لا يمكننا تجاوز أو تفكيك ديناميكيات المحركات التأسيسية التي نشأة عليها مفهوم الدولة وتمحيص التحول التاريخي من المحرك السيادي الكلاسيكي القائم على وحدة الإرادة واحتكار القوة، إلى المحرك المؤسساتي المعاصر المحكوم بتعقيدات الشرعية والوظيفة وانماط السيادة المؤسسية العقلانية.
إذ ان عطل هذه المحركات في السياق الزمكاني لا يؤدي إلى توقف الدولة فحسب، بل إلى انحراف طاقتها السيادية نحو تغذية كيانات تقليدية موازية هشة تقوض وحدة كيان الدولة المركزي الوطني، ليست الدولة مجرد جهاز بيروقراطي، بل هي تكتمل فاعليتها بوحدة الارادة، وعندما ينقسم الولاء بين النص الدستوري والانتماء الهوياتي، تسقط الدولة في فخ الدولة المؤسسية الهجينة إذ تستلب الوظيفة الوطنية لصالح الديمومة المكوناتية.
إشكالية تكوين الدولة المأزوم
تتركز اشكالية هذا المقال حول التناقض البنيوي في مفهوم الدولة العراقية ما بعد عام 2003م، حيث لم يعد الصراع محصوراً في الانتقال الديمقراطي الإجرائي، بل تحول إلى افتراق مؤسسي حاد بين نصوص دستورية حداثوية وواقع سوسيوسياسي محكوم بالعصبويات التقليدية أي عقلية ماقبل الدولة المكوناتية, ونطرح سؤال محوري: كيف استطاعت استمرارية لامركزية القوة التقليدية أن تفرض نفسها كخيار لنموذج الدولة الهشة ككيان يوازي مفهوم الدولة العراقية الوطنية؟، وعن الاثر العلائقي الذي تفرزه هذه الجدلية على مفهوم السيادة الوطنية العقلانية؟.
من الثبات المؤسسي إلى السيولة السيادية
عند تفكيك الجذور الفكرية السياسية لمفهوم الدولة والدولة الهشة نجد بون شاسع بين المفهوم الغربي القائم على الثبات (State) والمفهوم العربي (لمفهوم الدولة الذي يحمل دلالات المرونة والاستبدال), إذ ان التجربة العراقية تجسدت الدولة بمعناها الديناميكي، حيث أصبحت المؤسسات الرسمية بيئة للتوتر بدلاً من أن تكون بيئة مؤسسية ناظمة للصراعات الفوقية للسلطة السياسية والافقية المتمثلة بالمجتمع العراقي، ومن هنا نحدد بصورة دقيقة سببية علاقة الاشكالية هذه:
أولاً: بنية الدولة الهجينة والاستلاب الوظيفي: تعاني الدولة العراقية مما يمكن تسميته الاستلاب الكياني, اذ ان الدولة الهشة هنا لا تعني غياب المؤسسات، بل تعني تفريغها من جوهرها السيادي لصالح فواعل موازية تقتسم مع المركز احتكار العنف والموارد, هذا الهجين ينتج كياناً مشوهاً تحولت فيه المؤسسة من أداة لفرض القانون إلى بيئة لتعزيز المصالح الاقطاعية والزبائنية السياسية.
ثانياً: السيادة السائلة وفقدان الاحتكار القهري: تذهب الرؤية الفيبرية الكلاسيكية الى ان الدولة هي الجهاز الذي يحتكر العنف المشروع, لكن في العراق تآكل هذا الاحتكار لصالح نموذج الدولة الهشة القائم على سيادة الهوية المكوناتية والإقطاعيات السياسية, السيادة هنا أصبحت سائلة تذوب حسب أهداف القوة التقليدية المكوناتية الممسك بالهيكل الوظيفي، مما أدى إلى غياب العقل الوظيفي الاستراتيجي الوطني المركزي.
ثالثاً: الفصام الهوياتي وازدواجية الولاء (المكوناتي/ الوطني): يعيش الفرد حالة اغتراب سياسي فالهوية الوطنية تصطدم بالهويات الفرعية التي أفرزتها فلسفة نظام المكونات بعد 2003م, هذه الازدواجية تعكس ديمومة وظيفة الدولة الهشة التي تفتت وحدة الإرادة، حيث يجد الفرد في الانتماء الفرعي وسيلة للحماية تعجز الدولة الوطنية عن توفيرها.
نستنتج: ان معاينة مسارات السلطة تؤكد أن اللامركزية الوظيفية (الفلسفة المكوناتية) انتجت آلية بنيوية لإحلال الدولة الهشة كبنية وظيفية موازية مكتملة الوظائف امام الدولة الوطنية، تستدام على تآكل الهوية الوطنية الجامعة, لاسيما ان اعاقة مشروع الدولة الوطنية اصبحت ضرورة وظيفية تفرضها القوى التقليدية لضمان إعادة أنتاج هيمنتها خارج أطر التعاقد القانوني.
نحو تعزيز مشروع الدولة الوطنية
تواجه الحكومة في الوقت الحاضر تحديات تتطلب خطوات اجرائية آنية ذات بعد استراتيجي 2003- 2026:
1- تعزيز قدرة الدولة على احتكار القرار السيادي عبر أدوات قانونية وتنفيذية: تبني سياسة احتواء ممنهج، واستثمار الطاقات الفكرية لربط الولاء الفرعي المكوناتي بالولاء للوطن عبر ثقافة الإنجاز الملموس، لتقويض ركائز الدولة الهشة.
2- استعادة مركزية العنف المشروع: إخضاع قوة الدولة المسلحة لمركزية السلطة التنفيذية (رئاسة الوزراء حصراً)، وإنهاء ظاهرة تعدد مراكز القوى التي تغذي سيولة السيادة اللامركزية, نحو سيادة الدولة المركزية العقلانية.
3- دستورية فكرة المواطنة: صياغة عقد اجتماعي (فردي- مؤسساتي) يتجاوز فلسفة التخادم بين الهويات الفرعية لصالح دولة القانون الفاعلة, وتعبر عن الانتقال من فلسفة الدولة المكوناتية إلى دولة المواطنة عبر تشريعات تحيد الهويات الفرعية في المناصب السيادية، وتصبح الدولة ضامنة لاستعادة الهوية الوطنية، والشروع بالأتمتة المؤسسية المستدامة لعقلنة الدولة مؤسسيا واعتماد معيار الكفاءة كبديل تدريجي للمحاصصة، لضمان ذوبان هيكل الدولة الهشة لصالح الدولة الوطنية الجامعة.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!