مداخل الإصلاح الإداري في العراق

قضايا محلية
2015-09-13 آخر تحديث :2015-09-13 11:27
1759
       شكل مجلس الوزراء العراقي، بموجب الأمر الديواني رقم (57) 2011، اللجنة الوطنية العليا للإصلاح الإداري في العراق، وفوض المجلس اللجنة إعداد رؤية وطنية شاملة للإصلاح وتحديث الإدارة العامة، وأوضحت السيدة جاكلين بادكوك نائب الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق، "أن دعم الأمم المتحدة لأجندة الإصلاح من أهم وأضخم التدخلات التي يقوم بها فريق الأمم المتحدة العامل في العراق، سواء من حيث الاستثمار، أو الجهود المبذولة، حيث تشارك ثمانية من منظمات الأمم المتحدة بدعم برنامج تحديث القطاع العام بموازنة زادت عن اربعة واربعون مليون دولار".في عام 2013، نشرت مجلة برنامج تحديث القطاع العام العراق وهي مجلة الكترونية تصدر عن اللجنة العليا للإصلاح الإداري العدد4 كانون الأول 2013، أنه (صادق مجلس الوزراء العراقي على إطار عمل وخريطة طريق الإصلاح الإداري في جلسته الاعتيادية المنعقدة يوم 24 أيلول 2013، وبذلك أصبح للعراق خطة خمسية للإصلاح الإداري للفترة 2014- 2018.وقد تضمنت خريطة الطريق الرؤية الوطنية للإصلاح والأهداف الإستراتيجية، والتدخلات الرئيسية خلال السنوات الخمسة القادمة، وتسعى خريطة الطريق إلى الإسهام الفعال في تحقيق رؤية الإصلاح المتمثلة في الوصول إلى إدارة عامة تمكن الدولة من أداء دورها، وإدارة مواردها، وتقديم خدماتها للمواطنين بكفاءة وفعالية بما يحقق التنمية المستدامة.كما حددت الخريطة تسعة مداخل للإصلاح الإداري هي: إصلاح المنظومة القانونية وقوانين الوظيفة العامة، وتحديث الإدارة المالية، وتعزيز أجهزة ونظم الرقابة الداخلية، وتطوير النظم وتبسيط إجراءات العمل، وتعزيز الحوكمة الالكترونية كوسيلة لتحقق الفعالية والشفافية وتجهيز البنى التحتية اللازمة للإصلاح، وتنمية الموارد البشرية وإدارتها وتعزيز وتهيئة القيادات الإدارية، وتعزيز اللامركزية الإدارية.مع أن هناك جهودا كبيرة بذلتها مستويات البناء الإداري لمشروع اللجنة العليا للإصلاح، وهي اللجنة العليا، واللجنة الإدارية، واللجنة التنفيذية (مجموعات العمل) في إطار خارطة الإصلاح للوصول إلى إدارة عامة فعالة ومرضية للجمهور، إلا أن خارطة الطريق ذاتها كانت تتناول اتجاهات عامة، وتفتقر إلى تحديد الأسبقيات والجدول الزمني للتنفيذ، فضلا عن أنها ركزت على الجوانب الفنية لهذه القطاعات الخدمية، وابتعدت عن مضامين الإصلاح الإداري، وكان هناك رفض صريح وغير صريح لخطوات الإصلاح وفي كافة المستويات!.يقول الوكيل الإداري لوزارة التخطيط ورئيس لجنة دراسة الهياكل التنظيمية والترهل الوظيفي الدكتور كاظم العقابي "إنه قدم مقترحا في بداية تشكيل الحكومة لدمج وزارات ودمج هيئات إلا أن هذه الدراسة لم يتم وضعها موضع التطبيق"، وتابع حديثه "إنه بعد ذلك صممنا استمارة لكي تكون قاعدة بيانات عن الوزارات وعن المحافظات وتم توزيعها لكن للأسف لم تكن استجابة جيدة حيث بين ثلاثون وزارة استجابت تسعة وزارات فقط، وبين اثنان وعشرون هيئة مستقلة استجابت عشرة هيئات، والاستجابة معناها تعبئة الاستمارة وتوصيلها في الموعد المحدد، وبالنسبة للمحافظات وصلت فقط خمسة محافظات".ونتيجة لذلك، كان الإصلاح الإداري المخطط له من قبل اللجنة العليا وشركاؤها الدولية بطيئا تارة، ومتعثرة أخرى، وبالتالي، أضحى متأخرا كثيرا عن التطورات والمتغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية التي يمر بها العراق، ناهيك عن الضغوط الشعبية المطالبة بتحسين الخدمات العامة والقضاء على البطالة، وتحسين المستوى المعيشي لغالبية العراقيين.تشير التجربة الدولية إلى خمسة تحديات تواجه الإصلاح في أي دولة، وهي التحدي الإداري (إدارة وقيادة عملية الإصلاح)، وتحدي الجودة (الفعالية، والكفاءة، والتكلفة)، والتحدي الديمقراطي (الملائمة لاحتياجات المواطن وآليات إشراك المواطنين)، والتحدي المهني (توفير الخبرة في رسم السياسيات وتنفيذ الخطط)، وتحدي المسؤولية (من مسؤول عن تنفيذ ماذا).ولا يخفى على أحد أن العراق يواجه التحديات الخمسة، بالإضافة إلى بيئة العمل والوضع الأمني والسياسي، وغياب الرؤية العامة المتفق عليها لأجندة الإصلاح، بل عرقلة الإصلاح من داخل إدارة الإصلاح نفسها؛ أو على الأقل الاتجاه بالإصلاح بما يلائم ويوافق حاجات ومصالح القيادات السياسية والإدارية نفسها التي تتولى عملية الإصلاح؛ حتى وكالات الأمم المتحدة الداعمة لمشروع الإصلاح، كانت تتعامل مع إدارة الإصلاح بما يناسب رؤية المؤثرين في إدارة الإصلاح دون مراعاة الواقع وحاجاته.في الإطار العام للإصلاح، هناك أسئلة مهمة، ينبغي الإجابة عليها في أي عملية إصلاحية، وهذه الأسئلة هي: ما هي المرافق العامة (الخدمات) التي يجب إصلاحها حالا على المستوى القريب؟، وما هي المرافق العامة (الخدمات) التي يجب إصلاحها في الأشهر القليلة المقبلة على المستوى المتوسط؟، وماهي المرافق العامة (الخدمات) التي يجب إصلاحها في السنوات الخمسة المقبلة على المستوى البعيد؟، وكيف يمكن أن نباشر بعملية الإصلاح (الأدوات والآليات والاستراتجيات)؟، وماهي التحديات والمعوقات التي تواجهنا حين نشرع بالإصلاح؟، وماهي التكلفة التي ينبغي أن ندفعها (مادية/ معنوية) لنتمكن من تحقيق الإصلاح؟، وماهي النتائج والمخرجات التي يمكن أن نحصل عليها مقابل هذه الإصلاحات، تستحق أم لا تستحق؟، هل سنوفر مالا؟، هل نخلق فرصة عمل جديدة؟، هل سنوفر خدمة كاملة؟، وأخيرا، ماهي الجهات والأشخاص المؤهلين الجديرين للقيام بهذه المهمة الصعبة؟.يبدو أن السيد رئيس الوزراء، اقتنع في ثلاثة الأشهر الأخيرة من السنة الأولى لرئاسته، أن الإصلاح ضرورة قصوى لابد منها، شاء من شاء، وأبى من أبى، وإلا سيكون مصيره وحكومته، مصير من سبقه، وأدرك أن النمط التقليدي للإصلاح المبني على أساس الدستور والقوانين النافذة، في ظل اضطرابات سياسية واقتصادية وأمنية عاصفة يعد انتحارا بطئا، لا تغني ولا تسمن من جوع؛ لان الدستور نفسه معاق، والقوانين نفسها مريضة.والسؤال التقليدي من أين أبدأ؟، وكيف أبدأ؟، وبمن ابدأ؟، قلبه الدكتور حيدر العبادي بالاتي: بمن أبدأ؟ ومن أين أبدأ؟ وأما كيف ابدأ، فجعلها مفتوحة بلا قيود؛ لا دستورية ولا قانونية ولا حزبية ولا محاصصة!.أدرك السيد العبادي أن الإصلاح المطلوب انجازه لابد أن يكون إصلاحا شاملا ومستمرا ومفتوحا، والإصلاح الشامل لنظام سياسي عمره قرابة اثنا عشر عاما لا يتحقق إلا بعزل أو تحجيم تلك القيادات السياسية والإدارية من الدرجة الأولى التي قادت البلاد ورسمت ملامح سياسته في المرحلة السابقة، وإن كان هو جزء منه.وهذا هو التفسير الأقرب لقيام السيد العبادي بإعفاء نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء والأمين العام لمجلس الوزراء ونوابه في الحزمة الأولى، وإعفاء قرابة 122 وكيل وزير ومدير عام من وزارات وهيئات الدولة في الحزمة الثالثة، فأن مثل هذه الإصلاحات لا تدر مبالغ على ميزانية الدولة بقدر ما تفسح المجال أمام الإصلاحيين الجدد لتمرير إصلاحاتهم السياسية والإدارية.ورغم أن الإصلاحات الحكومية تحظى بدعم وتأييد الشعب والمرجعية الدينية، إلا أن هناك مخاوف حقيقية في عدم استمرار الإصلاح أو استمراره معاقا؛ على شاكلة الإصلاحات الترقيعية، إما بسبب التباطؤ الحاصل في انجاز تلك الإصلاحات بالخصوص المرافق العامة (الخدمات) التي يجب إصلاحها حالا، لأنها تمثل المطالب الشعبية التي ينبغي تحقيقها فورا.وإما بسبب عدم تحديد سقف زمني لكل إصلاح، وعدم بيان المخرجات التي تترتب على تلك الإصلاحات، والتي تذهب فوائدها إلى المواطنين مباشرة، وإما بسبب تزايد قلق الموظفين والبالغ عددها قرابة اربعة ملايين موظف من التعرض إلى حقوقهم، والخوف من تآمر بعض المصلحين الجدد الذين يعتمد عليهم العبادي، أو عدم كفاءتهم في تحقق الإصلاحات مما يطيح بالعملية الإصلاحية برمتها.خلاصة الموضوع، أن السيد رئيس الوزراء كان أمام خيارات ثلاثة:1- إما أن يقرر بقاء الوضع على ما هو عليه، وهذا خيار غير مقبول سياسيا واقتصاديا واجتماعا.2- تقديم الحلول الجزئية، وهو خيار من الصعب الاستمرار فيه لأنه مكلف على المديين المتوسط والطويل.3- الإصلاح الشامل والمستمر والمفتوح، وهو خيار يحتاج إلى إرادة سياسية وجهد كبير، لكن النتائج تستحق. مركز المستقبل للدراسات الستراتيجيةhttp://mcsr.netالآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز
اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات