أحدثت مواقع التواصل الاجتماعي ثورة في عالم الاتصال والتواصل والمعلومات, ومست بقوة المنظومات ذات القيم الاجتماعية والثقافية, وتدخلت على نطاق واسع في تغيير البنى والمؤسسات السياسية, وحتى التلاعب بموازين القوى السائدة.

إذ أصبحت هذه المواقع أدوات للمداولة والنقاش حول الشأن العام, وسمحت للنخب الحاكمة تجاوز آليات تغيبها في المجال العمومي التقليدي الذي تسيطر عليه الدولة, إضافة إلى بروز قادة رأي عام لهم منابر إعلامية وأساليب خاصة لتعبئة الجماهير واستقطابهم، وبذلك برز دورهم في التأثير بالمجتمع وأصبحوا فاعلون باستطاعتهم أن يغيروا في مجرى الحياة الاجتماعية والسياسية.

وعلى الرغم من المنافع التي جاءت بها ظاهرة الفضاء الالكتروني, بما في ذلك استخدام شبكات التواصل الاجتماعي, إلا أنه حمل تحديات أمنيه تتمثل في إمكانية توظيف هذا الفضاء من قبل جماعات إرهابية, أو تحوله لإدارة الصراع بين الدول, وذلك يعود إلى السرعة في تدفق المعلومات وسهولة الوصول إليها ونقل ونشر المحتوى سواء كان نصا أو صورة, وهو ما يكون له تأثير في جمهور واسع عبر العالم وهو ما يحوله إلى وسيط إعلامي عالمي, وعليه يكون مثل عنصر جذب لاستخدامه إما كأداة صراع أو في حله وتسويته, وأدى الدور الذي لعبه الفضاء الالكتروني بوسائله المختلفة إلى تحول أزمة محلية تتعلق بالعلاقة بين النظام الحاكم والشعب إلى سرعة التحول إلى أزمة دولية عبر إتاحة الفرصة للتدخل العميق في الصراع عبر التأثير في أطرافه, وبرزت ظاهرة المؤيدين عابري الحدود مثل دور المقاتلين الأجانب كطرف للدخول إلى مناطق الصراعات الدولية هذا من جهة, ومن جهة أخرى قدرة الأطراف الخارجية على التدخل في الصراع من خلال سهولة تقديم الدعم المعلوماتي والتقني عبر تصدير التكنولوجيا للتجسس وسهولة التواصل بين الفرقاء في الصراع.

ولقد عمدت العديد من الدراسات إلى تحليل الوضع في سوريا من خلال نمط الاتصال عبر الشبكات الاجتماعية بهدف الكشف عن طبيعة القوى المعارضة المنخرطة في الحرب, وهي دراسات انتقلت من وصف الصراع بين طائفتين واسعتين من المجتمعات الالكترونية إحداهما معارضة والأخرى مؤيدة لنظام الأسد, إلى اعتباره صراعا متعدد الأطراف كما تؤكده دراسة العلاقة بين الأنشطة السياسية وحجم المجتمعات التي ظهرت خلال الآونة الأخيرة والمتصلة بالوضع في سوريا, ومن المؤشرات الأساسية التي أثبتت أهمية دور الشبكات الاجتماعية في القضية السورية هو أن أكبر عدد من بث أشرطة الفيديو على مستوى العالم تدور حول سوريا, إذ يجري يوميا وبشكل منتظم بث أشرطة فيديو على موقع يوتيوب ويتم  التغريد بعدها في أنحاء العالم, لا سيما أن كافة الأطراف تمتلك العديد من الحسابات الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي, على سبيل المثال اعتمدت دراسة أعدها فريق بحثي من جامعة دبلن بقيادة ديريك اوكالاهان على رصد وتحليل محتوى (652) حسابا سورياً على موقعي تويتر ويوتيوب ووجدت أن شهري أكتوبر ونوفمبر اللذان اعتبرا الهجوم بالسلاح الكيميائي على الغوطة في 21 سبتمبر 2013 شهد أكبر عدد من التغريدات على تويتر عالمياً بنسبة تزيد عن 75% عن عام 2012.

وقد أتاح الفضاء الالكتروني كذلك عدد من الفرص أمام المشاركة في الصراع أما عبر المشاركة بتنظيم المظاهرات الاحتجاجية ضد أحد أطراف الصراع, أو المشاركة عبر الانترنت في التعبير عن الغضب والرأي حول الأزمة, أو القيام بشن هجمات الكترونية ضد مصالح ومواقع الخصوم, أو الانتقال جغرافياً إلى أرض الميدان أو التأييد والانضمام إلى أحد أطراف الصراع والقتال إلى جانبه.

ومن هنا ظهرت قضية المقاتلين الأجانب في الصراع السوري والتي تعاظم دورها ووصلت خلال عامين ما يفوق حجم المقاتلين في أفغانستان خلال (13) عام, وهو ما اثر بدوره في طبيعة الصراع وتعقده, وفي طبيعة الخلافات الداخلية بينها, وشمل ذلك مقاتلين من الدول الأوروبية وآخرين من الدول العربية وهو ما أثر في إدارة الأزمة السورية وتحولها من الطابع المحلي إلى العالمي وإتاحة الفرصة أمام المتعاطفين للمشاركة إما ميدانياً أو عن بعد.

من ذلك يمكن القول: "إن الفضاء السيبراني قد غير بشكل لا رجعه فيه الطريقة التي يتم بها خوض الصراع أو القيام بالحروب وذلك يعود إلى إنتاج المحتوى بنشاط أو الكيفية التي تستخدم بها وسائل الإعلام الاجتماعية كمنصات لتشكيل شبكات عبر وطنية تمكنهم من تشكيل الأحداث لاسيماً في أوقات الصراع, وعليه أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ذات دور رئيسي ومؤثر في إحداث الصراعات الدولية في مقابل تراجع دور الإعلام التقليدي كالصحافة الورقية والتلفزيون".

............................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات