من هم المستفيدون من الحرب؟

من هم المستفيدون من الحرب؟
تُقيَّم الحروب عادةً من منظور ثنائي حيث يميل المحللون الاستراتيجيون وصناع السياسات ووسائل الإعلام إلى التركيز على سؤال بسيط: من ربح ومن خسر في الحرب؟، وقد أثارت الحرب الأمريكية- الإيرانية الأخيرة نقاشًا مماثلاً، هل تمكنت واشنطن من تحقيق أهدافها؟، هل صمدت إيران بنجاح أمام الضغط العسكري الأمريكي وحافظت على قدرتها على المقاومة؟.

بقلم د. خرم عباس الكاتب محلل استراتيجي للأمن الدولي


لكن هذا الإطار الثنائي يتجاهل بُعدًا آخر، غالبًا ما يكون أكثر أهمية، للحروب الحديثة فالحروب لا تُنتج فقط فائزين وخاسرين عسكريين، بل تُعيد أيضًا توزيع الثروة، وتُسرّع التغير التكنولوجي، وتخلق فرصًا تجارية للصناعات التي تستفيد من انعدام الأمن، في حالة الصراع الأمريكي الإيراني، قد لا تكون واشنطن ولا طهران هما المستفيدين الأبرز في نهاية المطاف.

دفعت العاصمتان ثمناً باهظاً، فقد استنفدتا موارد عسكرية، وعانتا من اضطرابات اقتصادية، وواجهتا درجات متفاوتة من الخسائر التكتيكية والاستراتيجية، ولذلك قد لا يُسفر الصراع عن منتصر جيوسياسي واضح.

ومع ذلك، برزت قطاعات عديدة كفائزين تجاريين لا لبس فيهم، إن قطاع الصناعات الدفاعية المستفيد الأكبر من الصراع الأمريكي الإيراني، فالحروب الحديثة تستهلك كميات هائلة من الصواريخ، والطائرات الاعتراضية، والطائرات المسيّرة، والذخائر الموجهة بدقة، وغيرها من المعدات العسكرية، وكل صاروخ يُطلق يجب استبداله، وكل نقص في المخزون يخلق متطلبات شراء جديدة، وكل ثغرة مُحتملة تُولّد ضغطاً لزيادة الإنفاق الدفاعي، حيث إن هذه الديناميكية تجسّدت في النتائج المالية لشركات الدفاع الأمريكية الكبرى.

إذ أعلنت شركة لوكهيد مارتن عن أرباح بلغت 1,8 مليار دولار أمريكي في الربع الثاني من عام 2026، مقارنةً بـ 342 مليون دولار أمريكي خلال الفترة نفسها من عام 2025، وارتفعت مبيعاتها بنسبة 11% لتصل إلى 20,1 مليار دولار أمريكي، بينما بلغ حجم طلباتها المتراكمة رقماً قياسياً قدره 230 مليار دولار أمريكي. كما ارتفعت مبيعات قطاع الصواريخ وأنظمة التحكم النيراني بنسبة 19% لتصل إلى 4,1 مليار دولار أمريكي. وبالمثل، أعلنت شركةRTX  -الشركة الأم لشركة رايثيون- عن صافي دخل بلغ 2,139 مليار دولار أمريكي في الربع الثاني من عام 2026، مرتفعاً من 1,657 مليار دولار أمريكي في الربع المقابل من عام 2025، وارتفعت مبيعات رايثيون بنسبة 18% لتصل إلى 8,269 مليار دولار أمريكي، مدعومةً بالطلب على أنظمة مثل باتريوت، وستاندرد ميسيل، وأمرام.

إن الصراع المطوّل لا يؤدي إلى زيادة الاستهلاك الفوري للأسلحة فحسب، بل يُولّد أيضًا موجة ثانية من الطلب، أي إعادة ملء المخزونات، ونتيجةً لذلك، أصبح الصراع بين الولايات المتحدة وإيران دورة شراء تمتد لسنوات عديدة لهذه الشركات، فكلما طال أمد انعدام الأمن، ازداد شعور الحكومات بضرورة طلب المزيد من الأسلحة والذخائر وأنظمة الدفاع.

وبالنسبة للمجمع الصناعي العسكري، يمكن أن يُترجم عدم الاستقرار الجيوسياسي إلى زيادة في حجم الطلبات، وكانت شركات مختارة في قطاع الطاقة من بين المستفيدين الرئيسيين الآخرين، فقد خلقت الحرب الأمريكية الإيرانية، إلى جانب حالة عدم اليقين المحيطة بمضيق هرمز واضطرابات تدفقات الطاقة الإقليمية، الظروف المثالية التي تزدهر فيها شركات النفط الكبرى ومصافي التكرير وتجار السلع الأساسية بفضل ارتفاع الأسعار وعدم استقرار الإمدادات والتقلبات الشديدة في السوق.

بعض الأرقام لافتة للنظر، إذ بلغ صافي دخل شركة إكسون موبيل في الربع الثاني من عام 2026 مبلغ 14,5 مليار دولار، مقارنةً بـ 7,08 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025، أي بزيادة تقارب 105%. وبالمثل ارتفعت أرباح شركة شيفرون بشكل كبير، في حين سجلت شركات ماراثون بتروليوم وفيليبس 66 وفاليرو إنرجي مكاسب كبيرة أيضاً، حيث حولت أسعار الطاقة المرتفعة وهوامش التكرير الاضطرابات الجيوسياسية إلى عوائد مالية استثنائية.

لم يقتصر هذا التوجه على الولايات المتحدة، فقد أعلنت شركة شل عن أرباح بلغت 9,84 مليار دولار أمريكي في الربع الثاني من عام 2026، مقارنةً بـ 4,26 مليار دولار أمريكي في الربع الثاني من عام 2025، بينما حققت شركة بريتيش بتروليوم أرباحًا بلغت 5,7 مليار دولار أمريكي، مقارنةً بـ 2,34 مليار دولار أمريكي خلال الفترة نفسها. كما استفادت شركات توتال إنيرجيز، وأرامكو السعودية، وجلينكور، وترافجورا من التقلبات غير المسبوقة التي أحدثها الصراع وما نتج عنه من اضطراب في أسواق الطاقة.

لا يعني هذا بالضرورة أن كل شركة طاقة تستفيد تلقائيًا من كل حرب، فالصراعات قد تدمر البنية التحتية، وتعطل الإنتاج، وتخلق مخاطر جسيمة، لكن الحرب الأمريكية الإيرانية تُظهر كيف يمكن لاضطرابات الإمداد وعدم اليقين أن تُحقق مكاسب هائلة للشركات القادرة على استغلال التقلبات، وتكرير النفط الخام، والاستفادة من ارتفاع الأسعار، بالنسبة للعديد من الشركات، قد يصبح عدم الاستقرار نفسه مصدرًا للربح.

لم يعد المستفيدون من الصراعات الحديثة مقتصرين على شركات تصنيع الدبابات والصواريخ، فالحروب تعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وبيانات الأقمار الصناعية، والأمن السيبراني، وتحليل ساحة المعركة في الوقت الفعلي، من بينهم برزت شركة بالانتير تكنولوجيز كأحد أبرز الأمثلة على هذا التحول، ففي الربع الثاني من عام 2026، حققت الشركة إيرادات بلغت 1,94 مليار دولار، مسجلةً نموًا سنويًا بنسبة 93%، وبلغت إيراداتها من الحكومة الأمريكية 809 ملايين دولار بزيادة قدرها 90%.

حصلت مايكروسوفت أيضًا على عقدٍ مدته خمس سنوات مع البنتاغون بقيمة 9,69 مليار دولار أمريكي لتوفير خدمات مايكروسوفت 365، واشتراكات الحوسبة السحابية، وخدمات أخرى للجيش الأمريكي وأجهزة الاستخبارات. في الوقت نفسه، يحثّ البنتاغون شركات الذكاء الاصطناعي على توسيع نطاق قدراتها لتشمل الشبكات السرية، مما يخلق فرصًا جديدة للشركات القادرة على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي آمنة للأغراض العسكرية والاستخباراتية، وبالتالي قد تُسرّع الحرب الأمريكية الإيرانية من تحوّلٍ هيكلي في السوق العسكرية.

تُعدّ صناعة الشحن العالمية مثالًا آخر على الأرباح التي تُجنى من الحروب، فقد أجبر تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز السفن على تغيير مساراتها، وخلق حالةً من عدم اليقين الشديد في أسواق الشحن العالمية، وقد أدّى الارتفاع الناتج في أسعار الشحن إلى تحويل عمليات ناقلات النفط إلى قطاعٍ مربحٍ للغاية، وتُعدّ شركتا فرونت لاين وسكوربيو تانكرز من أبرز الأمثلة على ذلك، حيث حققتا أرباحًا قياسية في الربعين الأول والثاني من عام 2026.

هناك أيضًا مستفيدون أقل وضوحًا، فقد وجد مستشارو الدفاع، وشركات إدارة المخاطر الجيوسياسية، ومقدمو خدمات الاستخبارات، وشركات الأمن الخاصة، ومنظومة متنامية من الشخصيات الإعلامية الرقمية، أن الأزمات الجيوسياسية تُولّد طلبًا غير مسبوق على منتجاتهم وخدماتهم ومحتواهم.

و مع أن قرارات الحرب والسلام تُحددها الحكومات، إلا أنه من الصعب تجاهل الجوانب الاقتصادية والسياسية المرتبطة بالحروب المطولة، وهذا يثير تساؤلاً مُقلقاً: إذا كانت الحرب تُدرّ أرباحاً طائلة لبعض الصناعات، فهل تُفضّل هذه الصناعات تسوية النزاعات أم استمرارها لفترة طويلة؟.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

ترجمة: م. فاطمة رضا عطية

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!