الانتخابات العراقية... أفكار وتأملات

 

د. جابر حبيب جابر

أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد 

سيكون تحليقاً عالياً في عالم الوهم والافتراض بأن البدايات تكون متكاملة لشعب لم يستنشق الحرية، فيما اكتنزت ذاكرته كماً كبيراً من الاستبداد، لذا فهو بحاجة إلى أن يُمرّن رئتيهِ على هوائها، ويروّض سلوكه على إتباعها، فتجربة الانتخابات الأخيرة التي جرت في العراق، تمريناً محدوداً واختباراً للقوى السياسية على التعايش والاحتكام إلى قواعد اللعبة السياسية، باعتبار أن الذي جرى في العراق، ونعني به الانتخابات الأخيرة، ليس انتخاباً لمن سيحكم، وإنما هو عملية تشكيل العراق المستقبلي عبر صياغة دستوره، وشكل نظام حكمه، وآلياته، وتأسيس لعراق جديد يقوم على قاعدة الانتخابات والقبول بما يفضي إليه صندوق الاقتراع، إذ أنهم بتوجههم هذا يكونوا قد أسسوا مبدأ تداول السلطة الذي يبقى بدونه الحديث عن الإصلاحات والديمقراطية عقيماً وحملاً كاذباً، إذا لم يفض إلى هذا المبدأ. فقد كانت الانتخابات بازاراً انتخابياً لشعب غادر محطة الانتخابات منذ نصف قرن، وبالتالي، فغياب أي مكون اجتماعي أساسي إنما يؤدي إلى تغيب رؤاه ومصالحه، ويخل بالتوازن لصالح القوى الأخرى ويجعل تمثيلها زائفاً كمحصلة لغياب الآخرين عن المشاركة، ليس بسبب حجمها الحقيقي لتصبح كل العملية في مثل هذه السياقات هي تكرار للأخطاء ذاتها من تهميش وإقصاء، سمات طالما حكمت وتحكمت في معادلة العراق الماضية، لأن من الأهمية بمكان أن يفهم العراقيون أن هذه التجربة الديمقراطية التي جرت أخيراً، هي ليست صراعاً بين السنة والشيعة، ولا بين المسلمين والمسيحين، أو العرب ضد الأكراد، لأن ذلك من شأنه أن يقوّض كل مسعى ينحو بالعراق نحو أفق المستقبل. هذا من جانب ومن جانب آخر، إن كثيراً من القوى التي ساهمت في العملية السياسية في العراق، تعتقد إنها شكلت منعطفاً في الوضع العراقي لأنها ستجلب حكومة شرعية مرتكزة ومنبثقة عن إرادة الشعب، بجانبها مجلس قوي يركن إلى تفويض شعبي يمتلك حق محاسبة ومراقبة الأداء الحكومي، وهذا سينعكس على المشكل الأهم عبر إسقاطه لذرائع أن الحكومة معينة، فضلاً عن أن الانتخابات ستقوي موقف الحكومة تجاه دول الإقليم، سواء التي تمتلك تعاطفاً مع الحالة العراقية ويمنعها من الذهاب بعيداً في التفاعل على ما يشاع عن فقدانها الشرعية، أو تلك الأخرى التي تستثمر هذا النقص لكي تفرض خطابها الوصائي على العراق.

وقد أثبت الشعب العراقي باختياره هذا، إنه لا عودة عن الديمقراطية، وإنه لن يظل بعد اليوم رقماً مغيّباً، وإن هذه القوى ستُقدم أمامه للمحاسبة ثانية بعد تسعة أشهر، لذا فإن عليها أن تجتهد لتكون بمستوى إرادته وتضحياته وأن تنجز له الكثير على صعيد أمنه المفقود، إذ إن العراقيين ذهبوا لبناء وتأسيس وطن ثانيةً، وطن لا مكان فيه للظلم والاستبداد، خرجوا وأرواحهم على أكفهم ومعهم أحبتهم غير مبالين بالضحايا التي قد يقدمونها، لاسيّما إنهم في بلد يدفع فواتير الدم منذ ثلاثة عقود على مذبح الديكتاتورية.. فلا عجب أن يدفعوا هذه الفواتير من أجل الديمقراطية.

إن العراق ما بعد الثلاثين من كانون الثاني لن يكون عراق ما قبله فيما يتعلق بالملف الأخطر الذي هو مفتاح كل موصَد في العراق ونعني به الأمن المفقود، لأن انعدامه عطلّ كل أماني العراقيين وفرص ارتقائهم، إذ لابد وأن هناك متغيرات وادراكات وقراءات جديدة ستتحقق.

لقد دلّت الانتخابات بأن العراقيين عندما شاركوا فيها، فإنهم كانوا يتطلعون إلى المحافظة على بلدهم المبتلى كدولة واحدة، وإنهم صوتوا من أجل حكومة قادرة على التصرف، وهذا هو الأهم لديهم، إذ إنهم طوروا نوعاً من الإحساس بالأولويات وعلى مستوى الشارع العراقي فإن الذي سيوفر لهم الأمن والخبز النظيف هو الأجدر بإدارة العراق، وعلى رغم ما يبدو في المشهد العراقي من استقطاب طائفي وعرقي ـ  إلاّ إني أعتبر ذلك مرحلة طبيعية لابد من المرور عبرها، حتى تشعر الطوائف والقوميات التي كانت تشكو فقدان العدل ودونية المواطنة بتحقيق ذاتها، بل إن مسألة ركونها إلى هذه الأطر التقليدية، إنما يعود إلى سحق النظام السابق لأيّ تنظيمات سياسية ومدنية.. وشاهد القول، إنه حتى وإن أخذ الموقف السياسي الطابع الكتلي، إلاّ إن من الوهم بمكان التصور إن الشيعة والسنة سيتصرفون بشكل كتلي مستقبلاً، لأن هكذا مواقف ربما تصح في المجتمعات البدائية، فيما يتصرف الأفراد في المجتمعات الحديثة وفق دوافع أخرى، فضلاً عن إنهم يتوزعون على طبقات وطيف واسع من الاتجاهات تبدأ من الإسلاميين وتمر بالعلمانيين وتصل إلى اليساريين. لذا فإن التصور بأن أي طائفة ستظل متماسكة في مواقفها، إنما يكوّن التصورات التي لا تأخذ في الحسبان تعقيدات المجتمعات ودوافعها المصلحية، لأن لا أحد يستطيع أن يقدم برامج فئوية، ولأنه ليست هناك خطة تنمية شيعية ولا برامج صحية سنية، لذا فإن التوزيع سيكون وفقاً للبرامج والسياسات التي يفترض أن تمتد أفقياً، لكي تخترق الطوائف والعرقيات، والدليل على ذلك، إن الدكتور أياد علاوي رغم خطابه العلماني فإنه استطاع أن يأكل من القاعدة الشيعية ويحصل على أربعين مقعداً، وهذا يبرهن على أن منتخبيه استجابوا لمصالحهم وغلّبوها على نداء مرجعياتهم، لذا فإن من اليقين بمكان من المرحلة الراهنة والتي تلت الانتخابات، أن تمد جسور الثقة وتردم الخنادق وتشيع التطمينات المتبادلة وصولاً إلى تنمية إجماع وطني جديد، يمنح الشرعية للحكومة والبيئة الاجتماعية، إجماعاً يكون في وسعه إيجاد القاسم المشترك بين الأهداف والتطلعات المختلفة لشتّى العناصر العرقية والدينية في المجتمع، وبذلك نكون قد بدأنا مرحلة الاتجاه الصحيح، وليس المعاكس نحو هوية عراقية جامعة، وإن من واجب الحكومة والمعارضة معاً العمل على تجنب الأخطاء التي ارتكبت في السنتين الماضيتين، من أجل بناء بلد جدير بشجاعة شعبهِ.

إن العراق أمام تجربة جديدة في الحياة السياسية نأمل لها أن تتكرر لتفعيل إيجابياتها وتحاشي سلبياتها، فإذا كان الإغريق قد مارسوا الديمقراطية منذ خمسمائة عام قبل الميلاد، فإن العراقيين قد دخلوا الألفية الثالثة ولم يعرفوها. فعلينا أن نتقبل هذه التجربة الرائدة بكل حيثياتها، ويبقى تسويق هذه التجربة بكل معطياتها من شأنه إذا نجح، فسيشكل عامل جذب وتبنٍ واحتذاء من قبل شعوب المنطقة، والعراق هنا يملك وقد تهيأت له كل سبل النجاح لتحقيق الديمقراطية مع قدر عال من الرفاه، لولا الهجمة الشرسة التي واجهته، إذ إنه ولأول مرة تستثمر الولايات المتحدة في بلد بعد خطة مارشال أموالاً من أجل التغيير، فضلاً عن البنية التحتية التي يمتلكها العراق من موارد طبيعية تسهل له الانبعاث بجانب ديناميكية وحيوية الشعب العراقي، مع تمتعه تاريخياً وكبلد متطور بقدر من المسؤولية والتعددية السياسية، والأهم منع  توارث الطغيان الذي حتى وأن لم يتفق العراقيون على ما يريدون للمستقبل إلاّ أن هناك إجماعاً على إنه يجب أن لا يكون تكراراً للماضي. فالتجربة تمتلك كل فرص النجاح، إلاّ إنه نجاحاً يتحمل الأعباء، وهذا ما تخشاه بعض دول المنطقة من النموذج الديمقراطي الموعود في العراق، لصعوبة قدرتها على وضع الأغطية بينه وبين شعوبها، لذلك فهي تعمل على جعله عالي الكلفة على من يفكر في تبنيه، وفي ذات الوقت لابد للارتباط السرمدي بين أرض العراق والمآسي المتلاحقة من أن ينفكّ، ومن هنا يأتي التطلع إلى الأفق الديمقراطي المحتوم.

 

الصفحة الرئيسية | نشاطات المركز | مقالات | عن المركز | بحوث مستقبلية | إصدارات المركز | الهيئة الإستشارية | منار المستقبل | إتصل بنا

أفضل مشاهدة 600 × 800 مع اكسبلورر 5

 جميع الحقوق محفوظة لمركز المستقبل للدراسات والبحوث / 1426هـ / 2005م

info@mcsr.net