تحظى زيارة البابا فرانسيس المرتقبة للعراق باهتمام محلي وعالمي واسع؛ نظرا لما تحمله من دلالات ورسائل مهمة, فهي تمثل من جهة دعما دينيا لمسيحيو العراق كونهم مكونا أصيلا من مكونات المجتمع العراقي, ومن جهة أخرى تمثل دعوة لالتقاء الأديان السماوية لما تحمله من مشتركات تعكس قيم الحوار والسلام والتعايش السلمي والدعوة للوسطية والاعتدال.

وسواء تمت في موعدها المحدد أو تأجلت, وبغض النظر عن جوانبها الدينية والإنسانية, فأن تلك الزيارة ستسلط الأضواء على العمق الحضاري للعراق والبعد العالمي لهذه الحضارة بجوانبها الدينية والأثرية, فبرنامج الزيارة يشمل مواقع ومناطق تاريخية عديدة تحتضنها أرض العراق والتي تعود إلى ما قبل التاريخ, من أور جنوبا إلى أربيل وسهل نينوى شمالا مرورا بالنجف الأشرف وإنتهاءً بكنائس بغداد وآثارها.

ويعد ذلك بمثابة فرصة ثمينة لابد للعراق أن يستثمرها ويجعلها نقطة انطلاق نحو القوة الناعمة, ومشروع للنهوض بدور جديد يجسد حضوره الحضاري في المنطقة والعالم, مستغلا المواقع التاريخية والأثرية التي يمكن أن تحسن موقعه العالمي ليصبح العراق منارا للرقي ونموذجا يحتذى به ويغادر الصورة النمطية التي ارتبطت بالضعف والعنف والحروب.

والقوة الناعمة أسلوب معاصر تلجأ إليه الكثير من الدول على اختلاف قدراتها وإمكانياتها وطبيعة ظروفها, لتنفيذ سياستها الخارجية وتقديم مشروعها الحضاري للعالم، ويستخدم هذا المصطلح كتعبير واضح عن الأساليب والطرق والاتجاهات التي تمارسها الدول والشعوب والمجتمعات من أجل التأثير والجذب, وهي في ذات الوقت أدوات تسهم في تجسيد مبادىء وقناعات وقيم تلك الدول والمجتمعات, ومن أبرز تلك الأدوات: الآداب, المسرح, الفولكلور, السياحة, الثقافة والفنون, المهرجانات, الاقتصاد المعرفي, أنواع الأطعمة والملابس وغيرها.

وأول من استخدم مصطلح القوة الناعمة جوزيف ناي أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد في ثمانينيات القرن المنصرم وذلك للتعبير عن القدرة على الإقناع أكثر من الإجبار والقوة الصلبة، واستطاعت دول عديدة كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا, أو اقل من ذلك كالهند وفنلندا وإمارة دبي, اللجوء إلى وسائل وأدوات القوة الناعمة لتصبح منارا للرقي ونموذجا حضاريا تحتذي به دول العالم.

ومثلما نجحت تلك الدول في استخدامها للقوة الناعمة, فأن الفرصة مؤاتية للعراق لتحسين صورته الذهنية, والتأثير على الرأي العام في الداخل والخارج على حد سواء عن طريق بناء انطباع آخر يتمحور حول العمق الحضاري العريق باستخدامه لإمكانياته اللامحدودة في هذا المجال، حيث تحتضن ارض العراق مواقع أثرية كثيرة لم تحظ بالعناية الكافية بسبب الظروف التي تعرض لها لاسيما في العقود الأخيرة.

وعليه ستفتح زيارة البابا الباب واسعا للعراق ليأخذ دوره الريادي في إعمار المناطق الأثرية المدمرة والعناية بالتراث والانجازات الحضارية ورموزها الشاخصة مع الترويج لها عالميا، كما يمكن أن تستثمر لإطلاق مشروع وطني تتضافر فيه الجهود الحكومية والشعبية يطالب بإعادة الآثار العراقية الموزعة في متاحف العالم بعد خلق البيئة الامنية المناسبة لذلك، والعمل على تشجيع علماء الآثار لاستئناف عملهم في البحث والتنقيب عن آثار حضارات العراق, لاسيما وأن كثيرا من أراضيه ما تزال بكرا وترفل بالآثار الثمينة, فضلا عن ملاحقة مهربي الآثار الذين استغلوا سيطرة داعش الإرهابي على بعض مناطق العراق, للمتاجرة بإرثه الحضاري وكنوزه الثمينة, ليترافق كل ذلك مع الاعتناء بالمواقع الأثرية وإنشاء المتاحف والاهتمام بمقتنياتها لتكون في المستقبل قبلة للزوار الأجانب وأداة جذب للسياحة, لتصبح بالتالي فرصة لتعزيز مصادر الدخل القومي ومغادرة الاعتماد على المصدر الواحد.

إن أرض العراق الغنية بمواقعها الأثرية والحضارية ضمانة أكيدة لنجاح المشروع, ولتحقيق نقلة نوعية في السياسة العراقية باعتمادها على أدوات ووسائل القوة الناعمة ومواكبة التطورات العالمية باستخدام السبل المعاصرة في تحقيق الأهداف الوطنية لاستعادة مكانة العراق ومركزه في العالم.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات