منهاج الحكومة المقترح لما بعد 2025: مقاربة تحليلية للتحديات والملفات العراقية

منهاج الحكومة المقترح لما بعد 2025: مقاربة تحليلية للتحديات والملفات العراقية

يدخل العراق مرحلة مفصلية بعد عام 2025، تتقاطع فيها التحوّلات الداخلية المرتبطة بمطالب الإصلاح والخدمات، مع متغيّرات إقليمية ودولية تمسّ الأمن والاقتصاد والمجتمع...

وقد بات واضحاً أن طبيعة البرامج الحكومية التقليدية لم تعد قادرة على الاستجابة لتسارع التحديات، خصوصاً في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، وأزمة المناخ، وتقلّبات أسعار الطاقة، وتزايد التنافس الدولي في المنطقة، من هنا تبرز الحاجة إلى برنامج حكومي عراقي جديد للمرحلة المقبلة، يعتمد منهجاً تخطيطياً شاملاً، ويمزج بين الواقعية والابتكار، ويعتمد على رؤية مستقبلية تمتد إلى ما بعد 2030، وتستند إلى مبادئ الدولة القادرة، والإدارة الرشيقة، والاقتصاد المتنوع، والمجتمع المنتج.

 

أولاً: أهمية البرنامج الحكومي للمرحلة المقبلة

لم يعد ممكناً الاعتماد على نماذج الإدارة السابقة المبنية على اقتصاد النفط والبيروقراطية الثقيلة فالعراق بحاجة إلى برنامج حكومي يحرّك عجلة التنمية المستدامة، ويهيّئ الدولة لعصر ما بعد النفط، ومن الأهمية إعادة تنظيم العلاقة بين المواطن والدولة من خلال تنامي الاحتجاجات منذ عام 2019 التي كشفت هشاشة العلاقة بين السلطة والمجتمع.

البرنامج الجديد ينبغي أن يؤسّس لعقد اجتماعي جديد قائم على الثقة والشفافية، كما ان التغيرات في الشرق الأوسط -من مشاريع الربط الاقتصادي، والمنافسة على الممرات التجارية، والتغير المناخي- تفرض على العراق أن يكون لاعباً لا متلقياً للأزمات، بالإضافة الى ذلك فان الفساد المالي والإداري يلتهم ما يقارب ثلث إمكانات الدولة، ومن دون برنامج حكومي قائم على الرقابة الرقمية والتدقيق، ستبقى الإصلاحات شكلية. يأتي ذلك في ظل التوقعات العالمية التي تشير إلى تراجع تدريجي في الاعتماد على النفط بحلول 2035 لذا لا بد من رؤية اقتصادية متوازنة تهيّئ البلاد لعصر ما بعد الريع.

 

ثانياً: محاور البرنامج الحكومي العراقي المقترح لما بعد 2025

إن البرنامج الحكومي الجديد ينبغي أن يتضمن ملفات استراتيجية لا يمكن تأجيلها، فهي تمثل أساس الدولة خلال العقد القادم، وفيما يلي أهم محاوره:

1- محور الأمن وسيادة القانون

تشير أولويات البرنامج الحكومي لمرحلة ما بعد 2025 الى عدد من الملفات أبرزها الاتي: أهمية السيطرة على السلاح القبائلي وخارج سيطرة الدولة والقوات الرسمية من جيش وشرطة وحشد شعبي والتشكيلات الأخرى، والعمل على تطوير الجهد الاستخباري لمواجهة الجريمة المنظمة والمخدرات، وإعادة بناء المنظومة القضائية لتكون مستقلة وحديثة ومرتبطة بالتحول الرقمي، وتوسيع قدرات الأمن السيبراني لحماية الدولة من تهديدات الاختراق الإلكتروني، والهدف من ذلك هو السعي لتحويل الأمن من حالة ردّ فعل إلى منظومة احترافية تعتمد الوقاية، وتفرض هيبة الدولة.

2- محور الإصلاح الاقتصادي والتحوّل الهيكلي

يأتي محور اصلاح الملفات الكبرى على المستويات الاقتصادية والإدارية لاسيما البنيوية منها في مقدمة محاور البرنامج الحكومي للحكومة العراقية القادمة في العراق ولابد ان يشمل هذا المحور عدة مجالات منها: أهمية التأكيد على تنويع الاقتصاد عبر إنتاج وطني في الزراعة والصناعة والبتروكيمياويات والسياحة الدينية، والسعي الى تطوير النظام المصرفي وتحويله إلى نظام قادر على تمويل التنمية، ومعالجة الترهل الوظيفي عبر إعادة توزيع القوى العاملة وبرامج التدريب وإطلاق الخدمة المدنية الحديثة، وإطلاق مناطق اقتصادية خاصة في البصرة، الأنبار، الموصل، بغداد وديالى لتكون منصات للتجارة واللوجستيات الاقتصادية الخاصة بالدولة العراقية، وتفعيل الشراكات مع القطاع الخاص في الكهرباء، النقل والبنى التحتية يأتي ذلك في محاولات للوصول إلى اقتصاد تنافسي يقلل الاعتماد على النفط إلى أقل من 60% بحلول 2030.

ويضاف الى ذلك السعي وبقوة الى الإصلاح الضريبي في العراق الذي لا يزال يشكل مصدراً للفساد المالي السياسي، وعمليات هدر المال العام في العراق، ووضع خطة وطنية لخفض الفساد 50% خلال خمس سنوات عبر الرقمنة والحوكمة والشفافية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وتحويله إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي، ومراعاة العدالة الاجتماعية في توزيع المشاريع خصوصاً المحافظات المحرومة (الديوانية، ذي قار، المثنى وديالى).

 

3- محور الطاقة والكهرباء

يُعد هذا الملف الأشد تأثيراً في الاستقرار الاجتماعي والسياسي ويشمل عدد من الملفات أهمها: أهمية إدخال الطاقة المتجددة بنسبة 10–15% إلى الإنتاج الوطني، والعمل على تنفيذ خطة إنهاء حرق الغاز المصاحب واستثماره بالكامل بحلول 2030، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، والإسراع بإقامة الربط الكهربائي القارئ يأتي ذلك لحل أزمة الكهرباء جذرياً خلال خمس سنوات التي ظلت مشكلة مستمرة على طول الحكومات المتعاقبة التي حكمت العراق منذ التغيير في عام 2003 والى يومنا هذا.

4- محور البنى التحتية والتحول الرقمي

يشكل هذا المحور استراتيجية مهمة للمرحلة المقبلة ويأتي على رأس هذا المحور عدد من المشاريع أهمها: مشروع "العراق الرقمي 2030" لتحويل الخدمات الحكومية إلى إلكترونية بالكامل، وتحديث شبكات الطرق والجسور بمشاريع استراتيجية (الحزام والطريق، القناة الجافة)، وتطوير قطاع الاتصالات والإنترنت عبر شراكات دولية، والعمل على الدخول في المستويات التي وصل لها العالم من خلال إدخال الذكاء الاصطناعي والإدارة الذكية في العمل الحكومي، يأتي ذلك لأهمية انتقال الدولة في العراق من البيروقراطية إلى الإدارة الذكية.

 

5- محور التربية والتعليم والصحة والتنمية الاجتماعية

لطالما شكلت ملفات التربية والتعليم والصحة والتنمية من اهم المحاور التي تشكل ملفات في غاية الأهمية ولم تحظى بخطط او تنفيذ استراتيجي ينقل هذه الملفات من واقعها المتراجع الى واقع أفضل قد يساهم في تحسين المحاور التنموية الأخرى، وتأتي في مقدمة تلك المحاور على مستوى محور التعليم العالي والبحث العملي: إصلاح المناهج لتكون متوافقة مع مهارات القرن 21، وتطوير البنى الجامعية واستقلال الجامعات، وتشجيع البحث العلمي وربطه بالاقتصاد، اما على مستوى ملفات الصحة فمن الضرورة اصلاح نظام التأمين الصحي الشامل، وتطوير المستشفيات التخصصية وفق معايير عالمية، والعمل على رقمنة السجلات الطبية لخلق مجتمع صحي ومتعلم قادر على قيادة التنمية وخدمة أبناء المجتمع.

 

6- محور إدارة المياه والتغير المناخي

سيكون ملف المياه اخطر الملفات على العراق في العقد المقبل خصوصا بعد انتقال العراق من شحة المياه الى الجفاف خصوصا وان هذه الازمة بدأت تتفاقم منذ أعوام واشتدت منذ صيف عام 2024 وقد حاولت حكومة السوداني في ايامها الأخيرة من توقيع اتفاقية تعاون مع الجانب التركي لكن والتي لم تتضح بنودها وموادها والمدد الزمنية لتنفيذها عموما فأن من ابرز محاور معالجة هذا الملف المسائل الاتية: العمل وبقوة على التفاوض مع تركيا وإيران بأسس جديدة قائمة على المصالح المتبادلة وفي ذات الخطوات السعي الى بناء محطات تحلية عملاقة في البصرة، وتوسيع برامج الري الحديث واستخدام التقنيات الذكية ومكافحة التصحر وزراعة خمسة ملايين شجرة ضمن الحزام الأخضر ولعل ذلك يكون مشروع استراتيجي لبناء أمن مائي مستدام يقلل الهدر بنسبة 40% بحلول 2032.

 

7. محور السياسة الخارجية وتعزيز الدور الإقليمي للعراق

مع التداعيات التي حدثت بعد احداث طوفان الأقصى في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على العراق ستواجه الحكومة العراقية تحديات خطيرة في إدارة ملفات الوضع الإقليمي ومخاطرة تداعياته ومن اهم تلك الملفات الاتية: إعادة التوازن للسياسة الخارجية العراقية، والانضمام بفعالية لمبادرات الربط الاقتصادي الإقليمي مع الدول الصديقة والحليفة للعراق ما عدا الكيان الإسرائيلي المحتل، وتعزيز العلاقات مع الخليج، تركيا، إيران، أوروبا والصين وقد يسهم ذلك في تحويل العراق إلى (مركز عبور اقتصادي) عبر مشروع القناة الجافة مع تلك الدول، وقد يجعل ذلك المشروع العراق لاعباً إقليمياً وليس ساحة صراع.

 

ثالثاً: مقارنة البرنامج المقترح مع البرامج الحكومية السابقة

تُظهر المقارنة بين البرامج السابقة للحكومات العراقية المتعاقبة والبرنامج المقترح للحكومة العراقية المقبلة لمرحلة ما بعد عام 2025 ولعل من اهم الفروقات الاتية:

1. تفتقد إدارة الأزمات التي شهدتها العملية والنظام السياسي في العراق إلى التخطيط الاستراتيجي حيث كان المعمول به سابقاً يتم التركيز على معالجة مشكلات يومية، اما في المرحلة المقبلة فلابد من الانتقال نحو رؤية استراتيجية متوسطة وطويلة الأمد.

2. الانتقال من مركزية الدولة إلى مشاركة القطاع الخاص حيث كان المعمول به سابقاً الاعتماد بصورة شبه كاملة على الإنفاق الحكومي، وحاليا ومن خلال برنامج الحكومة القادم لابد من فتح المجال للشراكة والاستثمار بصورة رصينة بعيدا عن التدخلات السياسية والحزبية.

3. اعتماد استراتيجية الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المتنوع حيث كان في السابق استمرار اعتماد الدولة على النفط بنسبة تفوق 90% ولابد للمرحلة القادمة من تخطيط لخفض الاعتماد تدريجياً واعتماد بدائل اقتصادية.

4. الانتقال من البيروقراطية إلى الرقمنة والحوكمة اذ وعلى طوال الحكومات المتعاقبة كان الضعف هو السمة السائدة في عمليات التحول الرقمي رغم ان العالم يشهد تطورا يوميا بالاتجاه نحو هذا العالم وعلى مختلف المجالات ولذلك من الضرورة في المرحلة القادمة الاعتماد على الرقمنة الشاملة للخدمات الحكومية بالإضافة الى القطاع الخاص.

5. الانتقال من سياسة خارجية كردّ فعل إلى دور متوازن وفاعل خصوصا مع ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من احداث متسارعة وتوثر بشكل مباشر على الوضع في العراق.

 

وفي ضوء ما تقدم، نصل الى الخلاصة التي تشير الى إن البرنامج الحكومي للمرحلة ما بعد عام 2025 يجب أن يقوم على انتقال العراق من دولة تستهلك الأزمات إلى دولة تنتج الحلول، ومن خلال رؤية إصلاحية شاملة تعتمد على التحول الاقتصادي والحوكمة والرقمنة، يمكن للعراق أن يستعيد دوره الإقليمي، ويحقق استقراراً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً يليق بمكانته ومستقبله فالبرنامج الحكومي الناجح ليس وثيقة تقنية فقط، بل هو مشروع وطني لإعادة بناء الدولة وترسيخ سيادتها وتحقيق رفاه المواطن.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2025 Ⓒ

http://mcsr.net

د. اسعد كاظم شبيب

د. اسعد كاظم شبيب

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!