قضايا دولية

الهجرة إلى اوربا... رؤية تحليلية لما وراء التسهيلات الأوربية

     الهجرة والسفر حلم راود ويراود الكثير من بني البشر منذ بزوغ فجر التاريخ ونشوء المجتمعات البشرية والى يومنا هذا، وكلنا نقرأ عن موجات الهجرة والنزوح على مدى تاريخ الإنسانية الممتد إلى آلاف السنين والتي قامت بها القبائل والأقوام والتجمعات البشرية، إلى مواطن أخرى بحثاً عن الأمن ومصادر الرزق وسبل الحياة الكريمة، والهجرة كظاهرة اجتماعية لها أسبابها وأبعادها الإنسانية والاقتصادية والسياسية والأمنية. وتؤكد الأمم المتحدة في تقاريرها ان عدد المهاجرين ارتفع من 175 مليونا في عام 2000 إلى 232 مليونا في وقتنا الحاضر، وان ثلاثة أرباع المهاجرين يعيشون في 28 بلدا، وان خمس مهاجري العالم يعيشون في الولايات المتحدة، ويشكل المهاجرون ما لا يقل عن 20 في المائة من السكان في 41 بلدا ويقل عدد سكان 31 بلدا من بلدان الهجرة عن مليون نسمة. وتشكل الإناث ما يناهز نصف العدد الإجمالي للمهاجرين على الصعيد العالمي، وهن أكثر عددا من المهاجرين الذكور في البلدان المتطورة. في الوقت الذي أعلنت منظمة الهجرة الدولية، أن عدد المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط منذ بداية العام الجاري تجاوز الـ350 ألف شخص، مقارنة مع عدد المهاجرين في العام 2014 والذين بلغ عددهم 220 ألف شخص. وتشير الإحصاءات غير الرسمية إلى إن اكبر طالبي اللجوء في الاتحاد الأوروبي هم العراقيون والنسبة الأكبر من المهاجرين واللاجئين العراقيين هي في ألمانيا حيث تبلغ نسبتهم 80% من العراقيين المتواجدين خارج البلد كمهاجرين أو لاجئين وفي السويد 13%، أما المملكة المتحدة فهنالك 11% منهم تقريباً. تم بحث أسباب ظاهرة الهجرة والحديث عن دوافعها والتي أجمع غالبية المحللين والمتابعين على أن الحرب تمثل محرك نفور هؤلاء الأفراد من بلدانهم الأصلية، بيد أن لهذه الظاهرة وجه آخر لم يتم بحثه ونقاشه نقاشاً مستفيضاً وبالخصوص حول أسباب التسهيلات الأوربية التي تقدمها للمهاجرين القادمين من بلدان النزاع في الشرق الأوسط. ويمكن تلخيص أهم الأسباب التي تقف وراء فتح أبواب أوربا للمهاجرين كجزء من السياسة الأوروبية المتبعة حاليا إزاء موجة اللاجئين بالنقاط الآتية: أولا: تعاني أوربا من نقصٍ في أعداد الشباب وبالتالي فهي تشكو من قلة الأيدي العاملة التي يشكّل الشباب عمادها الأساس فنسب الإنجاب فيها قليلة للغاية مقارنة بمناطق الشرق الأوسط والوطن العربي ودول وأفريقيا، حيث يبلغ معدل الإنجاب في أوربا عموما ما نسبته طفلين لكل عائلة، وهذا لا يتناسب مع متطلبات النمو الاقتصادي والحضاري. إذ يشكل الشباب بين 16عام و30عام من كلا الجنسين 27% من نسبة السكان. ثانيا: العنصر الآسيوي الأصفر قليل في أوربا بالمقارنة مع العنصر الإفريقي الأسمر المتواجد بكثافة فيها، حيث إن التوجه الحالي لأوربا يسير بإتجاه استقطاب العنصر الأسيوي بشكل كبير لغرض إجراء توازن جيني وخوفا من طغيان العنصر الأسمر خلال 50 إلى 75 عام المقبلة. ثالثا: تسعى أوربا من خلال تقديم التسهيلات للمهاجرين واستقبالهم إلى تعزيز سمعتها الدولية في مجال حقوق الإنسان والتخلص من الضغوط التي تمارسها عليها منظمات دولية ومحلية من اجل الاهتمام بحقوق المهاجرين، خصوصا وان حكومات الدول الأوربية ومن خلال مواقفها السياسية ودعمها لأطراف قتال معينة قد ساهمت في خلق ظروف إنسانية صعبة في دول منطقة الشرق الأوسط أدت إلى موجات هجرة لمواطني هذه الدول. كما إن أوروبا متعاقدة على اتفاقيات مهمة تتعلق بحقوق الإنسان ومساعدة اللاجئين في أوقات الحرب والنزاعات المسلحة، وأنها ملتزمة سواء بصفتها الرسمية كدول للاتحاد أو منظمات مستقلة عن الدولة بدعم المهاجرين وتوفير فرص حياة جيدة لهم بعيدا عن بلدانهم التي مزقتها الحرب. رابعا: إن دول الاتحاد الأوربي وأوربا بشكل عام، مقبلين على انفتاح اقتصادي عالمي يتجاوز حدودها الجغرافية، قاعدة هذا الانفتاح يكمن في قوة اقتصادها المتنامي القائم على أساس الصناعة بمختلف مجالاتها، فتعزيز القاعدة الصناعية الأوربية هدف رئيسي يعمل الأوربيين عليه، وذلك لتعضيد مكانة أوربا في النظام الدولي كبوابة أولى ومن ثم التخطيط للعمل على أساس قيادة النظام الدولي. كل هذا الأمر يتطلب إعادة ترميم ديمغرافية السكان وطبيعتهم ونوعهم وتكثيف أعدادهم لاسيما ما يتعلق بالعمالة، لهذا فأن استقطاب مهاجرين صناعيين عماليين سيكون واحد من أهم دعامات هذا الانبثاق الأوربي. خامسا: توظيف المهاجرين في المجال العسكري، فنسبة كبيرة من المهاجرين الحاليين سيعملون بعد تأهيلهم وإعادة ترتيبهم اجتماعياً وفكريا بمؤسسات الجيش والأمن والدفاع العسكري (في المراكز غير الحساسة جنود عاديين). وهذه القضية محبذة جدا بالنسبة للمهاجرين بسبب أنها تؤهلهم بصورة أسرع للحصول على الجنسية كما أن بعض الدول تسعى إلى أن يكون جنودها العاديين من غير المواطنين الأصليين كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية. وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء المهاجرون هم المستهدفين لكن ربما أبناءهم وأجيالهم القادمة، لكن الفرصة أمام هؤلاء أكثر إغراء لأنها تسهل لهم إجراءات الحصول على الجنسية لا سيما أولئك الذين تقل أعمارهم عن العشرين عام. سادسا: النقطة السلبية التي تخشاها أوربا ـ وهي تحاول علاجها بطريقة أو بأخرى ـ إن نسبة 98% من المهاجرين الحاليين، يعتنقون الدين الإسلامي، وهذا ما سيؤثر بشكل كبير على ديموغرافية أوربا وطبيعة سكانها الدينية، إذ إن بعض الدول الأوربية من المتوقع أن تتجاوز نسبة المسلمين فيها 47% خلال الخمسين عاما المقبلة وفي دول أخرى قد يتجاوزون الـ60% خلال نفس المدة المذكورة. بيد أن قضية الدين يمكن تجاوزها ببرامج إعداد اجتماعية تتم من خلالها تهدئة الأشخاص الذين قد يولد لديهم فكر متطرف من المهاجرين داخل أوربا، وهي سياسات ناجحة رغم وجود شذوذ يظهر هنا وهناك بين الحين والآخر. وهذا يندرج كجزء من القوة الأوربية الناعمة التي تحاول ترويجها حيال الآخرين. أخيرا: لا يخلو الأمر من جانب إنساني، بيد أن هذا الجانب لا يمكن تلمسه بسلوك الحكومات حتى وإن عبرت عن ذلك مرارا وتكرارا، لسبب بسيط وهو أن الدول لا تتعامل بإنسانية في سلوكها وتصوراتها بقدر ما تتعامل على وفق منهج براغماتي تام، فلو فكرت هذه الدول بإنسانية فعلا لما تركت دول المهاجرين الأصلية تدمر بهذه الطريقة دون تحرك أو حتى على أقل تقدير إيقاف مساعدة بعض الأنظمة السياسية الحاكمة المسببة للأزمة أو إيقاف دعم بعض الجماعات المسلحة، ومانشاهده من دعم واستقبال ومساعدة لللاجئين في بعض الدول الأوروبية، فهي نابعة من الفطرة الشعبية التي تتحلى بها الشعوب الأوربية بالإضافة إلى دور المنظمات غير الحكومية الداعمة للمهاجرين ومساعدتهم إضافة إلى الضغوطات التي تمارسها هذه الشعوب على حكوماتها لغرض تقديم التسهيلات لهؤلاء المهاجرين. مخاطر وفوائد ظاهرة الهجرة إلى الدول المتقدمة تعاني الكثير من الدول غير المستقرة امنيا واقتصاديا من ظاهرة هجرة مواطنيها إلى الدول الغنية وهذه الهجرة كأي ظاهرة أخرى تنطوي على مخاطر وفوائد يمكن تبيانها من خلال النقاط الآتية. أولا: المخاطر 1- نقص في الأيدي العاملة والخبرات والكفاءات اللازمة لإدارة المؤسسات والشركات في كل المجالات الطبية والصناعية والتنموية والتعليمية في بلدان المهاجرين الأصلية، وحتى في مجال عدد أفراد الجيش والقوات الأمنية الأخرى. 2- خروج كميات كبيرة من العملة الصعبة ينفقها المهاجرين على رحلة الهجرة الطويلة وهذه العملة المهربة تضر باقتصاد دولهم الأصلية. 3- مخاطر على المهاجرين أنفسهم وذلك على المدى البعيد حيث من الممكن أن يندمج هؤلاء في المجتمعات الأوربية وبمرور الوقت قد تتلاشى قيمهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية وبالنتيجة سوف ينقطع كل رابط بينهم وبين مجتمعاتهم الأصلية. 4- مخاطر عدم قبول طلبات اللجوء لأعداد كبيرة من المهاجرين مما يتسبب بتشردهم ومعاناتهم وإذلالهم، وبعد أن جازفوا بحياتهم وأرواحهم فإنهم قد يضطروا في النهاية للعودة إلى بلدانهم. ثانيا: الفوائد 1- فائدة الحوالات المالية الضخمة التي يحولها المهاجرون إلى أوطانهم والتي لها أهمية اقتصادية ضخمة، خاصة في أوطان المهاجرين الفقيرة، إذ أصبحت تشكل ثاني أكبر مصدر مالي خارجي للبلدان النامية، والتي من الممكن أن تساهم في تحقيق التنمية في هذه البلدان. 2- من الممكن أن يقوم المهاجرون بنقل التجارب النافعة في مجال التقدم الاقتصادي والعلمي إلى بلدانهم مثلما حصل في الهند. 3- على الصعيد السياسي من الممكن أن يشكل هؤلاء المهاجرين على المدى المتوسط والبعيد لوبيات ضغط على حكومات الدول المستقبلة لهم للضغط عليها بأتجاه تبني سياسة مفيدة تخدم مصالح بلدانهم الأصلية. ولجميع ماسبق تبقى ظاهرة الهجرة من دولة ما حالة تحتاج الى الدراسة والملاحظة كونها تمثل علامة ومؤشر على خلل في داخل ذلك البلد، سواء كان ذلك الخلل سياسي او اجتماعي او اقتصادي او ثقافي وغيرها... هنا يجب التنبه واخذ الموضوع بأهمية قصوى لان من يغادرك من ابناء بلدك قد يصبح كنزا يحتويه الاخرون او يصبح سلاح مدمر سيعود عليك في يوم ما.   مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية http://mcsr.net ليس بالضرورة ان تعبر المقالات والبحوث المنشورة عن رأي المركز

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات