قضايا محلية

ربيع العراق (الإصلاحي).. الفرصة التاريخية

        السابع من آب لعام 2015، ما لم يضعه الساسة العراقيون في حسبانهم، انه سيشكل علامة محرجة في تاريخهم السياسي الفتي، حيث انطلقت تظاهرات احتجاجية أشعلتها وكالعادة أزمة انقطاع وتدني مستوى التجهيز بالطاقة الكهربائية في فصل يعتبر من اشد الفصول حرارة لدى الشعب العراقي. هذه الشرارة (الكهروشعبية) لم تتوقف حتى بعد تحسن التيار الكهربائي نسبيا وانخفاض درجات الحرارة، بل تصاعدت لتشكل تيارا احتجاجيا على جميع مظاهر الفساد في بنية الدولة العراقية، مطالبين بإعادة النظر في جميع القوانين والآليات التي أُقرت لما بعد 2003، وعلى رأس تلك الأولويات المطالبة بإبعاد ومحاسبة المتسببين بهدر المال العام والمفسدين من المواقع الحساسة في الدولة. المطالبات في بداية الأمر أخذت بتهاون نوعا ما، كون من تصدى لقيادتها ممن يوصفون بالتجمع المدني (وهم مجموعة من تجمعات شبابية لا يظهرون صفة دينية ولا حزبية)، غير إن الاهتمام تصاعد بهم وتعاطف الكثير معهم وانضم لحركتهم الداعية الى التغيير بعد دعم اكبر مراجع الشيعة لهم من خلال خطبة الجمعة في الصحن الحسيني الشريف والتي دعا من خلالها المرجع الشيعي السيد علي الحسيني السيستاني وعلى لسان احد وكلائه المعروفين بضرورة الاستماع الى صوت المتظاهرين واحترام آرائهم والتأكيد على حمايتهم وان المرجعية تتفهم مطالبهم وهي تضم صوتها لهم بضرورة وجود إصلاحات فعلية. شكل هذا الدعم نقطة تحول للمطالبة بالإصلاح ووضع الحكومة العراقية ورئيسها الدكتور العبادي وحتى الكتل السياسية في زاوية حرجة، أجبرتهم على الانحناء أمام المطالب التي تحولت الى قضية رأي عام، بل إن اغلب هذه الكتل ورغم كونها المشكلة للحكومات المتعاقبة لما بعد 2003 أيد وبشكل كبير ضرورة التغيير ومحاسبة المقصرين مع علمهم بأن الكلام موجه لهم ولرموزهم التي شغلت مناصب حساسة في الدولة العراقية الجديدة. هذه الاحتجاجات تختلف عن سابقتها في عام 2011مطلع شهر شباط/ فبراير، حيث كانت اغلب المرجعيات في وضع المحايد، بل والمحذر من قياداتها وماهيتها وأهدافها، وكانت النتيجة ان جوبهت تلك التظاهرات في وقتها بموجة إعلامية كبيرة سحبت البساط من تحتها وعوملت بقوة في الشارع من قبل القوات الأمنية انتهت بإصابات واعتقالات لتتوقف موجتها بوعد من رئيس الحكومة السابقة نوري المالكي بتحسين الخدمات خلال فترة المائة يوم التي اطلقها. اليوم تبدو الصورة معكوسة تماما فالتظاهرات استطاعت ان تحصل على تأييد مرجعي واضح وزخم شعبي ملحوظ وصلت الى حد تبني اغلب الحركات السياسية والحزبية لتلك المطالبات ولو ظاهريا. الاحتجاجات لم يكتب لها برنامج واضح في بداية الأمر, ولم تعرف الجهة الداعية إليها, أو من ينظم شعاراتها ومطالبها أو اللجان التي ستتفاوض لمتابعة استجابة الحكومة لتلك المطالب، وهذا واضح في تعدد الشعارات وسعتها وتباينها من منطقة الى أخرى، مما جعل مرجعيتها غير واضحة. يرى البعض بأن المقربين من رئيس الحكومة السابق نوري المالكي هم من عملوا على قدح شرارتها بالتعاون مع بعض الكتل السياسية الغير مستفيدة من حكومة العبادي خصوصا التي كانت تساند رئيس الوزراء السابق لولاية ثالثة، محاولة منها لإثبات فشل هذه الحكومة او الضغط عليها من اجل عدم الذهاب بعيدا عن تحالفاتها السابقة او حتى إسقاطها ان سمحت الفرصة بذلك. رأي آخر ذهب بأتجاه معاكس تماما لما ورد فالبعض يقرأ التظاهرات بأنها من صنع الحكومة الحالية ومخطط لها بعناية من قبل رئيس الوزراء حيدر العبادي نفسه، او انه تأقلم معها واستفاد منها, ودعمه في ذلك حليفاه المجلس الأعلى, والتيار الصدري، والذهاب بهذا الاتجاه, ناتج من يأس رئيس الحكومة من السير في إصلاحاته, إن لم تكن هناك إرادة شعبية تدعمه, فالكتل السياسية العراقية المشاركة في حكومته اغلبها تقف بالضد من تلك الإصلاحات, كونها تسلب منها مصادر تمويلها خصوصا بغياب قانون الأحزاب، فما كان من العبادي إلا أن يمهد لحركة شعبية تضع كل القوى السياسية على المحك، وعلى ما يبدو ان رياحهم أتت أكلها لحد الآن. أما البعض الأخر فانه يذهب بالقضية أكثر من مستواها المحلي ويرى بأن التظاهرات ومسيرة الإصلاحات أنما هو صورة من صور الصراع بين قطبين محلي وإقليمي، فالأول كان له الأثر في رسم محور التغيير السياسي لما بعد انتخابات 2014 وبدأ بوضع بصماته في خارطة العراق السياسية الجديدة، محاولا بجهد جهيد دفع مسار الحكومة التي شارك في تصميمها ووقف بشكل حازم أمام استمرار السياسة السابقة، ويرى هذا المحور إن عملية التغيير تتطلب إجراء إصلاحات واسعة كجزء أساس من متطلبات اكمال السيطرة على الوضع الذي تبناه هذا بغية تقليم أظافر الخطوط التابعة للمحور الإقليمي او من بقايا الحكومات السابقة والتي تدور حولها شكوك كبيرة بعدم الكفاءة والنزاهة ومحاولتها عرقلة عمل الحكمة الحالية. قبال ذلك فأن الطرف الإقليمي والذي لم يكن متحمسا للتغيير في مسار السياسة العراقية لما بعد 2014 ان لم يكن معارضا له، يرى بأن مسيرة الإصلاح التي تتبناها الحكومة العراقية إنما هي بمثابة إعلان الحرب على إتباعهم في العلمية السياسية أكثر مما هي عملية تعديل المسار او محاولة تنظيف الدولة من الفساد. الرأي الأخير يعطي صورة مبسطه للحالة بأنها ظاهرة شعبية تحدث في أي بلد، من خلال عفوية الشعارات وتعدد النسيج المجتمعي المشارك فيها واختلاف مطالب المحتجين من مكان الى آخر رغم اتفاقهم في أصل الموضوع، مما يؤكد كونها حالة طبيعية ولدت من رحم نقص الخدمات وتفشي ظاهرة الفساد في الدولة بشكل وصلت فيه خزينة الدولة للإفلاس، وتسييس القضاء واستخدام القانون بأزدواجية وغياب الشفافية في توزيع التعينات وغياب المحاسبة.  المرجعية (تمنح الحصانة) الكلمة الفصل التي أطلقتها المرجعية جعلت الكتل السياسية والحكومة العراقية في وضع لا تحسد عليه حيث حددت ومن خلال خطبة صلاة الجمعة بأن على رئيس الوزراء التحلي بالشجاعة والجراءة في تنفيذ برنامجه الإصلاحي والاستماع لمطالب المتظاهرين وان (للصبر حدود)، في إشارة لسكوت الناس في الفترة السابقة، وفي نفس الوقت طالبت بحماية المتظاهرين وعدم التجاوز عليهم، مما منح المتظاهرين حصانة وحماية من أي اعتداء او اعتقال. استجابة رئيس الحكومة العراقية لم تتأخر كثيرا فلم تمضي الا ساعات ليلعن التزامه بما ورد من توجيهات ترجمها بعد مضي 48 ساعة الى إقالة وإلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وإخراج جميع المناصب العليا من خانة المحاصصة الطائفية والسياسية في 9من اب، لتتحرك بعدها عجلة الإعلانات الإصلاحية في برنامج ترشيق الحكومة وإصلاحات برلمانية اعلن عنها رئيس البرلمان العراقي، ثم حركة إصلاحات واسعة شملت المحافظات تباينت في إلغاء هيئات المستشارين والمجالس المحلية وإقالة بعض مدراء وإحالة آخرين الى التحقيق.  العراق والفرصة المؤاتية أيا كانت أسباب التظاهر والدوافع وبعيدا عن الجهة المخططة لها، يمكن القول بأن العراق بجميع كياناته وحكومته يعيش فرصة تأريخية قد لا تتكرر، ولعل عدم انتهازها سيدفع بالبلاد الى التقسيم او حدوث انهيارات في العملية السياسية او حتى اقتتال داخلي كونها تمثل الفرصة الأخيرة لدى العراقيين لتغيير أوضاعهم، هذه الفرصة تتمثل في الجو المهيأ لتعديل مسار العملية السياسية بطريقة تبلور ظهور ديمقراطية حقيقية في البلاد، ترتكز على مبدأ الشفافية في بناء الدولة وتقوية القضاء وتحصينه وتمكينه ووضع القانون فوق الجميع فعليا وعدم الانتقائية في تطبيقه، والذهاب نحو دولة المواطنة، بما يصنع قوة مجتمعية في ضرب بؤر الفساد والإرهاب وتحصين الدولة العراقية من جميع النواحي وتمكينها من العودة الى حظيرة الدول المستقرة. هذا الجو الناشئ من المد الشعبي الواسع الرافض لثقافة الفساد التي انتشرت في جسد الدولة العراقية بشكل مخيف، لن يدوم طويلا فالوقت فيه يكاد يحسب بالساعات، وإجراء الإصلاحات قد ترتقي بالحالة العراقية الى ديمقراطية متقدمة لا تحلو للكثيرين داخليا وإقليما، مما يدفعهم للوقوف بوجه هكذا تيار مستخدمين كل الوسائل المتاحة لإفشالها يشترك معهم في الهدف (حيتان) الفساد العراقية، ومن هذا المنطلق فأن الجميع له مسؤولياته التي يجب ان يتحملها وفي مقدمتهم: أولا: الكتل السياسية العراقية حيث تدخل في اختبار عصيب، فاغلب هذه الكتل ماانفكت تتحدث عن ضرورة مغادرة نظام المحاصصة الطائفية والحزبية في توزيع المناصب الحكومية، رغم أنها تمارسه عمليا تحت عنوان التوافقات الوطنية وهذا ما كان يسري حتى على ابسط القوانين التي تشرع في البرلمان العراقي، هذه الكتل التي علقت فشلها السابق في إدارة الدولة على نظام المحاصصة، تعيش اليوم فرصة قد لا تتكرر لها فهي قادرة على أن تسير مع هذه الإصلاحات مستفيدة من أخطاء السابق، لتحافظ على بعض من رونقها وقواعدها، غير إنها محكومة بخطوات مهمة يجب أن تتخذها أهمها، سحب وزرائها من الحكومة العراقية تاركة لرئيس مجلس الوزراء الحق في اختيار وزراء جدد حسب الكفاءة والنزاهة، وهذا الإجراء قد يفقدها بعض المكاسب الآنية الا انه سيمنحها مرة أخرى ثقة معتد بها من قبل أنصارها (على اقل تقدير)، ويعطيها مصداقية في معارضتها السابقة لنظام المحاصصة والتوافقات، وخلاف ذلك فانه ستكتب على أبواب مقراتها انه كتل خارج (نطاق التغطية الانتخابية) في الفترة القادمة بنسبة كبيرة.  ثانيا: الحكومة العراقية وهنا يمكن القول بأن الكلام موجه لرئيس مجلس الوزراء دون غيره الذي حصل على تفويض (شعبي) وتأييد (مرجعي) لم يحصل عليه احد من الحكومات المتعاقبة لما بعد 2003، كما إن الأمريكان يجدون فيه فرصة لتغيير المسار الإنحداري الذي سببه رئيس الوزراء السابق السيد المالكي والذي كان من نتائجه تصاعد اللهجة الطائفية والاقصائية وتبديد الثروة وتفشي المحسوبية وسيطرة تنظيم داعش على مناطق شاسعة من البلاد في عهده، فهم يرون بأن السيد العبادي قادر على إصلاح ما افسده (مواطنه الحزبي)، ومن جانبهم فهم لن يبخلوا عليه بالتأييد والإشادة بكل الخطوات التي يتبعها. جميع ما ذكر أدوات قوة في يد الرجل ولكن في يده الأخرى أيضا (ساعة) تعد عليه الزمن، وهنا يُحسب للوقت حساب وانه محل اختبار لجميع من وضعوا ثقتهم فيها او منحوه تأييدهم الخطوات التي ابتدئها لم تكن بالهينة، فالرجل ذهب الى أعلى القمة ليلقي من فيها الى خارج الحركة الحكومية العراقية وهي خطوة مفاجئة للكثيرين. غير إن جميع ما قدمه او سيقدمه من حزم إصلاحية ستكون مرهونة بخطوة أكثر جرأة وفائدة وهي إصلاح النظام القضائي وتصحيح مساره وإبعاده عن التسييس، وهذا بدوره سيشكل عنصر اطمئنان بعدم إفلات احد من الفاسدين او ممن سيحيلهم للقضاء وخروجهم من (الباب الخلفي) للقضاء بدون تحقيق حقيقي او محاكمة فعلية ومهنية، لان مثل هكذا تسويف سيشكل عليه وعلى حكومته خطرا كبيرا، فعودة هؤلاء للحياة السياسية رغم جرائمهم سيشجعهم وآخرين على التمادي والبقاء في سلوك نفس الطريق، مما ينبأ بفساد عام للدولة ودخول طريق الإصلاحات الى نفق مظلم.  ثالثا: الحراك الشعبي وقادة التظاهرات وهي تتحمل الجزء الأهم من سير الأحداث ويمكنها ترجمتها من خلال: - سلوك سبيل اللاعنف والتأكيد على سلمية التظاهر وتحديد سقف معقول للمطالب والاستمرار بإدامة زخم التظاهر. - التأكيد وبشكل واضح على ضرورة دعم فكرة النظام السياسي التعددي والحياة الديمقراطية و الحرص على تنظيم الحركة التظاهرية بغية حماية الممتلكات العامة والخاصة. - عدم السماح لأي طرف باستغلالها سياسيا سيجعل أهداف تلك الاحتجاجات في متناول اليد. - السير باتجاه تأسيس جماعات ضغط تراقب الأداء الحكومي حتى بعد انتهاء التظاهرات والتهيؤ من الآن لنشر الوعي الانتخابي والعمل للمشاركة في تشريع قانون انتخابي عادل وغير مسيس. نهاية العاصفة الكثير من المحللين السياسيين يرى بأن التغيير السياسي الحقيقي قد بدأ الآن وان الفرصة مؤاتية امام رئيس الحكومة لرسم خريطة سياسية مغايرة لما شكلت بعد 2003، مؤكدين على ضمان الاستمرار لعاملين هما ( المرجعية الدينية)، التي يشكل وجودها عنصرا مهما في إدامة الزخم نحو إكمال الإصلاحات والتأييد الشعبي، وهما الركنين المنيعين الذين يتكأ عليهما العبادي في حملة الإصلاح المنشودة. رئيس الحكومة يواجه اليوم صعوبات جمة أبرزها ان المتهمين بقضايا الفساد هم من كتلته وحزبه وبالأخص سلفه رئيس الحكومة السابق نوري المالكي، الذي توجه له تهم بتبديد ما يقارب من 400 مليار دولار من المال العام وسوء استغلال السلطة والتهاون في محاسبة ومعاقبة المفسدين في ولايتيه المتتاليتين. وفي خضم هذه الأحداث فأن نهاية العاصفة (على ما يبدو) لن تكون قريبة ولا بالهينة، خصوصا وان هنالك الكثير ممن بدأوا يستغلون هذه الموجة لتنظيمها بطريقة تصب في مصالحهم الشخصية والحزبية، إضافة الى احتمالية دخول الأطراف الخارجية على مسارها مما يجعل المشهد أكثر تعقيدا، لذا فان سرعة اتخاذ القرارات العلمية والواقعية والاندماج مع المطالب المشروعة سيكتب لهذه الفرصة نجاحا تاريخيا قد يغير مجرى الأحداث في العراق بشكل كامل.   مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية http://mcsr.net الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات