من أجل تحقيق الهيمنة العالمية تكنولوجياً وتقنياً، في أطار حماية بياناتها الشخصية، وتجنب استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في عمليات التظليل الإعلامي، وتعزيز أمن منظومتها الذكية.
إضافة إلى عدم تسبب الخوارزميات في قرارات عنصرية تجاه الأفراد والجماعات، ومن أجل أنَّ تكون بكين النموذج الذي يحتذى به في هذا الصدد، فضلاً عن هدفها الذي ترمو من خلاله إنشاء تحالف دولي على غرار تحالف الولايات المتحدة الأمريكية (تحالف باكس سيليكا)، ورغبتها في أن تكون مركز جذب للدول الأخرى، ولا سيما النامية منها؛ نظمت بكين في 16 تموز من العام الحالي المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC)، الذي تم التوقيع فيه على اتفاقية تأسيس منظمة التعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO)، ويكمن خلف هذا التحالف العالمي للذكاء الاصطناعي عدداً من الأهداف التكنولوجية والجيوسياسية، وهي على النحو الآتي:
أولا/ تفاصيل التحالف العالمي الصيني للذكاء الاصطناعي: تشمل التفاصيل الأساسية لهذا التحالف في عدة نقاط رئيسة منها: الانطلاق والأعضاء المؤسسون والركائز الأساسية، وهي على النحو الآتي:
1- الانطلاق: أنطلق هذا التحالف العالمي الضخم بقيادة الصين في 16 تموز 2026، في مدينة شنغهاي الصينية، إذ أعلنت بكين عن تأسيس منظمة التعاون العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي (WAICO)، في مجال تبادل الخبرات وبناء القدرات بين الدول والمؤسسات والشركات التكنولوجية الكبرى.
2- الأعضاء المؤسسون: أنضم لهذا التحالف (29) دولة ينتمي معظمها إلى دول الجنوب العالمي، وهي محالة لبكين في جذب الدول النامية لها في هذا التحالف.
3- الركائز الأساسية: تعتمد الركائز أو النماذج الأساسية لهذا التحالف على الأنظمة والأوزان مفتوحة المصدر، وعلى بناء القدرات والتعاون التكنولوجي متعدد الأطراف بدلاً من التحكم الصارم في سلاسل التوريد والرقائق الإلكترونية فائقة الأهمية من قبل طرف واحد، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية.
ثانيا/ الصراع الجيو سياسي التكنولوجي: تهدف بكين من خلال بناء التحالف العالمي، إلى قيادة المواجهة التكنولوجية والتقنية في مجال الذكاء الاصطناعي مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها، وانشاء معسكر للذكاء الاصطناعي موازٍ للمعسكر الغربي (تحالف باكس سيليكا) الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن إيجاز ذلك على النحو الآتي:
1- المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية: في كانون الأول من عام 2025، أعلنت الولايات المتحدة عن مبادرة دولية في مجال الذكاء الاصطناعي، تمخضت عن انشاء تحالف باكس سيليكا، الذي يهدف إلى بناء سلاسل توريد آمنة وموثوقة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدءاً من المعادن الحرجة ومصادر الطاقة المتنوعة، مروراً بأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، وصولاً إلى البنية التحتية للحوسبة السحابية، إذ تستهدف بكين من خلال تحالفها العالمي قيادة منافسة الولايات المتحدة الأمريكية تكنولوجياً وتقنياً، ولا سيما في مجال بناء القواعد المؤسسة لخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وفي البنية التحتية للحوسبة السحابية، فضلاً عن تقليل احتكار الولايات المتحدة لنماذج بناء الرقائق الإلكترونية فائقة الأهمية والاستخدامات، والقيود المفروضة عليها في مجال استيرادها.
2- تقسيم العالم إلى قطبين تكنولوجيين: تكمن أهداف بكين من بناء هذا التحالف، تجزأت العالم إلى منطقتين جيو- تكنولوجيين، أحدهما تقوده واشنطن والثاني بكين نفسها، من أجل تقليل فجوة التطور التكنولوجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، والسيطرة على النماذج التقنية المتطورة في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن المعضلة هنا تبرز في الاختيار، إذ دعت واشنطن الدول إلى الاختيار بين معسكرها التكنولوجي وبين الانضمام إلى معسكر بكين، وشددت على عدم الانضمام إلى المعسكرين معاً في الوقت ذاته، وفي المقابل رفضت بكين هذا الاختيار وحذرت واشنطن من تداعيات انتهاك السيادة الرقمية للدول.
ثالثا/ حماية أمنها القومي وصناعاتها المتقدمة: لم تعد مسألة حماية الأمن القومي للدول في العصر الحالي، مقترناً على تأمين حدودها الجغرافية، وحماية أجواءها وقواعدها العسكرية، وإنما في تأمين البنية التحتية التكنولوجية وحمايتها من القرصنة والهجمات السيبرانية الخطيرة والمتقدمة، إذ لطالما شهدت الولايات المتحدة الأمريكية والصين حروب سيبرانية مدمرة، تستهدف في الأساس نماذج صناعاتها المتقدمة والرقائق التكنولوجية في مجال بناء القدرات العسكرية الصناعية والتكنولوجية المتقدمة، إذ تعد حماية النماذج والقاعدة الصناعية، لهذه الرقائق والأنظمة جزءاً لا يتجزأ من حماية أمنها القومي.
رابعا/ السيطرة على قواعد الذكاء الاصطناعي وتنظيمها: تسعى بكين الوصول إلى قواعد مشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم الذكاء الاصطناعي في مجالات الأمن والأعلام والتعليم والصناعة، إذ تخشى الأولى من فقدان السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب، نتيجة احتدام منافستها مع واشنطن في هذا المجال، إذ حذر باحثون في الذكاء الاصطناعي من أنَّ التطوير غير المنضبط للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى كارثة مدمرة شبيهة بالحادث النووي الشهير.
خامسا/ الهيمنة في السباق نحو الفضاء: تسعى الصين لبناء مراكز بيانات سحابية فائقة القدرة في المدار الفضائي خلال السنوات الخمسة القادمة، إذ تطمح بكين من استغلال الطاقة الشمسية في المدار، من أجل تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المعقدة، بدلاً من الاعتماد على الطاقة الأرضية، وهذا ما يضعها في منافسة مع مشاريع شركة "space x" الأمريكية، إضافة إلى ذلك تخطط الصين في رحلة فضائية نحو القمر بحلول عام 2030، بحثاً عن الهيدروجين الذي يتوفر بصورة كثيفة، الذي يستخدم في الحصول منه على وقود الصواريخ والمياه، فضلاً عن أنشاء أنظمة صيانة ذاتية متقدمة للأقمار الصناعية من خلال دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، دون الحاجة للتحكم فيها من الأرض، وتهدف بكين من خلال ذلك تحقيق التفوق التقني والعسكري في مجال التسلح، والمراقبة والإستطلاع على الأهداف العسكرية في الأرض، والوصول الأستباقي إلى أحداثياتها.
في الختام، يتجه العالم نحو منافسة تكنولوجية وتقنية متقدمة ومعقدة الأنظمة في الوقت ذاته، إذ أنَّ تحقيق التقدم والسيطرة في مجال أنظمة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، أصبح من خلال دول القوى العظمى ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية والصين، وحلفاءهما عنصراً رئيساً في تحقيق الهيمنة العالمية التكنولوجية، ولم تعد هذه الهيمنة مقتصرة على الأرض وحدها، بل أصبح الفضاء اليوم عاملاً أساسياً في الصراع الجيو- سياسي التكنولوجي في مجال المراقبة والإستطلاع والحصول على العناصر الكيميائية ولا سيما الهيدروجين والماء وبعض العناصر الأخرى، التي تعد الأساس في أنتاج الوقود السائل للصواريخ إضافة إلى تحقيق التفوق العسكري على الأرض من خلال التدمير الأستباقي والدقيق للأهداف، إضافة إلى الوصول إلى قواعد مشتركة مع الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم الذكاء الاصطناعي في مجالات الأمن والأعلام والتعليم والصناعة، خشية من فقدان السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب، فضلاً عن حماية البنية التحتية للحوسبة السحابية، والرقائق الإلكترونية فائقة الأهمية من مخاطر القرصنة والحروب السيبرانية المدمرة.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!