدول الديمقراطية وأهميته لا تقل عن أهمية الدستور وبالتالي يجب اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بتحصينه من الاستغلال السياسي، وكذلك ضمان توافقه مع الإرادة الشعبية العامة، وليس هذا فقط بل ينبغي أن تُدار العملية الانتخابية بكل تفاصيلها من قبل مؤسسة مستقلة غير خاضعة أو تابعة لأي جهة سياسية حفاظا على نتائج الانتخابات من التلاعب والتزوير.

إن شرعية الانتخابات تقترن بنظام انتخابي عادل يضمن للناخب حرية الإرادة من خلال منع كل محاولات التأثير في قراره، فلابد من حماية الانتخابات والناخب ومحاربة كل من يسعى إلى إفراغ الانتخابات من مضمونها الحقيقي من خلال القيام بعمليات تزوير أو تأثير في قرار الناخب، وحتى نكون منصفين في تقييم العملية الانتخابية فأن اللوم لا يقع فقط على الكتل والكيانات السياسية في التلاعب بعملية الانتخاب، بل أن الأفراد والجماهير يتحملون جزءا من المسؤولية في تشجيع المرشحين والكيانات السياسية على ممارسات تضر بنزاهة الانتخابات وتنتهك حقوق الآخرين السياسية، فالكثير من الأفراد والفئات الاجتماعية يعملون على مساومة المرشح ومطالبته بخدمات عاجلة ليست من صميم مهامه مقابل التصويت له في الانتخابات، وهذه مخالفة تؤثر سلبا على سلوك المرشح بعد فوزه بالانتخابات وقد تجعله يركز في مهامه البرلمانية على المصالح الضيقة وليست المصالح العامة كما يقتضي ذلك العمل البرلماني، أن ما يشجع مثل هكذا ممارسات هو عدم تفعيل العقوبات على ما تسمى بالجرائم الانتخابية والتي من المفروض أن يتضمنها كل قانون انتخابي.

ومن هنا برز توظيف المال السياسي من قبل مرشحين كأداة للتأثير في الانتخابات من خلال شراء الذمم والأصوات وكذلك توظيف أدوات السلطة وإمكانياتها لتقديم خدمة آنية محدودة الأثر في الزمان والمكان بقصد إقناع المستفيدين منها بمنح أصواتهم للمرشحين الذين قدموا هذه الخدمات رغم أن وظيفة البرلماني ليست تقديم الخدمات بل أن وظيفته تتمثل بإصدار التشريعات والقوانين التي تخدم المصلحة العامة وكذلك مراقبة وضبط أداء الحكومة.

لقد تلاشت أهمية الخطاب الطائفي والقومي في العراق كوسيلة لكسب الأصوات مقابل تزايد دور المال السياسي وقدرته الواضحة على تحشيد الأتباع والمؤيدين وخصوصا إذا كان المال السياسي معززا بهيمنة مستخدميه على مفاصل كبيرة من مؤسسات السلطة، والواضح أن أساليب الدعاية الإعلامية والخطاب القائم على الوعود الكاذبة وتوظيف الإعلام المسيس للتحكم بمزاج وقرار الناخب قد فقد تأثيره شيئا فشيئا لصالح القدرة على الانجاز الشكلي وتقديم الخدمات التي جعلت المرشحين يتسابقون ويتنافسون في تلبية طلبات سطحية للمواطن ذات نفع محدود، فالناخب العراقي للأسف لم يمتلك الوعي الانتخابي اللازم لاختيار النائب الصالح ورغم أنه يبدي تذمره بشكل مستمر من فشل الطبقة السياسية لكنه غير قادر على تحكيم عقله وإنتاج واختيار البديل الأفضل، مما جعله مضطرا للمفاضلة بين من كان ينتقدهم طوال السنين الماضية، إلى الحد الذي أصبح البرنامج الانتخابي للمرشح والذي يمثل دراسة للدور المستقبلي الذي يجب أن يقوم به المرشح عند فوزه في الانتخابات، لا وجود له مطلقا ولا يتم الحديث عنه بل تم استبداله بحملات أكساء الشوارع بطريقة استغفال المواطن وخداعه، بعد أن تيقن المرشح ذوي الخبرة بأن هذه الحملات أكثر جدوى من الحديث عن البرنامج الانتخابي.

ومن الأمور التي يفترض أن تكون محل احترام وتقديس في الدول الديمقراطية هي المواعيد الدستورية للانتخابات والتي يتم تحديدها في الدستور أو في قانون خاص لضمان إجراءها في مواعيد منتظمة ومناسبة تكفل للمواطن الحق في مسائلة من انتخبهم فيجدد الثقة لمن هو أهل للثقة أو يستبدل من خان الثقة وفشل في تمثيل الناخبين في البرلمان، ونلاحظ أن الدول ذات الديمقراطية الراسخة تقدس المواعيد الدستورية للانتخابات ولا يمكن بأي شكل من الأشكال تأجيلها، لأن احترام المواعيد الانتخابية يعكس درجة كبيرة من احترام سيادة الشعب وحقه في ممارسة السلطة، لكن الدول ذات الديمقراطية الهشة تبيح لنفسها وبشكل مناف لسمات الديمقراطية التلاعب سواء بالتقديم أو التأخير بموعد إجراء الانتخابات سواء كانت مبكرة أو في موعدها الثابت، مما يعطي انطباعا لدى الجماهير بأن الماسكين بزمام السلطة يخططون دائما لتلبية مصالحهم وإدامة وجودهم في دفة الحكم وأنهم يتلاعبون بمواعيد الانتخابات بما يعزز فرصهم بالفوز فيها، وعلى هذا الأساس أن التلاعب بمواعيد إجراء الانتخابات هو أحد أساليب التأثير بنتائجها لتأتي متوافقة مع مصالح الماسكين بزمام السلطة.

وإذا كانت محاولات التأثير في نتائج الانتخابات والتلاعب بإرادة الناخب تتم ضمن البيئة الداخلية، فمما لاشك فيه وجود مهددات لنزاهة الانتخابات مصدرها البيئة الخارجية المتمثلة بدول ترى أن لها مصالح في العراق ولا بد من حمايتها وضمان استمرارها من خلال دعم أشخاص وأحزاب محددين سياسيا وماديا لتحسين فرص فوزهم في الانتخابات، وهنا لا استثني أحدا فجميع الدول المتنفذة في الشأن العراقي تسعى للتأثير في الانتخابات العراقية لغايات معروفة للجميع، والمعروف أيضا حجم الدعم السياسي والإعلامي والمالي الكبير الذي تحصل عليه جهات سياسية من كل المكونات الأساسية في العراق مما يشكل خرقا كبيرا لسيادة العراق المنقوصة، فالدول التي تحترم سيادتها وتعتز باستقلالها وتحرص على عدم فسح المجال للتدخل الخارجي بشؤونها، تتعامل بقوة وحزم من خلال أجهزتها القضائية مع أي كيان سياسي يسمح لنفسه تلقي دعما خارجيا، إذ يُعد هذا الدعم والقبول به أو السعي إليه خيانة عظمى للوطن والشعب وتترتب عليه عقوبات مشددة لا تساهل فيها أبدا.

إن الانتخابات المقبلة في العراق لم تعد بتلك الأهمية التي كان يعقد عليها العراقيون آمالا كبيرة لتغيير واقعهم السيء، بسبب طبيعة الظروف المحبطة التي سترافق عملية إجراءها وأساليب المعركة الانتخابية غير النبيلة التي تُدار بها، وعدم وجود مؤشرات مطمئنة على أن نتائجها ستكون ايجابية بما يسهم بتحقيق تمثيل عادل يضمن حقوق الجميع، في ظل فقدان أبسط متطلبات الانتخابات الحقيقية الخاضعة لشروط ومعايير تضمن وجود منافسة قائمة على تكافؤ الفرص بين المرشحين، وكذلك غياب الوعي الانتخابي الذي يشكل عامل مهم في نجاح الانتخابات، فضلا عن الارتباك الحاصل في إدارة العملية الانتخابية، وقد تشكل هذه العوامل مجتمعة سببا قد يدفع نحو مقاطعة كبيرة للانتخابات في ظل تنامي الإدراك الشعبي بعدم الجدوى من المشاركة فيها.

...........................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات