تعد منظمة حلف شمال الأطلسي (North Atlantic Treaty Organization) ومختصرها (NATO) منظمة عسكرية بإمتياز تأسست عام 1949 بناءً على معاهدة شمال الأطلسي المعقودة في واشنطن العاصمة الأمريكية في 4 مارس 1949، وهو نظام دفاعي جماعي اتفقت فيه الدول الأعضاء على الدفاع المتبادل للرد على أي هجوم من جهات خارجية، ومما أعطى قوة للمنظمة أن ثلاثة من أعضاءه هم أعضاء دائميين في مجلس الأمن الدولي، وهم كل من (الولايات المتحدة، فرنسا، المملكة المتحدة)، وعدد أعضاء الحلف 30 بلداً.

ومنذ تأسيسه لحد الآن اضطلع الحلف بالعديد من المهام، فعلى الرغم من كونه منظمة عسكرية إلا أنه في بداية تأسيسه كان منظمة تأخذ طابعاً سياسياً إلى أن حلت الحرب الكورية 1950 والذي رفع من عدد أعضاءه وتم بناء هيكلا عسكرياً تحت إشراف إثنين من القادة الأمريكيين، إلا أن الحلف لم يقم بأي عمليات عسكرية خلال الحرب الباردة، وبعد إنتهاء الأخيرة شاركت بأولى عملياتها بحرب الخليج الثانية وإخراج العراق من الكويت.

بالنسبة للعراق، يعد حلف الناتو من أهم المنظمات التي قدمت ولا تزال تقدم الدعم للعراق في مختلف مجالاته من ضمن بعثة التحالف الدولي في العراق، حيث تم في آب/أغسطس 2004 وبعد غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق تشكيل منظمة بعثات تدريبية تابعة لها، من مهام تلك البعثة مساعدة القوات العراقية وبالتعاون مع القوات المتعددة الجنسيات التي قادتها الولايات المتحدة لغزو العراق، حيث أنشأت هذه البعثة بناءً على طلب من الحكومة العراقية المؤقتة بموجب أحكام قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المرقم 1542.

في الآونة الأخيرة وتحديدا في يوم 18 من الشهر الجاري، أعلن الأمين العام لحلف الناتو (ينس ستولتنبيرغ) أصدر الحلف قراراً بزيادة تعداد أفراد بعثته في العراق بثمانية أضعاف، وجاء هذا الإعلان إثناء مؤتمرا صحفياً عقده الأمين العام في ختام اليوم الثاني من إجتماع وزراء دفاع الناتو والذي عقد في بروكسل، حيث قضى القرار بزيادة عدد أفراد بعثة حلف شمال الأطلسي في العراق من 500 إلى 4000 شخص.

كان من أهم مبررات زيادة تعداد أفراده حسب إعلان الأمين العام للحلف:-

1. التأكد من عدم عودة داعش وإنتشاره في العراق.

2. إدخال المزيد من المؤسسات الأمنية العراقية والمناطق خارج العاصمة العراقية إلى برامج التدريب.

3. أن زيادة تعداد البعثة سيأتي بشكل تدريجياً وتباعاً وحسب الحاجة لذلك، ويلتزم ويعزز سيادة العراق ووحدة أراضيه.

إلا أنه وبعد يومين من إعلان الأمين العام لحلف الناتو برفع عديد أفراده في العراق من 500-4 الآف، نفى العراق وعلى لسان مستشار الأمن القومي قاسم الاعرجي أن تكون بغداد اتفقت مع حلف الناتو على زيادة عدد أفراده في العراق، حيث شدد على عدم وجود مثل هكذا اتفاق، إلا أن وزير الدفاع الأمريكي (لويد أوستن) قد بحث في وقت سابق مع نظرائه في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مسألة الوجود العسكري في العراق، مشيرا إلى أهمية تلك المهام وعدم سهولتها، كما أضاف أوستن من خلال مؤتمر صحفي سابق أن بلاده ملتزمة بالقضاء على تنظيم داعش في العراق وبمساعدة القوات العراقية على المدى البعيد، مؤكدا أن هذا الإلتزام قد عبر عنه خلال محادثاته مع نظيره العراقي بعد الهجوم الصاروخي التي شهته مدينة أربيل، حيث لفت أوستن بترحيب من قبل بغداد حول تمديد مهام الناتو في العراق والتي تلبي رغبة الحكومة العراقية وتوجهاتها، (دون أن يذكر بشكل صريح تمديد المهام مع رفع عدد أفراده من عدمه وهو مؤشر إلى عدم رغبته بمناقشة ذلك مع الجانب العراقي، وتفضيل مناقشة الأخير مع ممثل الحلف في العراق).

من كل ماذكر، نجد أن إزدياد تعداد أفراد الحلف مبني على خطة أعدت مسبقاً من أجل تعزيز إنتشاره وتوسيع مهامه، وهذا لا يمكن أن يتم إلا برعاية وموافقة مسبقة من الإدارة الأمريكية والتي تشكل القوة الأكبر في الحلف، وهذا الأمر سيعود بنا بالضرورة إلى الأسباب الرئيسية لإتخاذ هكذا قرار وتزامناً مع الإستهداف المتكرر للبعثات الدبلوماسية ومقار التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وإلا لماذا جاء الإعلان عن ذلك بعد اليوم الثاني من إجتماع وزراء دفاع الحلف في بروكسل، وبعد الإستهداف الأخير من قبل جماعات مسلحة لمطار أربيل والذي يعد جزء كبير منه مقراً للتحالف الدولي. إلا أن السؤال الأهم هنا والواجب طرحه، ما الغاية من ذلك كله؟.

لذا ومن خلال كل ماذكر، نرى أن هناك جملة أسباب تقع وراء إتخاذ حلف الناتو مثل هكذا قرار وأهمها:-

1. إشارة الأمين العام للحلف بتوسيع رقعة عمل الحلف وبرامج تدريبية ليشمل مناطق خارج العاصمة بغداد، وهذا يعطي بعداً أمنياً بضرورة تأمين المناطق التي تنطلق منها الصواريخ التي تستهدف البعثات الدبلوماسية.

2. مقبولية توسيع مهامها وإنتشارها أكثر من القوات الأمريكية بالنسبة للقوى السياسية المحلية والإقليمية، حيث إتخاذ مثل هكذا قرار سينهي الجدل حول الكيفية التي سيتم إتخاذها من قبل التحالف الدولي لحماية البعثات الدبلوماسية ومقراته داخل العراق.

3. جاء التوسيع بالتزامن مع قرب الإنتخابات المبكرة المزمع إجراءها، وهذه رسالة بحد ذاتها من أجل توفير حماية موسعة للإشراف التي ستقوم به الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى على الإنتخابات.

4. توسيع مهام وأفراد حلف شمال الأطلسي البديل الأمثل للقوات الأمريكية على الرغم من أن الأخيرة تعد أحد الأعضاء الرئيسة للحلف، إلا أنه بالنسبة لبعض القوى الإقليمية استخدام جنسيات أخرى من غير الأمريكيين في عمليات تدريب وتقديم الدعم اللوجستي للمؤسسات الأمنية والعسكرية، الحل الأفضل حول إنهاء إشكالية تقليص مهام انتشار القوات الأمريكية ضمن التحالف الدولي وتواجده في العراق وانحساره، وأن بدا ذلك ظاهرياً.

وعلى حد سواء، مهما كانت الأهداف المفترضة من زيادة عديد أفراد حلف شمال الأطلسي في العراق، فإن الغاية المرجوة منها تحقيق أهدافه هي التي تحدد نجاح أو فشل القضية المقترحة برمتها، وهذا يتطلب منا ترقب ما إذا كانت عمليات الإستهداف الممنهج للسفارات ومقار البعثات الدبلوماسية في بغداد وأربيل سوف تقل أو تزداد، على الرغم من إعتقادنا المحض أن زيادة عديد أفراد حلف شمال الأطلسي في العراق جاء من ضمن إطار ممنهج شبه متفق عليه من قبل الأعضاء الأوروبيين الموجودين في الحلف والذين يتولون رعاية الإتفاق النووي الإيراني (5+1)، وضرورة العودة للعمل به من أجل إيجاد أرضية مشتركة للتقارب بين إيران والولايات المتحدة، والذي يعد صمام أمان لإنهاء إستهداف المقار والبعثات الدبلوماسية واستهداف قوات التحالف الدولي المستمر بقيادة الولايات المتحدة، حيث يعد الكثيرين أن عمليات الإستهداف المستمر جاءت للضغط على الولايات المتحدة من أجل العودة إلى الإتفاق النووي الذي عقد في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما الديمقراطي والذي تم إنهائه من قبل دونالد ترامب الجمهوري، لذا يتطلع الكثيرون من الأطراف الإقليمية والدولية العودة إلى الإتفاق في ظل وجود الرئيس الديمقراطي جو بايدن.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات