دون أن تتمكن أمريكا واسرائيل من تحقيق أهدافها الاستراتيجية المعلنة، وفي مقدمتها إسقاط النظام السياسي الإيراني أو إحداث تغيير جذري في بنيته، وقد كشفت هذه الحرب عن حدود القوة العسكرية التقليدية في حسم الصراعات المعقدة، خاصة في ظل امتلاك إيران أدوات ردع متعددة، وقدرتها على إدارة الصراع بأسلوب يجمع بين الصمود الداخلي وتفعيل ساحات الاشتباك غير المباشر.
كما أفرزت هذه الحرب تداعيات عميقة على المستويين الإقليمي والدولي، تمثلت في تصاعد التهديد لأمن الطاقة العالمي، واضطراب حركة الملاحة في الممرات الحيوية، فضلاً عن اتساع رقعة التوتر لتشمل ساحات متعددة في الشرق الأوسط، وفي المقابل، لم ينجح الضغط العسكري المكثف في كسر الإرادة السياسية الإيرانية، بل أدى إلى تعزيز خطاب الصمود، وإعادة ترتيب أولويات المواجهة بما يضمن بقاء النظام واستمراريته.
وفي هذا السياق، جاء التوصل إلى وقف إطلاق النار بوصفه نتيجة حتمية لحالة الاستنزاف المتبادل، وتوازن الردع الذي فرض نفسه على أطراف الصراع، وليس تعبيراً عن حسم عسكري، وعليه، فإن توقف الحرب على إيران لا يمكن فهمه بمعزل عن فشل تحقيق أهدافها الأساسية فحسب، بل يمثل انتقالاً إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع، تتسم بالهدوء الحذر، وإعادة التموضع الاستراتيجي، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة في ظل غياب تسوية شاملة تعالج جذور الأزمة.
وعليه يشكّل التوصل إلى هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في ظل انخراط غير مباشر من الكيان الاسرائيلي، لحظة مفصلية في تطور الصراع الإقليمي، بوصفها نهاية للحرب وانتقالاً إلى نمط جديد من إدارة الصراع فالمعطيات التي رافقت هذا الاتفاق، كما تكشفها التقارير والتحليلات الدولية، تشير إلى أن ما جرى لم يكن نتيجة تسوية استراتيجية ناضجة، بل حصيلة توازن دقيق بين حافة الانفجار الشامل والحاجة الملحّة لتفاديه، ومن هنا، فإن تحليل هذه الهدنة يقتضي تجاوز ظاهرها السياسي إلى تفكيك دينامياتها العميقة، واستشراف مساراتها المستقبلية.
أظهرت روايات التفاوض أن القرار الإيراني بالانخراط في الهدنة لم يكن وليد لحظة ضعف مطلق، بل نتيجة حسابات مركبة قادها المرشد الأعلى الجديد في ايران -ان صحت الاخبار-، الذي تدخل بشكل مباشر في توجيه المفاوضين نحو القبول باتفاق مؤقت، هذا التدخل يعكس مركزية القرار في النظام الإيراني، حيث تبقى القضايا المصيرية محكومة بإرادة القيادة العليا، كما يعكس في الوقت ذاته إدراكاً عميقاً لمخاطر التصعيد غير المنضبط، خاصة في ظل التهديدات الأميركية بتوسيع نطاق الضربات إلى البنية التحتية الحيوية.
في المقابل، لا يمكن فهم هذه الهدنة دون إدراك طبيعة السلوك السياسي للرئيس الامريكي دونالد ترامب، الذي اعتمد استراتيجية تقوم على الجمع بين التصعيد الخطابي الحاد والانفتاح التكتيكي على التفاوض فتهديداته العلنية بـ(إبادة كاملة) لإيران لم تكن مجرد خطاب دعائي، ربما شكّلت أداة ضغط قصوى دفعت طهران إلى إعادة حساباتها.
ومع ذلك، فإن هذا النمط من السياسة، القائم على حافة الهاوية، يجعل أي اتفاق ناتج عنه عرضة للانهيار السريع، نظراً لغياب الثقة البنيوية بين الطرفين، لذا إن أحد أبرز ملامح هذه المرحلة يتمثل في الطبيعة غير المباشرة للتفاوض، حيث لعبت أطراف وسيطة دوراً محورياً، وعلى رأسها باكستان، إلى جانب جهود مصر وتركيا، فضلاً عن التأثير غير المباشر للصين.
