قضايا محلية

توظيف السلاح لأجل المصالح الحزبية في العراق

     صرح قبل أيام قليلة احد ابرز زعماء المجموعات المسلحة في العراق، ومن المشاركين بقوة في مفاصل السلطتين التشريعية والتنفيذية في العراق من أنهم خلال حقب محددة استخدموا المجموعات المسلحة التي تنتمي لهم والمسجلة ضمن هيئة الحشد الشعبي في الجانب السياسي، مبررا ذلك لدواعي تحقيق التوازن السياسي بمعنى في حالة ذهاب السلطة الى خصومهم يلجؤون لخيار العنف والسلاح، ومن المعلوم ان في ادوات المعارضة التي من المفترض ان تكون عبر الاليات الديمقراطية لا يستخدم السلاح والقوة العسكرية لفرض الأجندات في حين تدعو ذات الجهة المسلحة التي تتصدى للسلطة في هذه المرحلة إلى فصل الوظيفة العسكرية للفصائل المنضوية تحت هيئة الحشد الشعبي عن الجانب السياسي لماذا؟ لأنها هي من تحكم، واعلى سلطة تنفيذية في البلاد المتمثلة برئيس مجلس الوزراء منها مع ان دعوة الفصل هذه كانت مطلبا لقوى سياسية اخرى، لكن ذات القوى التي تطرح الفصل الان استهدفت وسقطت من طالب بحصر مهام قوى الحشد بالجانب العسكري.

وعند تحليل هذا الخطاب يؤكد لنا مرة أخرى على ان أغلب القوى السياسية في العراق لاسيما المسلحة منها لديها خللاً كبيراً في فهمها للديمقراطية فضلاً عن انها تعمل بسلوك يتنافى ومبادئ الديمقراطية والقوانين النافذة كالدستور، وقانون الاحزاب والقوى السياسية في العراق رقم (35) لسنة 2015، الذي جرم الجمع بين الوظيفة العسكرية والوظيفة السياسية او استخدام السلاح من اجل الحصول على السلطة، وقال بضرورة من يتصدى للجانب السياسي ان يستقيل من أي وظيفة امنية أو عسكرية انطلاقا من فلسفة النص الدستوري الذي جرم تكوين المجموعات المسلحة خارج القوات المسلحة الرسمية وكذلك ممارسة وظيفة السلطات الأخرى.

ويبدو ان مثل هكذا خطابات تعطي انطباعاً واضحاً من ان القوى السياسية في العراق تستخدم الاليات غير الديمقراطية في فرض اجنداتها التي تقوم على شكليات الحياة السياسية الديمقراطية وإنها أي القوى السياسية لا تؤمن بالديمقراطية بقدر اهتمامها بمصالحها الحزبية الضيقة وبعد مرور اكثر من عشرين عاماً يتكرر الخطاب القائم على مفردات العنف ولغة الاكراه في إيصال رسائل الى الخصوم او اجبارهم على الخضوع الى سياسة الامر الواقع، وكان الاجدر بتلك القوى بدلا من الاعتذار على إشاعة ثقافة العسكرة والسلاح في أي مرحلة استخدم فيها السلاح او التهديد به وانها تؤكد على انها بمثابة سلوك سياسي ترغم الاخرون على اخذه في الحسبان في أي منافسة سياسية.

من جانب ثاني تأتي خطورة الموضوع الداخلي العراقي على مستوى السلاح خارج سيطرة الدولة من خلال الافادة التي أدلت بها مبعوثة الأمم المتحدة إلى العراق بلاسخارت التي أطلق عليها بمثابة ناقوس الخطر بشأن مستقبل البلاد في ظل تمدد نفوذ الجماعات المسلحة داخل الحكومة العراقية وفقا لمراقبين، وكانت إحاطة بلاسخارت لمجلس الأمن الدولي قالت فيها "إن البلاد على حافة الخطر"، مشيرة إلى أن "الشرق الأوسط يمر بمنعطف حرج، وينطبق الأمر نفسه على العراق". وجاءت تصريحات بلاسخارت التي أعلنت أنها ستغادر منصبها بعد عملها لمدة خمس سنوات في بغداد كممثلة خاصة للأمم المتحدة في ايار المقبل، مع تصاعد الصراع بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة وتصاعد الهجمات التي تشنها الجماعات المتحالفة مع إيران والتي تعرف باسم "محور المقاومة" على أهداف إسرائيلية وأمريكية من لبنان واليمن والعراق وسوريا.

وعليه، نستطيع القول ان لهذا الموضوع عدة تداعيات: أولاً/ انه يأتي في ظل توترات متصاعدة تشهدها المنطقة ويتأثر العراق بها بصورة مباشرة. ثانياً/ يأتي بعد ان شهد العراق عدد من الهجمات الامريكية التي طالت قيادات في فصائل منضوية تحت هيئة الحشد الشعبي وبذلك يدلل لنا ان هذا الموضوع في غاية الخطورة والتعقيد ويترك جملة من التداعيات على المشهد الاجتماعي والأمني العراقي وعلى مجمل المشهد السياسي، يرافق ذلك تباين في المواقف ما بين الجانب السياسي من جهة والجانب العسكري من جهة أخرى مثلما اشرنا في مقدمة المقال.

ومما تقدم نستنتج على ان القوى السياسية تستخدم عده أدوات في تحقيق أهدافها الحزبية الضيقة ومثلما تستخدم الانتخابات كآلية فقط للوصول الى السلطة فإنها تلجأ الى طرق أخرى غير ديمقراطية مثل التهديد بالسلاح في حالة كون السلطة لا تدار من قبلها وهذا بحد ذاته يمثل تهديداً لقيم التحول الديمقراطي وللنظام الديمقراطي، ومبدأ التداول السلمي للسلطة، والايمان بأن الديمقراطية تقوم على فريق يحكم وفريق يعارض ومباركة الفريق الفائز ومحاولة تصحيح الخطأ من قبل الفريق الخاسر.

.............................................

الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها

*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2024 Ⓒ

http://mcsr.net

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات