بقلم الدكتور: راشد والي جانجوا/ كاتب ومحلل أمني وعسكري.
في التاريخ الحديث، تجلّت مبادئ الحرب غير المتكافئة في الابتكار العملياتي الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، ألا وهو الحرب الخاطفة (البليتزكريغ)، التي تفوقت على القوات الفرنسية المتفوقة بفضل التقدم السريع والآلي عبر تضاريس الأردين الوعرة.
ومن الأمثلة البارزة الأخرى الحرب الروسية الشيشانية، والحرب السوفيتية الأفغانية، وحرب فيتنام، ومعركة مقديشو، ومع تحوّل الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستمرة على إيران إلى حصار بحري، مما أثار ردًا متكافئا من إيران، يصبح من المفيد إعادة النظر في الأفكار الرئيسية حول الحرب غير المتكافئة التي طرحها كبار المنظرين.
فقد أكّد رواد الاستراتيجية غير المباشرة، مثل صن تزو وبي إتش ليدل هارت، على مزايا تجنّب نقاط قوة الخصم واستغلال نقاط ضعفه. وقد وسّع إدوارد لوتواك هذه الأفكار لتشمل الفكر الاستراتيجي الحديث، مُسلطًا الضوء على قصور الحرب التقليدية أمام براعة الإنسان.
في كتابه المؤثر "لماذا تخسر الدول الكبرى الحروب الصغيرة"؟، يُبرز أندرو ماك أهمية الإرادة البشرية في الصراعات غير المتكافئة، مُشيرًا إلى الهشاشة السياسية للدول تحت ضغط الرأي العام الداخلي، ويستشهد غالبًا بانسحاب الولايات المتحدة من حرب فيتنام كمثال كلاسيكي على هذه الديناميكية، حيث أظهرت القوات الفيتنامية الشمالية استعدادًا أكبر لتحمّل خسائر متواصلة سعيًا وراء أهدافها الوطنية.
بالاستناد إلى بيانات من حروب وقعت بين عامي 1800 و1998، يُطوّر إيفان أريغوين- توفت خمس فرضيات بناءً على تفاعل الاستراتيجيات التي تستخدمها الأطراف القوية والضعيفة. ووفقًا لإطاره، تندرج هذه التفاعلات ضمن فئتين رئيسيتين: الاستراتيجيات المباشرة (العمليات العسكرية التقليدية)، والاستراتيجيات غير المباشرة (الأساليب غير التقليدية أو غير المتكافئة).
تفترض فرضيته الأولى، أنه عندما يتبنى كل من الطرفين القوي والضعيف استراتيجيات مباشرة، فمن المرجح أن ينتصر الطرف الأقوى، وتُجسّد حملة القصف الألمانية على أهداف مدنية في المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية هذه الديناميكية.
وتقترح فرضيته الثانية، أنه عندما يستخدم طرف قوي استراتيجية مباشرة بينما يتبنى الطرف الأضعف نهجًا غير مباشر، يكون الطرف الأضعف أكثر عرضة للنجاح، وتُعد الحرب السوفيتية الأفغانية مثالًا يُستشهد به كثيرًا على هذه النتيجة.
في فرضيته الثالثة، يجادل توفت بأنه عندما تستخدم القوى العظمى استراتيجيات غير مباشرة- غالبًا ما تتضمن إجراءات قسرية أو عقابية ضد السكان المدنيين والبنية التحتية- ضد القوى الأضعف التي تعتمد على استراتيجيات مباشرة، فمن المرجح أن تنتصر القوى العظمى، ومن الأمثلة التوضيحية على ذلك حملة إزالة الغابات الروسية في الشيشان خلال حرب القوقاز عام 1859.
وتشير الفرضية الرابعة، إلى أنه عندما تستخدم القوى العظمى تكتيكات غير مباشرة أو "وحشية" ضد القوى الأضعف التي تستخدم بدورها استراتيجيات غير مباشرة، مثل حرب العصابات، فمن المرجح أيضًا أن تنتصر القوى العظمى، ومن الأمثلة الشائعة على ذلك برنامج فينيكس خلال حرب فيتنام، ومع ذلك فقد ساهمت هذه الديناميكية أيضًا في التصعيد، وبلغت ذروتها في هجوم تيت.
في الواقع، تُظهر دراسة حالة فيتنام الحدود الأوسع للتفوق التقليدي في البيئات غير المتكافئة، على مدى عقد من الصراع، عانت القوات الأمريكية في كثير من الأحيان في الاشتباكات غير المتكافئة، حتى مع تحقيقها مكاسب انتقائية في عمليات أكثر تقليدية مثل عملية أتلبورو وعملية سيدار فولز وعملية جانكشن سيتي- والتي لم يثبت أي منها أنه حاسم من الناحية الاستراتيجية.
وتُلخص الفرضية الخامسة لأريغوين-توفت هذه النتائج: تميل القوى القوية إلى الانتصار عندما يتبنى كلا الجانبين استراتيجيات متشابهة (تفاعلات الاستراتيجية المتشابهة)، بينما يرجح انتصار القوى الضعيفة عندما تتبنى استراتيجيات متعارضة (تفاعلات الاستراتيجية المتعارضة).
في ضوء هذا الإطار، تبدو احتمالات تحقيق الولايات المتحدة انتصارًا حاسمًا على إيران غير مؤكدة إذا ما تطور الصراع أكثر على أسس غير متكافئة، في الواقع، بدأت ملامح عدم التكافؤ بالظهور، حيث تشير تقارير إلى أن إيران تستخدم تكتيكات غير تقليدية ضد الأصول الأمريكية في الخليج، بما في ذلك أهداف بحرية وإقليمية.
ولكي تتحول الولايات المتحدة وإسرائيل نحو استراتيجية غير مباشرة، فمن المرجح أن يستلزم ذلك مزيجًا من العمليات البرية إلى جانب ضربات جوية وصاروخية متواصلة على البنية التحتية الحيوية، إلا أن هذا النهج ينطوي على مخاطر سياسية كبيرة، لا سيما بالنظر إلى احتمال وقوع خسائر بشرية مدنية فادحة والضغوط الداخلية المصاحبة لدورة الانتخابات.
في أقصى تجلياتها، تقترب الاستراتيجية غير المباشرة مما يمكن تسميته ذروتها -الخيار النووي- الذي ينطوي استخدامه على عواقب وخيمة على جميع الأطراف المعنية، ويعكس نهج الولايات المتحدة بالفعل مستويات متعددة من عدم التكافؤ فيما يخص الاستراتيجية الايرانية على الصعيد:
مفاهيمي (توسيع نطاق الصراع إلى الخليج، وتهديد مضيق هرمز، واستغلال وكلاء إقليميين مثل حزب الله)؛ وعملياتي (شن هجمات سرية أو ضد الخصوم)؛ وتكنولوجي (استخدام أسراب الطائرات المسيرة، والزوارق الهجومية السريعة، والألغام البحرية). ويمكن لهذه العوامل مجتمعة أن ترجح كفة الطرف الأضعف.
يكمن الخطر الأكبر في الفرضية الرابعة، حيث يلجأ طرف قوي إلى أساليب غير مباشرة مدمرة للغاية سعياً وراء نصر شامل، ورغم أن الحصار البحري الأمريكي الحالي رد مباشر على تحركات إيران، إلا أنه يُنذر بمزيد من التصعيد، وقد يُثير ردود فعل انتقامية أكثر تطرفا، في نهاية المطاف، قد لا يكون الرد الأكثر تفاوتاً المتاح لإيران عسكرياً، بل سياسياً: قرار محسوب بين إطالة أمد صراع مكلف أو السعي إلى تسوية تفاوضية.
.............................................
الآراء الواردة في المقالات والتقارير والدراسات تعبر عن رأي كتابها
*مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ
http://mcsr.net
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!