هذا النمط يعكس تحوّلاً في بنية الوساطة الدولية، حيث لم تعد مقتصرة على القوى التقليدية، بل باتت تتوزع بين فاعلين إقليميين يسعون لتعزيز أدوارهم في إدارة الأزمات، وفي هذا السياق، برز دور وزير الخارجية الإيراني كحلقة وصل بين المؤسسة السياسية والعسكرية، حيث أسهم في إدارة التفاوض وفي إقناع دوائر داخل الحرس الثوري الإيراني بقبول الهدنة، وهذا يعكس أن القرار الإيراني لم يكن سهلاً، بل مرّ عبر توازنات داخلية معقدة بين متطلبات الأمن القومي واعتبارات الهيبة الاستراتيجية.
أما من جانب الكيان الإسرائيلي، فقد بدا موقف نتنياهو متردداً بين الاستمرار في العمليات العسكرية، خاصة في الساحة اللبنانية، وبين الالتزام بالهدنة، وهو ما يعكس فجوة بين الرؤية الكيان الإسرائيلية والأميركية في إدارة الصراع، فالكيان الاسرائيلي التي تنظر إلى إيران كتهديد وجودي، قد لا ترى في الهدنة سوى استراحة مؤقتة لإعادة ترتيب أوراقها، وهو ما يضعف من فرص تثبيت الاتفاق، ومن الناحية الاستراتيجية تكشف هذه الهدنة عن تحوّل في طبيعة الصراع من مواجهة مباشرة إلى نمط التصعيد المُدار، حيث تستمر التوترات ولكن ضمن سقف محدد، ويُعد مضيق هرمز أحد أهم عناصر هذا التوازن، إذ شكّل ورقة ضغط حاسمة بيد إيران، التي استخدمته لفرض حضورها في معادلة الأمن العالمي، نظراً لأهميته في نقل جزء كبير من إمدادات النفط العالمية.
أما بالنسبة للعراق، فإن تداعيات هذه المرحلة تضعه في موقع بالغ الحساسية، فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته، كان ولا يزال ساحة لتقاطع النفوذ بين إيران والولايات المتحدة، وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن أي تصعيد بين الطرفين ينعكس مباشرة على الداخل العراقي، سواء عبر استهداف القواعد العسكرية أو من خلال تحركات الفصائل المسلحة وفي مرحلة ما بعد الهدنة، قد يجد العراق نفسه أمام فرصة لإعادة صياغة توازنه، لكنه في الوقت ذاته يظل معرضاً لخطر الانزلاق مجدداً في حال انهيار الاتفاق.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن استشراف عدة مشاهد مستقبلية للحرب الامريكية والكيان الإسرائيلية على إيران أهمها الاتي:
السيناريو الأول: الهدنة الممتدة/ حيث يتم تمديد وقف إطلاق النار وتحويله تدريجياً إلى مسار تفاوضي أوسع، قد يشمل ملفات البرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي إلا أن هذا السيناريو يواجه عقبات كبيرة، أبرزها التباين الجذري في مواقف الطرفين.
السيناريو الثاني: العودة إلى التصعيد/ حيث تنهار الهدنة نتيجة خروقات ميدانية أو خلافات سياسية، ما يعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة، وربما بوتيرة أكثر حدة، ويظل هذا السيناريو قائماً بقوة في ظل هشاشة الاتفاق وغياب آليات تنفيذ واضحة.
السيناريو الثالث: إدارة الصراع طويل الأمد/ حيث لا يتم التوصل إلى حل نهائي، ولكن يتم الحفاظ على مستوى منخفض من التوتر، يسمح بتجنب الحرب الشاملة دون إنهاء أسبابها، وهذا السيناريو يبدو الأقرب إلى الواقع، بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، التي تتسم بتاريخ طويل من عدم الثقة والصراع غير المباشر، وعلى المستوى الدولي، فإن هذه المرحلة تعكس بوضوح تحوّل النظام العالمي نحو مزيد من التعددية، حيث لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية اللاعب الوحيد القادر على فرض إرادته، بل باتت مضطرة للتعامل مع قوى أخرى صاعدة، ومع فاعلين إقليميين يمتلكون هامشاً أكبر من الاستقلالية.
ومما تقدم، إن توقف الحرب على إيران ولو بشكل مؤقت لا يمثل نهاية للصراع، بل يعكس انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها أدوات القوة الصلبة والناعمة، وتتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية على إنها مرحلة السلام الهش، حيث تتعايش التهدئة مع احتمالات الانفجار، ويظل المستقبل مفتوحاً على جميع الاحتمالات، في ظل غياب تسوية شاملة تعالج جذور الأزمة.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!