تعد زيارة البابا فرنسيس إلى العراق يوم 5/3/2021 من الزيارات المهمة على جميع الأصعدة، فهي مهمة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فعلى المستوى السياسي أعطت الزيارة دعما سياسيا دوليا للعراق وأعطت رسالة للعالم أجمع أن عراق 2021 يختلف عن عراق 2003 أو ما قبلها، وعلى المستوى الاقتصادي قد تساهم الزيارة في تنشيط السياحة بالذات في المناطق الأثرية التي زارها البابا وجعلها هدف سامي وأسماها حج مكان مولد أبو الأنبياء نبي الله إبراهيم (عليه السلام)، وعلى المستوى الاجتماعي قد تساهم الزيارة في التماسك المجتمعي بين جميع أفراد المجتمع العراقي على اختلاف تنوعهم الديني، وعلى المستوى الثقافي قد تشجع الكثير من المهتمين بدراسة الآثار لغرض التنقيب في مدينة أور وبيان الكثير من الحقائق عن هذه المدينة الأثرية المهملة.

وقبل الدخول بالتفاصيل لابد من توضيح مسألة مهمة تتعلق بالبابا ذاته، فهو شخص وبشر عادي ليس فيه مميزات نبي أو رسول بل مكانته مهمة بالنسبة للمسيحيين وللعالم أجمع، لذلك فأن الاهتمام هو ليس لكونه عالم من علماء الدين المسيحي فحسب، بل الاهتمام كونه يمثل أعلى سلطة روحية للمسيحيين الذين يشكلون أكبر ديانة في العالم من حيث نسبة عدد سكان العالم، وهذا التوضيح جاء للرد على كل شخص يعترض على المبالغة بالاهتمام أو يقلل من أهمية الزيارة إلى العراق.

أكثر الأسئلة إلحاحاً هو لماذا هذا التوقيت بالذات؟ وما هي دلالات هذه الزيارة؟ وما هي غاياتها؟ هل تمت بناء على دعوة عراقية أم كانت رغبة بابوية؟، وغيرها من الأسئلة الأخرى المتفرعة عن ذلك؟.

الجواب باختصار عن بعض الأسئلة المثارة أعلاه، إن الزيارة هي رغبة بابوية وليست دعوة عراقية، وهي بمثابة رسالة للمسيحيين في العالم، رسالة غايتها إعادة الثقة بالفاتيكان والبابوية كونها لازالت تعمل من أجل خدمة المسيحيين وأن البابا لازال مخلص للقضية المسيحية في جميع بلدان العالم ويحاول أن يتابع أحوالهم في جميع بقاع الأرض حتى في الأماكن الساخنة والخطرة امنياً، وهي كذلك رسالة اطمئنان للمكون المسيحي في العراق والرغبة بضرورة رجوع المسيحيين الذين غادروا العراق والمحافظة على وجودهم في بلدهم الأصلي، حيث أن البابا أشار إشارات واضحة أن العراق هو مهد الأديان لاسيما الدين المسيحي، ويمكن تلمس بعض الدلالات منها، زيارة مدينة أور للدلالة على أن المسيحيين هم أصلاء في هذا البلد تاريخياً وحضارياً، وزيارته إلى المرجع الديني السيد علي السيستاني، كون أن الأخير له فتاوى كثيرة تحمل في طياتها مواقف إنسانية أخوية تجمع بين مكونات الشعب العراقي، لذلك فهو يبحث عن دعم ديني إسلامي لغرض إرجاع المسيحيين الذين هجروا أو هاجروا من العراق، لذلك أنا اعتقد أنه ينتظر فتوى من السيد بخصوص ذلك، والدليل انه ركز في زيارته على الموصل ومناطق تواجد المسيحيين هناك.

ما يخدم العراق بشكل مباشر ليس الدخول في سجالات تخص بيان أسباب التوقيت وليس المهم  الدخول في خلافات عميقة حول دلالات الزيارة بين مؤيد ورافض، بل المهم والضروري اغتنام الفرصة الجوهرية من الزيارة، ويجب استثمارها بما يخدم مصالح العراق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً بل وحتى دينياً من خلال الانفتاح والتواصل مع أعلى سلطة روحية في العالم المسيحي.

ما يؤشر على برنامج زيارة البابا نجده اخذ بنظر الاعتبار الاهتمامات المكانية والدينية والتاريخية، وقد تم اختيار الكلمات بدقة لكي توجه رسائل واضحة للداخل العراقي والعالم أجمع، فقد تمت الإشارة إلى العراق بأنه بلد الحضارات وإلى العراق ببلد التنوع الديني، والأهم من ذلك أعطت الزيارة طابع ايجابي للعالم اجمع بأن العراق أصبح بلد آمن خلاف ما تصوره بعض الجهات الإعلامية الخارجية والداخلية الإقليمية والدولية من أن العراق كان وما زال ساحة حرب مشتعلة لم تتوقف لغاية الآن.

إجراءات استقبال الزيارة من قبل الحكومة كانت ممتازة، لكن السؤال الأهم والأبرز: هل ستكون إجراءات الحكومة ما بعد الزيارة بنفس الهمة والعزيمة؟، ثم التساؤل الأبرز: هل هناك فرص ممكن استثمارها؟ وما طبيعتها؟ وهل الحكومة وحدها مسؤولة عن تنفيذ الإجراءات المقترحة؟.

في عالم السياسة يفترض أن تستثمر جميع الفرص وتوظيفها بما يخدم المصلحة العامة، ولذلك يجب أن تترجم جميع النقاط الإيجابية بما يخدم العراق، وخلاف ذلك سوف تصبح الزيارة إجراء بروتكولي بين دولتين (الفاتيكان – العراق)، لكن عندما تستثمر الزيارة تصبح ليست مجرد إجراء بين دولتين بل رسالة سلام ومحبة بين حضارتين (الغرب والشرق) وأكبر ديانتين (المسيح والإسلام).

لذلك فالعراق اليوم مطالب باستثمار هذه الزيارة والعمل الجاد من اجل استثمار أي فرصة تنتج عنها، والإجراءات يجب أن تتعاون في تنفيذها جميع المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية كلا بحسب وظيفته، صحيح أن السلطة التنفيذية يقع عليها العبء الأكبر بحكم صلاحياتها التنفيذية لكن هناك ضرورة للتعاون بين المؤسسات فضلا عن ضرورة مشاركة مؤسسات المجتمع المدني بكونها حلقة وصل بين المجتمع والسلطة.

ويمكن تحديد عدد من الإجراءات التشريعية والتنفيذية المهمة التي من الممكن القيام بها بعد الزيارة لغرض الاستفادة من هذا الحدث وعدم الاهتمام بالحدث الآني فقط بل يجب أن يكون تبعاته الايجابية مستمرة ويمكن أن نحدد الإجراءات بحسب الاختصاص كما يلي:

1- سياسياً على الحكومة العمل بعقد مؤتمرات دولية للحوار، ومن الممكن عقد مؤتمر وطني محلي ثم مؤتمر دولي شامل واعتماد توصيات تلك المؤتمرات بما يحقق الوحدة الوطنية بين الأديان والقوميات والمذاهب في العراق، والأهم في عقد تلك المؤتمرات أن لا تكون بروتوكولية إعلامية كما حدث مع مؤتمرات سابقة، بل يجب أن تكون مؤتمرات حقيقية يدعى فيها كل من يختلف ويؤمن بالحوار، الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، لكن المستثنى يجب أن يكون لكل من يتبنى العنف ويرفض الحوار، لكن هذا لا يعني أن يدعى المتحابون المتصالحون بل المختلفون فكرياً لكي تتحقق هذه المؤتمرات نتيجة ملموسة على أرض الواقع، لأن فشل أغلب المؤتمرات سابقاً سببه الرئيس أن جميع من يحضر هو ليس لديه فكرة مناقضة بل الجميع لهم أفكار متشابهة ومتفقون في كل شيء، بل في بعض الأحيان تكتب توصيات المؤتمر قبل انعقاده.

2- سياسياً على الحكومة استثمار زيارة البابا لمدينة الموصل المدمرة حيث مضى أكثر من أربعة سنوات على تحريرها ولكن لغاية الآن لم تعمر والأنقاض تملئ الشوارع والأزقة والأدهى من ذلك البعض يتحدث عن جثث لغاية الآن تحت الركام، لذلك بالإمكان استثمار هذه الفرصة لغرض الإعمار من خلال الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي سريع لغرض إعادة الإعمار خاصة وأن الدول المانحة ستكون أكثر حماساً ما بعد الزيارة، ويمكن إعطاء الدول المانحة الحرية في إعادة البناء بطريقة التنفيذ المباشر لكي يتم تجاوز البيروقراطية ويعطي المصداقية والشفافية في صرف الأموال فضلا عن سرعة التنفيذ.

3- تشريعياً على البرلمان إصدار قوانين تساهم في تحقيق المصالحة والسلم المجتمعي وتجرم المساس أو الازدراء من الأديان أو القوميات أو المذاهب أو الأثنيات، يجب أن يجرم كل من ينتقص من الآخر المختلف، ويمكن أن يسمى (قانون حظر الازدراء من الأديان والقوميات والمذاهب).

4- دينياً يفترض بدواوين الأوقاف أن توجه العاملين بالمساجد والجوامع والحسينيات على الأهمية بالدعوة إلى الوحدة والتسامح وضرورة تنظيم ورش عمل تبين مدلولات الموقف من الآخر وفق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، فالإسلام يؤمن بالآخر المختلف فكرياً ودينياً وليس لديه مشكلة مع الأفكار بل المشكلة الحقيقية التي تواجه الدين الفهم الخاطئ أو التوظيف المقصود والتعامل بانتقائية مع بعض الآيات أو الأحاديث.

5- اقتصادياً ضرورة استثمار زيارة البابا لمدينة أور القديمة في محافظة الناصرية، حيث بالإمكان جعل هذا المكان السياحي الأثري التاريخي المهم محط أنظار العالم وقبلة السائحين، فهو ليس أقل شأناً من الأهرامات في مصر، واستثمار هذه الفرصة السياحية ستكون في بناء بنى تحتية مهمة للسائح تكون قريبة عن المعالم الأثرية (فنادق، مطاعم وغيرها) فضلا عن ضرورة دعوة شركات متخصصة لغرض التنقيب والاستكشاف لغرض تطوير هذا المَعلم التاريخي المهم ليس على المستوى المحلي ولا الإقليمي بل على المستوى العالمي.

6- ثقافياً بالإمكان عقد مؤتمرات علمية متخصصة في الجامعات والكليات العراقية لغرض كتابة بحوث رصينة عن المدن التاريخية والأثرية في العراق، والبحث عن الأماكن غير المكتشفة أو التي لم تنقب بشكل جيد، لغرض تثبيت هذه الحقائق وفق منهج علمي رصين وبالتالي سوف يعرف العالم حقيقة هذه الآثار عن نشر تلك البحوث في المجلات العلمية في خارج العراق.

في خاتمة القول: لابد من التأكيد على أن الأمر المهم ليست الزيارة بقدر أهمية ما بعد الزيارة، حيث ترك مرور هذه الزيارة دون استثمار وكسب الوقت يجعل منها خبر عابر سوف ينتهي  وجوده في الصحف والإذاعات ووسائل الإعلام بعد مرور أقل من شهر، لكن العمل الجاد لعدد من الإجراءات المرتبطة بأبعاد الزيارة يجعل منها فاتحة خير للعراق أمام جميع دول العالم.

............................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات