بعد عدة اشهر من حركة الاحتجاجات الإصلاحية في العراق والتي شكلت محورا مهما عند الوسط العراقي واعتبر نقطة تحول جديدة في وضع البلد المرتج أصلا، دفعت رئيس الوزراء العراقي الى تبني خمسة محاور للاصلاح تمثلت في الإصلاح الإداري والمالي والاقتصادي والخدمات ومكافحة الفساد، التي صوت عليها مجلس الوزراء العراقي بالإجماع في جلسته الاستثنائية بتاريخ 9/8/ 2015، استجابة لمطالب المتظاهرين العراقيين وتلبية لدعوة المرجعية الدينية.    ولم يكن أمام مجلس النواب إلا أن يصادق بأغلبية أصوات النواب الذين حضروا الجلسة الخاصة بالتصويت على ورقة الإصلاح الحكومي، مضيفا إليها ورقة إصلاحات برلمانية، تعهد مجلس النواب بموجبها الإسراع بسن عدد من التشريعات وممارسة دوره الرقابي على المؤسسات التنفيذية.    وفي الأيام القليلة التالية، أعلن رئيس مجلس الوزراء السيد العبادي، عددا آخر من حزم الإصلاح، وهي مجموعة من القرارات والإجراءات التي تترجم حزمة الإصلاح الأولى. كما دعا السلطة القضائية إلى القيام بسلسلة إجراءات جذرية لتأكيد هيبة القضاء واستقلاله وتمكينه من محاربة الفساد وتكريس مبدأ العدالة بين المواطنين.    والآن، وبعد مضي نحو ثلاثة أشهر ونيف، هل حقق العبادي ما وعد به؟، ماذا أنجز وماذا لم ينجز؟، ما هي المعوقات والعقبات التي تحول دون المضي بما تعهد به؟، وهل الشعب العراقي والمرجعية الدينية راضيان عنه؟، وما هو مصير حكومة العبادي، فيما لو فشلت في إصلاحاتها، ماذا لو لم يقتنع الشعب بتلك الإصلاحات؟.   مبدئيا، جميع العراقيين يتفقون على أهمية الإصلاحات التي طرحها السيد رئيس مجلس الوزراء، فالذين أيدوها دعموه بقوة، والذين تضرروا منها كظموا الغيظ ولم ينبسوا ببنت شفة، ولكن هناك جدل كبير يدور حول مدى ملائمة آليات ووسائل تحقيق تلك الإصلاحات أولا، وفي قدرة العبادي على انجاز وعوده في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة. أولا: هناك من يرى أن برامج وإصلاحات السيد العبادي لا تختلف كثيرا عن برامج وإصلاحات الحكومات التي سبقته؛ فجميع البرامج الحكومية هي برامج نظرية وغير واقعية ولم تجد لها طريقا للتنفيذ، وهي تخلو من أي خطة تنفيذية لما تضمنته من أهداف إصلاحية وتنموية. فضلا عن أن البرنامج الحكومي للعبادي نفسه ظل حبرا على ورقة حتى طالب المتظاهرون بتنفيذه، فحوله إلى ورقة إصلاح، بنودها غير قابلة للتنفيذ هي الاخرى. ثم إن الإجراءات والقرارات التي اتخذها العبادي لوحده، ومن دون استشارة أي من شركائه في العملية السياسية والتي عرف بها واستمع إليها رئيس الجمهورية ونوابه ونواب رئيس الوزراء وبقية المسؤولين مثل أي مواطن، هي إخلال بمبدأ المشاركة والتوافق الذي هو الأساس الذي قامت عليه حكومة العبادي.    كما أن السرعة في إصدارها من غير اطلاع أو استشارة الخبراء القانونيين ومدى قانونيتها وموافقتها للدستور يثير الشكوك والمخاوف الكثيرة من وصول العراق إلى مرحلة تجاوز الدستور والقوانين ومبدأ الشراكة والقيادة والمسؤولية الجماعية في إدارة الدولة إلى حكم وتسلط حاكم واحد على مقاليد الحكم. بالخصوص أن السيد العبادي تحدث صراحة أنه يريد (تفويضاً من الشعب من أجل تغيير الدستور لغرض تنفيذ الإصلاحات).    حيث يبدو الأمر ليس إصلاحا وإنما هو أشبه بالانقلاب غير المعلن حتى على ائتلافه وكتلته من وجهة النظر الأخرى التي تنظر للأمور بمنطق القانون والدستور والتعقل البعيد عن لغة وشعارات الشارع التي سرعان ما ستهدأ بعد أيام لتجد أن الحال هو الحال؛ وان الإصلاح الذي كانوا يطلبونه لم يكن له إلا ضحايا ومزايا فورية لبعض الأشخاص والجماعات، كأنما رجع المتظاهرون بخفي حنين!. بينما يرى أنصار السيد العبادي، أن سر نجاح إصلاحات العبادي هو برجوعه إلى دعامتين أساسيتين، هما المتظاهرون والمرجعية الدينية، وأنه لو لجأ إلى اخذ موافقة شركائه في العملية السياسية فانه لن يتمكن من أن يخطو خطوة واحدة تجاه الإصلاح؛ فالمعروف عند الجميع أن الكتل والمحاصصة أو (المشاركة السياسية) هي السبب الحقيقي وراء هذا الكم الهائل من الفساد والمفسدين، ولا شك أن إصلاحات العبادي ستطول أول ما تطول هؤلاء الشركاء، سواء كانوا كتلا أو رموزا، فالفساد والخراب والدمار الذي حل بالعراق كان بهم وبسببهم، وعليه فهل يعقل أن يأخذ العبادي رأي الفاسدين في إصلاح فسادهم!. ثانيا: هناك من يشكك بقدرة العبادي على تنفذ ما وعد به؛ لان الوضع السياسي والاقتصادي والأمني شائك إلى حد بعيد، وأن هناك من يعمل ليلا ونهارا على عرقلة تلك الإصلاحات وحرفها عن مسارها بكل ما أوتي من سلطة ومال وعلاقات؛ وهو ما يصرح به العبادي بين وقت وآخر، حيث تمارس الكتل السياسية ضغوطا عليه كلما وضع إصبعه على الجرح. ويُتهم السيد المالكي وكتلته دولة القانون بأنها تعمل على عرقلة إصلاحات العبادي وأنها تستغل الفرصة كلما حانت للتقليل من شأن تلك الإصلاحات، وآخرها تصريحات السيد المالكي بأنه مازال نائبا لرئيس الجمهورية ويمارس مهامه المعتادة. كما هاجم السيد علاوي النائب الآخر لرئيس الجمهورية إصلاحات العبادي بقوله إن "حزم العبادي الإصلاحية لم تستطع ملامسة جذور المشاكل التي زعمت معالجتها سواء في مجال تحسين الخدمات أو الإطاحة برؤوس الفساد الكبيرة او مغادرة التخندقات الحزبية والفئوية"، وأضاف أن "تلك الحزم اعتمدت حلولا ترقيعية وتقشفية وأقدمت على التضحية ببعض الموظفين الصغار ككبش فداء لذر الرماد في عيون المواطنين، والإيهام بتغييرات زائفة". ودليل هؤلاء المنتقدين و"الغاضبين" أن الكثير من القرارات والإجراءات التي اتخذها العبادي لم تنفذ على أرض الواقع، أو أنها نُفذت ولكن بطريق ملتوية؛ فعلى سبيل المثال مازال نواب رئيس الجمهورية يتقاضون رواتبهم، ومازال الأمين العام لمجلس الوزراء ونوابه المقالين، والوزراء والوكلاء والمدراء العامين وضباط الجيش والشرطة الذين أعلن العبادي عن إقالتهم، يتقاضون رواتبهم كما لو كانوا في السلطة. وأن بعض الوزراء في الوزارات المرشقة لا زالوا يعملون ولم يتركوا مناصبهم، وأن هناك جيش من الموظفين من تلك الوزارات يتقاضون رواتبهم ولم تترتب أوضاعهم القانونية كما ينبغي، فإذا كان هؤلاء الموظفون يؤدون عملا ما لقاء رواتبهم قبل قرار الدمج أو إلغاء فأنهم اليوم عاطلون عن العمل تماما.    فضلا عن ذلك أن كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب لم ينفذا مرسوم العبادي بتخفيض رواتب موظفي مجلسي الرئاسة والنواب، كما أن الكثير من أسماء الفاسدين الذين أعلن عنهم كجزء من حملة مكافحة الفساد هم ممن حكم عليهم في عهد السيد المالكي وليس في عهد السيد العبادي!.    في الطرف الثاني، ورغم أن الإصلاحات الحكومية تحظى بدعم وتأييد الشعب والمرجعية الدينية، إلا أنهما مازالا غير راضيين بالتمام والكمال عن ما نفذه العبادي من تلك الإصلاحات، كونها ليست إصلاحات جوهرية وأساسية يمكن أن يتحسسها المواطنون ويرونها بأعينهم، كما يتحسسون ويرون هذا الفساد والدمار المنتشر في كل مكان، وفي كل محافظة.    هناك مخاوف حقيقية في عدم استمرار الإصلاح أو استمراره معاقا؛ على شاكلة الإصلاحات الترقيعية، إما بسبب التباطؤ الحاصل في انجاز تلك الإصلاحات بالخصوص المرافق العامة (الخدمات) التي يجب إصلاحها حالا، لأنها تمثل المطالب الشعبية التي ينبغي تحقيقها فورا. وإما بسبب عدم تحديد سقف زمني لكل إصلاح، وعدم بيان المخرجات التي تترتب على تلك الإصلاحات، والتي تذهب فوائدها إلى المواطنين مباشرة. وإما بسبب تزايد قلق الموظفين والبالغ عددهم قرابة 4 ملايين موظف من التعرض إلى حقوقهم. والخوف من تآمر بعض المصلحين الجدد الذين يعتمد عليهم العبادي، أو عدم كفاءتهم في تحقق الإصلاحات مما يطيح بالعملية الإصلاحية برمتها.    وفي كل الأحوال، الوقت لا يحسب لصالح السيد العبادي ولا لصالح حكومته بتاتا، فكلما تقدم الوقت كشر معارضوه عن أنيابهم وعلت أصواتهم، وازداد أنصارهم. وكلما تقدم الوقت أيضا نفذ صبر مؤيديه، وقل حماسهم، وربما أنقلب شركاؤه عليه، في لحظة يعتقدون فيها أن العبادي لم يعد رهانا ناجحا لهم. فالسياسة هي المصالح، والمصالح تتغير من حين لآخر. وبالتالي، فان السيد العبادي وحده دون غيره في موقف لا يحسد عليه ولا يتمنى عاقل أن يكون محله، هو أرتضى لنفسه أن يكون رئيسا لوزراء العراق وعاهد شعبه أن يمضي قدما في إصلاحاته. فإذا تمكن بقدرة قادر أن يقنع الشارع العراقي والمرجعية وشركاءه في أنه سينجز أو أنجز ما وعده به من إصلاحات فلا شك أن العبادي ومن عمل معه وناصره سيحظون بالتأييد والنصرة، وسيُصفق له الجميع حتى معارضوه ومبغضوه، وسيكون حتما له النصيب الأكبر في الانتخابات القادمة، فكلما لمس الناس تلك الإصلاحات وتحسسوها كما وقفوا إلى جانبه وآزروه. أما إذا لم يتمكن العبادي من انجاز إصلاحاته وتأخرت أكثر من وقتها المحدد، أو لم يستطع أن يقنع الشارع والمرجعية بما قدم، فان الأمور تبدو أكثر تعقيدا وضبابية والمستقبل يسير إلى المجهول.. ولا نعرف هل نعود إلى سلطة مستبدة تحقق جزء من الأمن وجزء من الخدمة، أم إلى فوضى يأكل القوي منا الضعيف.. والخاسر هم المستضعفين.    من جانبنا نعتقد أن العبادي لن يتمكن من انجاز كل ما وعد به؛ لا لأنه لا يريد ولكنه لا يستطيع، وهو سيصر على الدفاع عن بعض انجازات حكومته وسيوجه اصابع الاتهامات إلى معارضيه، ويحملهم مسؤولية إخفاقها، مع ذلك لن تصل الأمور إلى إسقاط حكومته؛ لان الكتل السياسية برؤسائها ورموزها تريد المحافظة على وضعها القائم بأقل الخسائر، وهو يريد الاستمرار في إدارة البلد بأقل الرضا. وهذا يتحقق مع سياسية جر الحبل، التي سيبدأ فصلها الأول مع بداية السنة القادمة، وفلسفتها لا إصلاح شامل ولا فوضى عارمة، فلا الإصلاح الشامل لأنه لا يخدم الكتل ورموزها، ولا الفوضى العارمة لأنهم أول ضحاياها، أما الشعب، فهو إما أن يلزم الصمت، وإما أن يتظاهر في تموز القادم وينهي تظاهرته في كانون الأول من كل سنة، وسيرجع البلد ليبحث من جديد عن (غاندي)عراقي ليسد به الرمق من الامل.   مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية http://mcsr.net الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات