قضايا دولية

كيف ينظر الإتحاد الأوروبي إلى التوتر الأمريكي ــ الإيراني؟

  بعد تراجع لغة التصعيد المتبادل بين طرفي الأزمة، الولايات المتحدة الأمريكية من جانب، والجمهورية الإسلامية في إيران من جانب آخر، لابد من توضيح موقف دول منظمة الاتحاد الأوروبي (28 دولة) من كل هذا التصعيد الذي بدأ من خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الإتفاق النووي الموقع بين إيران والدول الستة التي من ضمنها الصين، والولايات المتحدة نفسها، وصولا إلى العقوبات الأمريكية على إيران، وتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية، وربما ليس آخرها التهديد بالهجوم العسكري على إيران، الذي بلغ ذروته في الأسابيع الماضية عندما أرسلت الولايات المتحدة تقنياتها العسكرية إلى مناطق نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، ودول الإتحاد الأوروبي من دون شك تشكل نقطة توازن في ميزان القوى والعلاقات والمواقف، ويمكن بيان موقف دول منظمة الاتحاد الأوروبي من خلال الآتي:

أولا: الإنسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وفرض العقوبات الاقتصادية

تعد دول منظمة الاتحاد الأوروبي من أكبر المشجعين على توقيع الاتفاق النووي، وبذلت موغيريني مسؤولة السياسة الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي جهوداً استثنائية في إنجاح الاتفاق لاسيما بين الدول المتخاصمة (الولايات المتحدة، والجمهورية الإسلامية في إيران)، وقد تمسكت دول الاتحاد بالاتفاق حتى بعد الإنسحاب الأمريكي منه، والمنظمة بذلك تدرك أن خطورة البرنامج النووي الإيراني من الناحية الفنية وليس السياسية مثلما ترى الولايات المتحدة الأمريكية خطورة البرنامج النووي الإيراني على مناطق نفوذها وحلفائها في منطقة الشرق الأوسط، بل أن الجمهوريين في أمريكا يعتقدون أن خطورة إيران في منطقة الشرق الأوسط ليس فقط برنامجها النووي وإنما نفوذها المتصاعد فيه، وبذلك وضعت إدارة الرئيس دونالد ترامب صفقة جديدة تزيد من نفوذها وتحقق مصالح إضافية من الدول العربية الغنية بالنفط المناوئة لإيران.

مع ذلك، أن هناك قلق أوروبي واضح من تهديدات إيران بالانسحاب كليا من الاتفاق والعودة إلى أكثر من سابق عهدها قبل الموافقة على الاتفاق، ولا أعتقد أن من مصلحة إيران الآن الانسحاب من الاتفاق لأنها ستواجه ضغوطا أكثر مما تواجهه الآن لاسيما وأن هناك رفض أوروبي مطلق لخطوة ترامب في الانسحاب من الاتفاق، أما إذا خرجت إيران منه فأنها قد تخسر الدعم الأوروبي الذي حظيت به من أيام المفاوضات وإلى ما بعد الانسحاب الأمريكي، بأن هناك دول أوروبية خالفت الأمريكان في ما يخص الشركات الأوروبية المتعاملة مع إيران، واحتالت بعضها بطرق أخرى لتجنب الأمريكان.

ثانياً: تصنيف الحرس الثوري كمنظمه إرهابية

من أسباب تدهور العلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية هو دور الحرس الثوري الإيراني (1979) في الداخل الإيراني والخارج حيث تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحرس الثوري بعين الريبة بدءاً من أيام تأسيسه وإلى اليوم، فأغلب الحوادث التي وترت العلاقة بين الطرفين ترجعها الولايات المتحدة إلى الحرس الثوري الإيراني ومنها حادثة اقتحام السفارة الأمريكية على الرغم من أن الحرس الثوري لم يكن قد تأسس، لكن الولايات المتحدة تعتقد أن الحرس الثوري يضم المتشددين الإيرانيين وبالتالي هؤلاء هم من أقتحم السفارة، كما تنسب الولايات المتحدة أعمال أخرى من ضمنها تدريب مجموعات عسكرية لمواجهة حلفائها كحزب الله.

إن الولايات المتحدة لا تبحث عن حقانية المواجهة وحقانية الصراع، وإنما تهتم بتأمين المصالح والحلفاء، ومع سقوط الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية منذ سقوط رئيس النظام العراقي السابق وإلى أحداث اليوم ترى الولايات المتحدة أن الحرس الثوري هو أحد أبرز العناصر التي يعتمد عليها النظام الإيراني في مواجهة نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة العربية، على الرغم من أن الحرس الثوري عندما أنشئ كان يهدف إلى حماية النظام الجديد، وخلق نوع من توازن القوى مع القوات المسلحة النظامية، وأنها بحاجة إلى قوة كبيرة تكون ملتزمة بأهداف النظام الجديد والدفاع عن (قيم ومبادئ الثورة) وقد نظم عمله بقانون أيضا، ومع مرور الوقت تحول الحرس الثوري إلى قوة عسكرية، وسياسية، واقتصادية كبيرة في إيران، وهو بذلك أزعج الولايات المتحدة وحفائها في المنطقة، وبعد خطوة الانسحاب من الاتفاق النووي أتخذ ترامب خطوة أكثر خطورة وهي تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية كخطوة تفسر بأن التوتر بين أمريكا وإيران لا تنطوي على الملف النووي، وإنما الخطر هو يتمثل بأدوات إيران في المنطقة ومنها الحرس الثوري. إن موقف دول الاتحاد الأوروبي متباين من هذه المسألة لأسباب مختلفة إلا أن دول الاتحاد لم تتناغم مع قرار الولايات المتحدة بتصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية.

  أخيراً، يمكن تلخيص موقف دول الاتحاد الأوروبي من التوتر الأمريكي ــ الإيراني بملفاته وخلفياته المختلفة بأنه موقف مغاير تماما عن الموقف الأمريكي، فالأمريكان في تعاملهم مع إيران كدولة ند، في حين دول منظمة الاتحاد الأوروبي تسعى إلى تحقيق الوئام بين الطرفين وهي بذلك تتعامل مع الملف الإيراني ليس كما تعاملت دول أوروبية مع الملف العراقي أبان حكم صدام حسين، ودول الاتحاد اليوم تدرك مدى لا عقلانية قرار ترامب وسلوكياته منذ فترة حملته الانتخابية وإلى اليوم وقد مثل قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي خيبة أمل بالنسبة للدول الأوروبية الراعية للاتفاق، كما أنها رفضت بالمرة العقوبات الاقتصادية على إيران وقالت أنها ملتزمة بتعاملاتها الاقتصادية مع إيران، وربما هذا ما يجعلها في حرج وتحدي لقرارات ترامب، أما موقفها من التوتر الأخير وخطورة المواجهة العسكرية حذرت دول الاتحاد الأوروبي من خطورة أي مواجهة عسكرية من جوانب عديدة ومنها: الجانب الاقتصادي حيث تعد إيران مصدر نفطي رئيس لعدد من دول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن زيادة حالة الاضطراب التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط وتداعيات ذلك على الأمن الأوروبي.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2019 Ⓒ

 

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات