الصين وإعادة تشكيل النظام الدولي في ظل أزمة غرب آسيا

الصين وإعادة تشكيل النظام الدولي في ظل أزمة غرب آسيا
جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة خلال المدة 23– 25 أيلول/ سبتمبر 2026 في لحظة بالغة الحساسية في النظام الدولي، إذ تزامنت مع انعقاد الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة..

ومع استمرار الحرب في غرب آسيا وتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وقد اكتسبت الزيارة أهمية خاصة لكونها أول زيارة دولية لشي إلى الولايات المتحدة منذ عام 2015، ولأنها جاءت بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في أيار/ مايو 2026، وفي ظل محاولة البلدين المحافظة على ما وصفته القيادة الصينية بـ«العلاقة البناءة ذات الاستقرار الاستراتيجي». وفي المقابل، مثّل نائب الرئيس الصيني هان تشنغ بلاده في أعمال الجمعية العامة، حيث عرض الموقف الصيني من قضايا النظام الدولي والتنمية والتعددية.

ولذلك فإن الهدف الأساسي من زيارة شي لم يكن معالجة قضية ثنائية واحدة، وإنما إدارة مجموعة متشابكة من الملفات التي تحدد طبيعة العلاقة بين أكبر قوتين اقتصاديتين وسياسيتين في العالم، فقد ركزت المباحثات الأمريكية- الصينية على الاستقرار الاستراتيجي، والتجارة والرسوم الجمركية، والموارد والمعادن الحيوية، والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن عدد من الأزمات الدولية، وفي مقدمتها الحرب في إيران وأوكرانيا.

وأكد شي أن العلاقات بين البلدين ينبغي أن تتحول من إدارة الأزمات المؤقتة إلى بناء إطار أكثر استقراراً، يقوم على أن يكون التعاون هو الاتجاه العام، مع إبقاء المنافسة ضمن حدود يمكن إدارتها وتسوية الخلافات عبر الحوار.

وتكشف هذه الرؤية عن التحول الذي طرأ على موقع الصين في النظام الدولي؛ فبكين لم تعد تتعامل مع نفسها باعتبارها قوة اقتصادية صاعدة تسعى إلى الاندماج في نظام تقوده الولايات المتحدة فحسب، وإنما باتت تطرح رؤيتها الخاصة لطبيعة النظام الدولي وقواعده، ويظهر ذلك في خطاب القيادة الصينية داخل الأمم المتحدة، الذي ركز على التعددية، واحترام سيادة الدول، وتعزيز دور الأمم المتحدة، ورفض عقلية الحرب الباردة، وربط الأمن الدولي بالتنمية، ومن ثم فإن الصين تسعى إلى توسيع المجال الذي تتحرك فيه دبلوماسياً، ولا سيما في دول الجنوب العالمي، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن صعودها لا يستلزم بالضرورة مواجهة عسكرية أو قطيعة مع الولايات المتحدة.

وتبدو منطقة غرب آسيا في صلب هذا التحول، فالحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران جعلت المنطقة اختباراً عملياً للدور الصيني الجديد، خصوصاً أن الصين ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية مهمة مع إيران ودول الخليج في آن واحد، وخلال اجتماعه مع ترامب، دعا شي الولايات المتحدة وإيران إلى العودة إلى مسار الحوار والمفاوضات، مؤكداً موقف الصين القائم على احترام سيادة الدول وأمنها، وعلى معالجة الخلافات بالوسائل السياسية.

كما أشار إلى دعم بكين عودة الطرفين إلى مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد، وصولاً إلى اتفاق شامل بشأن الملف النووي والقضايا الأخرى ولا يمكن فصل هذا الموقف عن التصور الصيني الأوسع لدور الولايات المتحدة في غرب آسيا، فبكين لا تستخدم في خطابها الرسمي تعبير «التغول الأمريكي» باعتباره مصطلحاً رسمياً، لكنها تنتقد بصورة متكررة الأحادية، واستخدام القوة، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتدعو إلى حل النزاعات عبر الحوار والتسويات السياسية.

وفي الحالة الإيرانية تحديداً، تبدو الصين حريصة على عدم تحويل علاقتها مع طهران إلى تحالف عسكري مباشر، وفي الوقت نفسه لا ترغب في أن يؤدي الضغط الأمريكي إلى إضعاف موقعها الاقتصادي والاستراتيجي في المنطقة، ولهذا اتسم الموقف الصيني خلال الأزمة الإيرانية بمحاولة الجمع بين الدعوة إلى التفاوض والحفاظ على علاقاتها مع إيران، مع استمرار علاقاتها الواسعة مع دول الخليج، وتشير تحليلات مراكز بحثية أمريكية إلى أن ملف إيران كان أحد الموضوعات التي أراد ترامب الحصول بشأنها على تعاون صيني أكبر خلال القمة.

وتكتسب إيران أهمية إضافية في الاستراتيجية الصينية بسبب موقعها الجغرافي وصلتها بممرات الطاقة والتجارة في غرب آسيا، فضلاً عن علاقاتها مع مبادرة الحزام والطريق وشراكتها مع الصين، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في منطقة الخليج ومضيق هرمز لا يمثل مشكلة إيرانية أو أمريكية فقط، بل يمس المصالح الاقتصادية الصينية وأمن الطاقة والتجارة الدولية.

ومن هذه الزاوية يمكن تفسير اهتمام شي خلال زيارته بضرورة إنهاء الحرب والعودة إلى المفاوضات؛ فالموقف الصيني لا يقوم فقط على الاعتبارات السياسية، وإنما يرتبط أيضاً بحسابات الاستقرار الاقتصادي والأمني الإقليمي والدولي، وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن الحرب الإيرانية أصبحت عاملاً مهماً في الحسابات الصينية- الأمريكية، وأن واشنطن حاولت الحصول من بكين على دور أكبر في الضغط على طهران.

وفي المحصلة، يمكن قراءة زيارة شي جين بينغ الأخيرة إلى الولايات المتحدة باعتبارها جزءاً من مرحلة جديدة في تطور الدور الصيني العالمي؛ فالصين لا تسعى إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تعمل على توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي، وبناء علاقات أوسع مع دول آسيا والشرق الأوسط والجنوب العالمي، والدفع باتجاه نظام دولي متعدد المراكز، وقد أظهرت أزمة إيران أن التنافس بين واشنطن وبكين لم يعد محصوراً في التجارة والتكنولوجيا وتايوان، بل امتد إلى مناطق الأزمات الكبرى وإلى سؤال من يمتلك القدرة على التأثير في تسوياتها.

ومن هنا فإن أهمية زيارة شي لا تكمن فقط في نتائجها المباشرة، وإنما في كونها عكست واقعاً دولياً تتزايد فيه قدرة الصين على الحضور في القضايا العالمية، مع استمرارها في استخدام الحوار والدبلوماسية والتعاون الاقتصادي أدوات رئيسية لإدارة صعودها الدولي.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

أ. د. اسعد كاظم شبيب

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!