مستقبل الشرق الأوسط.. بين شراهة الطموح الإسرائيلي وترسيخ الهيمنة الأمريكية

مستقبل الشرق الأوسط.. بين شراهة الطموح الإسرائيلي وترسيخ الهيمنة الأمريكية
تدخل منطقة الشرق الأوسط في عام 2026 منعطفاً تاريخياً يتجاوز في تعقيده الصراعات التقليدية التي ميزت العقدين الماضيين، فبينما كانت عناوين الأخبار لسنوات طويلة تتمحور حول الدور الإيراني وتمدد أذرعه..

يشير الواقع الاستراتيجي الراهن إلى أن طهران، المثقلة بجراحها الداخلية وتراجع زخم محورها الإقليمي، لم تعد المحرك الوحيد أو الأساسي لمسار المنطقة، إننا نشهد اليوم ولادة مرحلة جديدة تحدد ملامحها المنافسة الشرسة بين كتلتين صاعدتين، في ظل محاولات أمريكية محمومة لترسيخ هيمنة بنيوية لا تكتفي بالوجود العسكري، بل تمتد لتشمل صياغة تحالفات عميقة.

تتوزع هذه الورقة على محاور رئيسية خمسة، تبحث في طبيعة الشراهة الإسرائيلية لإعادة تشكيل المنطقة، وآليات الترسيخ الأمريكية للهيمنة، وصولا إلى موقع العراق في قلب هذه العاصفة الجيوسياسية، حيث تتداخل الأطماع الخارجية مع أزمة المشروع الوطني الداخلي.

 

المحور الأول: الكتلة الإبراهيمية وشراهة الطموح التغييري

يبرز في الأفق ما يمكن تسميته بـالتحالف الإبراهيمي، وهو محور تقوده إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ويمتد بخيوطه إلى اليونان والمغرب وحتى الهند، هذا المحور لا يتبنى سياسة دفاعية تقليدية، بل يتبنى توجهاً تغييرياً يسعى لإعادة هندسة المنطقة جذرياً.

تتجلى الشراهة الإسرائيلية في هذا التحالف من خلال الرغبة في تحويل التفوق العسكري التكنولوجي إلى واقع سياسي دائم (بواقع صادرات أسلحة بلغت 12,5 مليار دولار في 2025)، ينهي تماماً أي أفق لحل الدولتين ويستبدله بـتكامل اقتصادي وأمني تقوده إسرائيل. إن هذا الطموح يتغذى على الاعتقاد بأن النظام الإقليمي السابق قد فشل، وأن الاستقرار لا يتحقق إلا بالتدخل المباشر لدعم القوى العلمانية وإضعاف حركات الإسلام السياسي بكافة أطيافها، إن انخراط الهند واليونان في هذا المحور يعطيه عمقاً يتجاوز الجغرافيا العربية، محولاً الطموح الإسرائيلي إلى مشروع عابر للقارات يهدف لتطويق المنافسين الإقليميين.


المحور الثاني: الكتلة الإسلامية واستراتيجية التوازن

في المقابل، يتشكل التحالف الإسلامي كقوة موازنة، تقوده المملكة العربية السعودية بالتعاون مع تركيا وباكستان وقطر، مع تنسيق حذر مع مصر، هذا المعسكر يرى في الشراهة الإبراهيمية عنصر تقويض للاستقرار؛ حيث يعتبر أن دعم القوى الانفصالية أو التدخلات العسكرية غير المحسوبة يؤدي إلى تفتيت الدول الوطنية، حيث تعتمد هذه الكتلة على البراغماتية المرنة وشرعية المؤسسات القائمة.

إن التقارب السعودي-التركي-الباكستاني في أكتوبر 2025، وتوقيع اتفاقيات دفاعية مشتركة، هو رد فعل مباشر على محاولات تهميش هذه القوى في النظام الإقليمي الجديد، وبالنسبة لهذه الدول، فإن السيادة وسلامة الأراضي هي الشعارات المرفوعة لمواجهة التمدد الإسرائيلي-الإماراتي، مما يخلق حالة من الاستقطاب الوظيفي الذي يجعل المنطقة ساحة لتنافس لا يتوقف.

 

المحور الثالث: ترسيخ الهيمنة الأمريكية

في ظل إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب (2025-2029)، لم تعد الهيمنة الأمريكية تسعى لفك الاشتباك، بل لترسيخ قواعد لعبة جديدة، واشنطن تحاول اليوم إدارة هذه المنافسة الضارة بين شركائها (السعودية والإمارات) لمنع التفتت الكامل، مع التركيز على هدف استراتيجي واحد: (التطبيع السعودي الإسرائيلي).

إن الترسيخ الأمريكي يتجلى في محاولة دمج التحالفين (الإبراهيمي والإسلامي) تحت مظلة أمنية أمريكية موحدة، تضمن تفوق إسرائيل وتؤمن احتياجات الطاقة وتغلق الباب أمام النفوذ الصيني. ومع ذلك، تصطدم هذه الهيمنة بانقسامات داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وبتضارب مصالح الشركاء على الأرض في ساحات مثل اليمن والسودان والصومال، مما يجعل الهيمنة الأمريكية أحياناً تبدو كـإدارة للأزمات بدلاً من حلها.

 

المحور الرابع: العراق بين مطرقة الهيمنة وسندان الطموح

هنا يبرز التساؤل الجوهري حول مستقبل الدولة العراقية، يجد العراق نفسه في وضع جيوسياسي حرج؛ فهو تاريخياً وجغرافياً يقع في قلب مناطق اهتمام كلا الكتلتين.

-  جدلية التباين (فرصة المناورة): إن التنافس السعودي-الإماراتي، والتباين التكتيكي بين رغبة واشنطن في الاستقرار المقيد ورغبة إسرائيل في التصعيد التغييري، يضع أمام صانع القرار العراقي إشكالية كبرى، هل يمكن للعراق أن يستثمر هذه الفجوات لتقليل الضغط عليه؟، أم أن ضعف مؤسسات الدولة سيجعله مجرد ورقة تفاوضية في ملفات التطبيع أو احتواء إيران؟، إن القدرة على المناورة تظل مرهونة بمدى وعي النخبة السياسية بمتغيرات عام 2026، حيث لم تعد القواعد القديمة للصراع صالحة.

-  الخطر الوجودي (الداخل مقابل الخارج): بينما تتوجه الأنظار نحو الأطماع الخارجية المتمثلة في شراهة الطموح الإسرائيلي وترسيخ الهيمنة الأمريكية، تبرز حقيقة قاسية: إن غياب المشروع الوطني الموحد هو الثغرة التي تنفذ منها هذه الأطماع، إن تشتت الولاءات داخل الدولة العراقية يحول المطرقة والسندان من ضغط خارجي إلى تمزيق داخلي، فالدولة التي تفتقر لمركزية القرار لا يمكنها الصمود أمام مشاريع إعادة هندسة المنطقة التي يقودها التحالف الإبراهيمي، ولا يمكنها أن تكون شريكاً متوازنا في استراتيجيات التوازن التي تقودها الرياض.

 

المحور الخامس: التنافس السعودي-الإماراتي وأثره على الساحة العراقية

إن الخلاف السعودي-الإماراتي الذي انتقل من السر إلى العلن، والذي شهدته ساحات مثل اليمن، يلقي بظلاله مباشرة على العراق، فالعراق يمثل للرياض عمقاً عربياً يجب استعادته لمنع التفرد الإسرائيلي-الإماراتي، بينما قد يمثل لكتلة أبراهام ساحة لإضعاف المحاور التقليدية، هذا التنافس يزيد من تعقيد المشهد العراقي، حيث تصبح السيادة الوطنية مهددة ليس فقط بـالهيمنة الأمريكية، بل بـالاستقطاب الخليجي-الخليجي أيضاً.

 

السيناريوهات المحتملة

إن مستقبل الشرق الأوسط في عام 2026 يتأرجح بين سيناريوهين:

السيناريو الأول: نجاح واشنطن في دمج الكتل المتنافسة تحت الخيمة الأمريكية، وهو ما يعني ضغطاً هائلاً على العراق للانخراط في مسارات تسوية قد لا تتوافق مع تركيبته الداخلية.

السيناريو الثاني: استمرار الصراع بين الشراهة التغييرية والبراغماتية المحافظة، مما يبقي المنطقة في حالة حروب بالوكالة مستمرة.

بالنسبة للعراق، فإن الدرس المستفاد من قراءة هذا المشهد الاستراتيجي هو أن الأطماع الخارجية هي متغير دائم، بينما المشروع الوطني هو الثابت الذي يحدد قدرة الدولة على تحويل الضغوط إلى فرص، إن حماية السيادة العراقية في ظل هذا النظام الإقليمي الجديد تتطلب أكثر من مجرد ردود فعل؛ إنها تتطلب رؤية استراتيجية تفهم نقاط التباين بين الحلفاء الدوليين وتستثمرها لحماية أمن الدولة واستقرارها.

 

أسئلة للنقاش لاثراء الورقة البحثية:

السؤال الاول/ كيف يمكن للعراق ان يتعامل مع نقاط التباين بين واشنطن وتل ابيب لتقليل الضغوط عليه؟.

السؤال الثاني/ أيهما اخطر على مستقبل العراق: الاطماع الخارجية ام غياب المشروع الوطني الموحد؟.

..............................

* ورقة بحثية القيت في ملتقى ثقافي اقامه مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية في مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام، من اعداد الباحث في المركز الاستاذ حيدر عبد الستار الاجودي.

.............................................

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

ملتقى فكري

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!