باعتبارها قوى ومتغيرات خارج السيطرة المباشرة للدولة، خاصة بعد التدخل الامريكي المباشر في منصب رئيس مجلس الوزراء العراقي، واخرها الاستهداف الامريكي السعودي لمقار الحشد الشعبي.
وتتزايد تعقيدات هذا الملف ليس بسبب وجود سلاح خارج اطار الدولة؛ بل البحث عن اجابة سؤال: من يملك القوة والنفوذ والسلاح في العراق؟.
وصعوبة الاجابة تتمثل بطبيعة العلاقة المركبة والمتداخلة بين الفصائل المسلحة ومؤسسات الدولة، فجزء من هذه الفصائل يعمل داخل النظام السياسي وتمتلك مقاعد نيابية ومواقع تنفيذية، وهي منضوية رسمياً ضمن هيئة الحشد الشعبي، مع احتفاظها في الوقت ذاته بعلاقات تنظيمية وعقائدية ولوجستية مع ايران، ولذلك فإن معالجة قضية السلاح لا يمكن اختزالها في عملية تسليم او مصادرة سلاح هذه القوى للدولة لانه سيعني نقل هذه الاسلحة من اليد اليمنى الى اليد اليسرى، لان امتلاك السلاح يرتبط في الحالة العراقية بشبكة واسعة تشمل امتلاكها معسكرات ومقار متموضعة في مناطق جغرافية جيوسياسية مهمة لديها فيها مخازن ومستودعات، وتسيطر على طرق الإمداد، كما تمتلك قدرات استخبارية، وحركة تمويل مستمرة.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لمشروع حصر السلاح بيد الدولة لا يتمثل فقط في معرفة ما اذا كانت الفصائل ستسلم كامل سلاحها او جزءاً منه، وانما في معرفة ما اذا كانت الدولة ستتمكن من إعادة احتكار القوة الشرعية، وإخضاع السلاح والجغرافيا ذات الاستخدام العسكري لسلطتها، ومنع إعادة بناء شبكات القدرات المسلحة خارج منظومتها.
وفي ضوء ذلك سنناقش المعطيات الاتية:
أولاً: المسارات الراهنة لنزع سلاح الفصائل:
تواجه مسارات توجه الحكومة العراقية لنزع سلاح الفصائل عدة سياقات راهنة تحد من قدرتها على تنفيذ هذا الاجراء او تؤجله، اهمها القدرات العالية التسليحية التي تمتلكها هذه القوى، فصلاً عن سيطرتها على شبكة متداخلة من المواقع الرئيسة والمساحات الجغرافية التي تؤدي وظائف مختلفة جعلت منها قوة موازية للدولة، هذا الانتشار الجغرافي يتضمن مجموعة من المناطق ذات القيمة الاستراتيجية العالية، يأتي في مقدمتها جرف الصخر بوصفها عقدة جغرافية تربط وسط العراق بجنوبه وغربه، فضلاً عن طبيعتها العسكرية، والزراعية وبحيرات ذات ثروات سمكية مهمة، وموقعها القريب من طرق رئيسة، كما تبرز بادية السماوة باعتبارها مساحة حدودية واسعة يمكن أن توفر عمقاً للحركة والتخزين والانتشار، الى جانب غرب الأنبار القريب من المثلث الحدودي مع سوريا والأردن، والذي اكتسب أهمية إضافية بسبب موقعه في خطوط اتصال الحركة الإقليمية.
وفي الشمال الذي تتموضع فيه هذه الفصائل يمثل سهل نينوى مجالاً تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الداخلي مع الحدود السورية والتركية وإقليم كردستان، بينما تكتسب مناطق شرق ديالى والمنذرية أهمية بسبب اتصالها بالحدود الإيرانية وشبكات النقل باتجاه وسط العراق وشماله، وفي شرق البصرة والشلامجة يرتبط وجود هذه القوى ارتباطاً بالحدود الإيرانية وبالعمق الاقتصادي والنفطي للعراق وبشبكات الحركة بين العراق وإيران.
الوجود والسيطرة العسكرية والانتشار في هذه المناطق جميعها تكشف عن طبيعة الجغرافيا التي تجعل معالجة ملف نزع السلاح منها أكثر تعقيداً، فبدون اخراجها من هذه المعسكرات وسيطرة الدولة عليها، لا قيمة للحديث عن تسليم السلاح، كما ان وجودها وسيطرتها على هذه المواقع الحيوية يجعل من موضوعة انسحابها وتسليم سلاحها امر غير وارد اطلاقاً، خاصة اذا تحدثنا عن سياقات هادئة وتفاهمات سياسية حول ذلك، وهذا ما اشار اليه رئيس الوزراء مؤخراً بأن لا تصادم بين الدولة والفصائل.
وحتى مع تسليم جزء من السلاح فهذا لا يعني بالضرورة انتهاء قدرتها على إعادة إنتاج القوة اذا بقيت البنية الجغرافية التي تستند اليها القدرات العسكرية للفصائل قائمة في هذه المناطق الحيوية، ناهيك عن فرضية الارتباط العقائدي واللوجستي بايران التي تعد هذه الفصائل احد اهم ركائز المقاومة والمواجهة في حربها الحالية مع الولايات المتحدة واسرائيل وصرحت طهران على لسان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري اسماعيل قاآني: "ان نزع سلاح فصائل المقاومة يمثل طعنة لايران".
ثانياً: التداخل المؤسسي بين الحشد الشعبي والفصائل
تمثل هذه المعضلة اقوى التحديات التي تواجه قضية نزع السلاح واكثرها تعقيداً، فالمشكلة لا تكمن في وجود مؤسسة رسمية تحمل صفة قانونية، وإنما في التداخل بين الإطار المؤسسي للحشد، وبين فصائل تمتلك هياكلها التنظيمية والسياسية والعسكرية الخاصة، ونجاح مشروع نزع السلاح يتطلب الفرز والفصل بين السلاح الموجود داخل هيئة الحشد الشعبي والذي تمتلكه الفصائل فعلياً، وعملياتياً هذا غير وارد بسبب التداخل، فهذا السلاح يبدو واحداً، ولا يخضع بصورة كاملة للسلطة السياسية والعسكرية للدولة، لهذا يمثل نزع السلاح اختباراً سياسياً أكثر منه عسكرياً للدولة التي يبدو أنها قادرة -من حيث المبدأ- على استخدام قواتها الأمنية والعسكرية لمصادرة الأسلحة غير المرخصة، الا ان تطبيقها عملياً يعد مسألة معقدة بسبب تداخل القوة العسكرية مع النظام السياسي وخارجه، فالفصائل المسلحة كما قلنا ليست كيانات منفصلة عن النظام السياسي، بل ان جزءاً منها يمتلك تمثيل نيابي ووزن حكومي وشبكات اجتماعية واقتصادية، وبالتالي فإن المواجهة معها لا تعني مواجهة قوة عسكرية فقط، وإنما تعني أزمة سياسية داخل مؤسسات الدولة.
ثالثاً: المشاهد المتوقعة لنزع السلاح
تبرز امامنا في ظل هذه السياقات الراهنة عدة مشاهد متوقعة لمشروع نزع السلاح وكالاتي:
المشهد الأول: نزع سلاح فعلي وشامل
يستند هذا المشهد على حدوث تحول جوهري في موقف الفصائل، بحيث تقبل بالتخلي عن الأسلحة والقدرات العسكرية والمواقع الجغرافية التي تتمركز فيها، والاندماج الكامل في المؤسسات السياسية والأمنية للدولة، ويتطلب تحقق هذا المشهد توافر ثلاثة شروط مترابطة:
1- وجود قرار سياسي عسكري عراقي حاسم وغير قابل للتراجع او الخضوع للضغوط الخارجية او للفواعل الداخلية.
2- قبول إقليمي، ولا سيما من إيران، بتغيير وظيفة الفصائل المسلحة وادماجها في مؤسسات الدولة الاخرى.
3- توفير ضمانات سياسية وقانونية للفصائل التي تتخلى عن قدراتها العسكرية وفق تشريع قانون برلماني او اتفاق سياسي فيه اطراف ضامنة لعدم ملاحقتها او عدم ادماجها في اطار الدولة.
وتتمثل فرضيات تأكيد هذا المشهد بأن يصبح ممكناً، اذا توصلت الولايات المتحدة وإيران الى تفاهم إقليمي أوسع، يتضمن إعادة تعريف وظيفة القوى الحليفة لإيران في العراق، بحيث يصبح الحفاظ على النفوذ السياسي أكثر أهمية من الحفاظ على السلاح، وفي هذه الحالة قد تتحول بعض الفصائل تدريجياً من تنظيمات عسكرية ذات استقلال عملياتي إلى قوى سياسية تعمل ضمن الدولة.
اما فرضيات نفي هذا الاحتمال والذي يبقيه ضعيفاً، يتمثل باستمرار البيئة الإقليمية في اعتبار العراق ساحة للصراع أو الردع المتبادل بين الاطراف المتصارعة، فالسلاح بالنسبة الى أكثر الفصائل ارتباطاً بإيران لا يمثل مجرد وسيلة مواجهة او سيطرة ونفوذ داخلي، بل يمثل جزءاً من منظومة ردع إقليمية تعتمد عليها ايران.
المشهد الثاني: نزع سلام جزئي مع اعادة الهيكلة
يمثل هذا المشهد خيار وسطاً بين بقاء الوضع الحالي وبين نزع السلاح الكامل، وهو قريب من الواقع، ويتمثل بتفكيك تدريجي جزئي لبعض القدرات التسليحية، خصوصاً الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيرة، مع الإبقاء على بنية بشرية وتنظيمية قابلة للتجدد، وقادرة على إعادة بناء القوة عند تغير الظروف.
وفق هذا السيناريو، توافق بعض الفصائل على تسليم جزء من أسلحتها، او إيقاف استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، او إخراج الأسلحة الثقيلة من المدن، مقابل الاعتراف بدورها السياسي واستمرار وجودها داخل الأطر الرسمية، وقد يجري في المقابل دمج جزء من العناصر في المؤسسات الأمنية، وإعادة توزيع قسم آخر، وتحويل بعض الفصائل الى أطر سياسية.
فرضية تأكيد هذا المشهد يتناسب مع طبيعة النظام السياسي العراقي؛ لأنه يسمح للحكومة بتحقيق تقدم ملموس من دون الذهاب مباشرة الى مواجهة شاملة، كما انه يتيح للفصائل الحفاظ على مصالحها السياسية والاجتماعية، بينما تستطيع الحكومة تقديم العملية داخلياً وخارجياً باعتبارها تقدماً في مشروع حصر السلاح.
اما فرضيات النفي، تكمن في ان إعادة الهيكلة قد تتحول الى مجرد إعادة تسمية، خصوصاً إذا بقيت القيادات ذاتها، وشبكات التمويل ذاتها، والقدرات العسكرية ذاتها، وإن تغيرت الصفة القانونية، وقد تسلم الفصائل أسلحة قديمة أو محدودة القيمة شكلياً، بينما تحتفظ بالقدرات الأكثر حساسية، مثل الطائرات المسيرة والصواريخ وشبكات الاتصالات والاستخبارات والمعسكرات وتقلص من فعالياتها مؤقتاً لحين انتهاء ولاية الرئيس ترامب، خاصة فيما لو تزامنت مع التوصل الى اتفاق امريكي ايراني حول ايقاف الحرب وفتح مضيق هرمز، وهذا يجعل المشهد الثاني اكثر قابلية للتحقق من النزع الكامل والشامل، لكنه لا يعني بالضرورة سيطرة الدولة فعلياً للسلاح، وللقوة الشرعية يشكل مطلق ومستمر.
المشهد الثالث: تمديد مهلة وتأجيل حسم نزع السلاح
يقوم هذا المشهد على استمرار التفاوض، وتعديل الجداول الزمنية، وتأجيل الإجراءات الأكثر حساسية، خصوصاً المتعلقة بالمواقع الاستراتيجية والأسلحة الثقيلة، ويمكن هذا الخيار منح جميع الأطراف مساحة للمناورة وترتيب الاوراق؛ فالحكومة تتجنب المواجهة وتستطيع طرح اليات وفعاليات لنزع السلاح واعادة التأهيل والادماج وتستفيد من الوقت لترقب حصول اتفاق امريكي ايراني دافع لتأكيد هذا الخيار، اما الفصائل فتحصل على الوقت الكافي لإعادة ترتيب أوضاعها، والولايات المتحدة تحصل على مؤشرات شكلية على وجود تقدم ومقدمات ضرورية لموافقة حصول ما تريده من نزع سلاح لهذه الفصائل، وتتجنب ايران فقدان ورقة محورية في المواجهة الحالية مع خصومها بالمحافظة على ورقة الفصائل العراقية المهمة جدا لها في سياسة الدفاع المتقدم التي تستند اليها في ردع حلفاء أعدائها.
فرضيات تأكيد هذا المشهد، تزداد اذا بقيت المفاوضات الأمريكية الإيرانية غير محسومة، واذا استمرت الحكومة في مواجهة مشكلة داخلية تتمثل في ان القوى التي يفترض ان تنفذ إجراءات نزع السلاح مرتبطة سياسياً ببعض الأطراف التي ينبغي إخضاعها.
اما فرضيات نفي هذا الخيار، يصبح التمديد غير ممكن اذا اعتبرت الولايات المتحدة ان الإجراءات العراقية لا تتجاوز إدارة الأزمة، او اذا تعرض العراق لهجمات جديدة من الأراضي العراقية ضد دول إقليمية، ما يدفع الى اعادة استهداف مباشر اميريكي او خليجي للفصائل والحشد الشعبي، خاصة مع حصول التحالف الثلاثي الجديد الذي وقع بين السعودية وتركيا وباكستان.
والارجح في هذا الاحتمال، هو تحول التمديد والتأجيل من إجراء مؤقت الى نسق دائم ومتكرر، بحيث يجري كل عدة اشهر إعلان موعد جديد، بينما يبقى الهيكل الأساسي للسلاح قائماً، ويتعرض العراق لضغوطات وتحديات مباشرة، وهذا حقيقة اخطر السيناريوهات المتوقعة من زاوية بناء الدولة، لأنه قد يحافظ على الوضع القائم تحت غطاء عملية إصلاحية مستمرة، لكنه سيعرضها للعقوبات والاستهدافات والاحراج المستمر ما يظهرها بمظهر العاجز.
المشهد الرابع: مواجهة محدودة بين الدولة والفصائل
لا يعني هذا الاحتمال بالضرورة اندلاع حرب اهلية او مواجهات واسعة، فقد تبدأ المواجهة من خلال عمليات محدودة ضد مواقع ثانوية، او اعتقال أفراد، او مصادرة مخازن، او فرض السيطرة على بعض المنشآت والمواقع، فرضيات التأكيد لهذا الاحتمال، ناشئة من فشل المفاوضات بين الطرفين، وتصبح الدولة بحاجة الى إثبات ان قراراتها ليست سياسية فقط وإنما قابلة للتنفيذ، تضطرها للمواجهة، وهنا قد تختار الدولة مواقع واهداف محددة لا تمثل اعلى مستويات المواجهة، بهدف اختبار رد فعل الفصائل وبناء تدريجي للقدرة على فرض القانون، تتمثل بمداهمات واعتقالات ومحاصرة مقار غير فاعلة او اخلاءها مسبقاً قبل المواجهة، وهذا النسق الذي قد يكون فيه نطاق المواجهة المحدودة المتفق عليها بين الطرفين بشكل غير مباشر، احد الاحتمالات الواردة.
اما فرضيات النفي لهذا الاحتمال، فالمواجهة وان كانت محدود ستبقى عالية الكلفة للطرفين لانها قد تجر لمواجهة شاملة وتمتد وتتوسع؛ كما ان الفصائل لا تملك السلاح فقط، بل تمتلك معرفة بالأرض وشبكات حركة وامتداد سياسي واسع، والدولة في وضع اقتصادي مأزوم، وكثير من ابناء القوات المسلحة العراقية لها امتدادات اجتماعية واسرية مع افراد الفصائل ضمن نطاق المكون الشيعي، ما يعقد مشهد المواجهة فعلياً بشكل كبير. مع ذلك وارد جدا، ان تنفذ الدولة عمليات محدودة، ثم تتوقف عند أول احتكاك جدي، لتعود بعدها الى التفاوض، وفي هذه الحالة تصبح العمليات الأمنية وسيلة ضغط تفاوضية وليست مشروعاً متكاملاً لنزع السلاح.
المشهد الخامس: مواجهة شاملة وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والفصائل
يمثل هذا المشهد الخيار الأكثر خطورة، ويقوم على انتقال الحكومة من العمليات المحدودة إلى محاولة السيطرة بالقوة على المراكز الرئيسية وإعادة تفكيك البنية العسكرية للفصائل.
فرضيات التأكيد، تصبح مرجحاً له، اذا توافرت حماية سياسية ودعم استخباري وعسكري واضح للدولة، مع وجود قرار إقليمي يسمح بالمواجهة، او اذا ارتكبت الفصائل أعمالاً عسكرية واسعة تجعل استمرار وضعها غير مقبول.
اما فرضيات النفي، فترتكز على ارتفاع كلفة المواجهة الداخلية، التي قد تؤدي الى تعطيل مؤسسات الدولة وإرباك الاقتصاد اكثر فاكثر، وتهديد الأمن الداخلي، وفتح المجال أمام تدخلات إقليمية تعصف بالدولة والمجتمع.
وهنا قد يحصل هذا السيناريو رغم فرضيات النفي، خاصة اذا بدأ التصعيد والاحتكاك، وقد يدفع هذا المشهد، السماح لقوة خارجية للتدخل ونزع سلاح الفصائل بشكل واسع او استمرار القصف ضد مواقعها وقياداتها بقبول الدولة او سكوتها، وهذا السيناريو صرح به رئيس الوزراء قبل مدة.
في ضوء هذه المشاهد واستناداً الى طبيعة النظام السياسي العراقي، وتداخل الفصائل مع مؤسسات الدولة، وارتباط الملف العراقي بالتوازن الأمريكي الإيراني، فإن الاحتمال الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في نزع السلاح الكامل والسريع، ولا في حرب شاملة بين الدولة والفصائل، بل من المتوقع اتباع مسار مركب من المشاهد والاحتمالات المذكورة، يجمع بين التفاوض والضغط الأمني التدريجي وإعادة الهيكلة الجزئية، مع استمرار المراوحة في القضايا الأكثر حساسية، من خلال اتخاذ إجراءات ضد المواقع الثانوية والأسلحة والمخازن التي يمكن التعامل معها بأقل قدر من المخاطر، ثم يتبعها تفاوض مع الفصائل الأكثر استعداداً للاندماج في الدولة، مقابل ضمانات سياسية وامنية .
مع عزل وتحييد الفصائل الرافضة لنزع سلاحها، سياسياً وأمنياً، بدلاً من مهاجمتها بشكل مباشر، ثم تبدأ عملية محاولة السيطرة التدريجية على بعض المواقع ذات القيمة الاستراتيجية العالية، عندما تصبح الظروف السياسية والأمنية أكثر ملاءمة. اما وضع الحشد الشعبي، فسيصبح خاضعاً بصورة أوضح لسلسلة القيادة العسكرية للدولة، وليس مجرد مظلة قانونية لمجموعات عسكرية متعددة الولاءات.
اذا المشهد الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة هو نزع سلاح جزئي وتدريجي، ترافقه تسويات سياسية وضغوط أمنية وعمليات محدودة، مع تمديد او إعادة المهل الزمنية لتسليم السلاح، ومن غير المرجح، في المدى القريب، الوصول الى نزع شامل وسريع لكل الفصائل، كما ان الحرب المفتوحة بين الدولة والفصائل تبدو أقل ترجيحاً بسبب كلفتها السياسية والأمنية.
في النهاية، اذا تمكنت الدولة من تحقيق هذه المراحل، فإن ذلك سيكون مؤشراً على تحول نوعي في ميزان القوة، اما اذا دخلت القوات الحكومية إلى موقع ما ثم انسحبت، او جرى نقل الأسلحة قبل وصولها، او بقيت البنية البشرية والتنظيمية للفصائل قائمة، فإن العملية ستكون اقرب الى إعادة توزيع للمواقع وموازين القوى منها الى نزع للسلاح، اما في حال فشلها من تحقق كل السيناريوهات المطروحة وبقاء الوضع كما هو، فان فرضية تدخل العامل الخارجي لانجاز المهمة يبقى قائماً، ولهذا المشهد تداعيات معقدة.
حقيقة ومع كل ما طرح من مسارات ومشاهد متوقعة وفرضيات التأكيد والنفي، فإن نجاح الحكومة العراقية في هذا الملف لا يقاس بعدد الأسلحة التي تنزعها، او عدد الفصائل التي تقبل بتسليم سلاحها، وإنما بمدى انتقال الدولة من نموذج متعدد لمراكز القوة، إلى نموذج سيطرة الدولة على كل هذه المراكز، فمشروع نزع سلاح الفصائل في العراق ليس مشروع حول السلاح، بقدر ما هو مشروع حول من يمتلك القوة الشرعية والقرار السيادي، ومن يمسك الأرض؟.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!