يمثل بابا الفاتيكان أعلى سلطة دينية في الديانة المسيحية وللعالم المسيحي، وهذه السلطة تعادل المرجعية الدينية العليا على مستوى المسلمين الشيعة، والمفتى أو شيخ الإسلام على مستوى المسلمين السنة، ومن المعروف أن هذه السلطة ليست وليدة اليوم، وإنما ترجع إلى عصور خلت حيث مثلت الكنيسة بعد انتشار الدين المسيحي عمقا إيديولوجيا في عموم بلاد الغرب، وعمقه في ما يعرف آنذاك بالإمبراطورية الرومانية في مدينة روما الإيطالية، وكانت سلطة البابا كحكم الكنيسة أو رجال الدين، الكهنوتية، تجمع ما بين السلطتين السلطة الروحية الدينية من جانب، وسلطة الزمنية أو السياسية من جانب ثاني، وكانت تمثل في تلك العقود حتى أعلى من السلطة الزمنية السياسية بل كانت السلطة السياسية تأتمر بسلطة الكنيسة.

وقد تأصلت هذه الاطروحات الدينية في مدونات كتبت في تلك الحقبة ذاتها ومنها ما سمي بنظرية السيفين (للجلاسيوس الأول) التي ترى أن هناك سيفين: سيف للسلطة الدينية، وسيف للسلطة السياسية، والأخير يكون بأمرة السلطة الدينية، ويقترب منه في بعض الوجوه كتاب مدينة الله (للقديس أوغسطين)، القائمة على أساس وجود عالمين أو مدينتين مدينة الله وهي السلطة الدينية والروحية، ومدينة الدنيا وهي السلطة السياسية، وأن ما بين هاتين المدينتين صراع أزلي ما بين الخير والشر، الأولى بنظر القديس أوغسطين تمثله الكنيسة والثانية تمثله السلطة السياسية أو مدينة الدنيا، لكن القديس أوغسطين يعتبر أن الإنتصار يكون لصالح سلطة الخير الذي تمثله الكنيسة، هذا الجمع ما بين السلطتين الذي أستمر أكثر من خمسة عشر قرنا كان لها آثار سلبية بنظر مفكري عصر الإصلاح وما بعدهم، فنظمت سلطة الكنيسة بعد ذاك وحصرت صلاحياتها في السلطة الروحية فقط ولها الرمزية الدينية والصلاحيات الكاملة في ذلك، وتتمتع بالشخصية المعنوية مما يعطيها تعامل قانونية الدولة لكن فقط على المستوى الديني لإتباع الديانة المسيحية الكاثوليكية، ولأنها تعد الفاتيكان دولة يرأسها حالياً (البابا فرنسيس 1936م) وهو بالترتيب  السادس والستون بعد المائتين.

هذه الدولة تشرف على الجانب الروحي لكل المسيحيين في العالم ولها سفراء في كل دول العالم، ويقابله تمثيل دبلوماسي كسفراء في الفاتيكان، والبابا لا يقتصر نشاطه الديني والاجتماعي على مستوى الداخل في الفاتيكان، بل يقوم بين الحين والآخر بزيارات رمزية إلى هذا البلد أو ذاك، وقد سمعنا منذ سنوات أن البابا لديه رغبة كبيرة في زيارة الدولة العراقية لكن الظروف والوضع الأمني حال دون ذلك، ربما هو السبب المباشر بالتأجيلات المتكررة، ومع مطلع هذا العام أعلن الفاتيكان بأن سيادة (البابا فرانسيس)، سيزور العراق بصورة رسمية معلنا عن إرساله وفداً رسمياً لزيارة العراق وتحديد الأماكن والشخصيات التي سيلتقيها البابا في العراق، وقد بدأ هذا الوفد زيارته لمدينة النجف مما يؤكد على أن البابا في زيارته سيعمد إلى زيارة المرجعية الدينية العليا بزعامة السيد علي السيستاني في المدينة، إذ أن الفاتيكان يعتقد أنها تمثل العمق الروحي للمسلمين الشيعي في العراق والعالم، كما سيكون الأمر نفسه في زيارته لبغداد ومدينة الناصرية حيث المعالم التاريخية، وأرث (النبي إبراهيم الخليل)، وكذلك زيارة مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق.

لكن السؤال الأهم هنا ماذا ستمثل هذه الزيارة لعراق الدولة والمواطنين؟، مثلما أشرنا إلى أن البابا يمثل سلطة روحية عليا ولها عمق روحي وديني واجتماعي وحتى سياسي عند أغلب الدول لاسيما الدول الغربية ومن ضمنها الولايات المتحدة، حيث أغلب الناس هناك على الديانة المسيحية وللجانب الروحي أثر كبير ما بين الغرب والعالم العربي خاصة الاهتمام بالمواطنين العرب المسيحيين، أما بالنسبة للعراق فزيارة بابا الفاتيكان تعني له الكثير وتكمن وجوه هذه الرسالة من عدة نواحي أهمها ما يلي:

أولاً: الاعتراف المتبادل بحوار الأديان والمذاهب الذي تعرض في السنوات الأخيرة إلى صدمات كثيرة بعد بروز الإرهاب وتنكيله بالمواطنين الأقل عددا دينيا وعرقيا وتهجيرهم من محل سكناهم تاريخيا.

ثانيا: تعطي مكانة لعراق التعددي أمام البلدان لاسيما العالم الغربي أي أن الزيارة حتما ستبرز أن في العراق تعدديات دينية وقومية وهم جزء أساسي ورئيس من مكونات هذا البلد ولا تخفي الحكومة العراقية من أن تسهم الزيارة في تحقيق استقرار سياسي واجتماعي داخل العراق.

ثالثا: تساهم الزيارة من نظرة العوالم الأخرى للعالم الإسلامي خاصة الشيعي منه، إذ أن هناك فجوة صنعتها بعض الدوائر الإعلامية والمخابراتية والدينية والسياسية إقليميا في تشويه بعض الأديان والمذاهب في العراق واتهامهم بشتى التهم واللحاق الأباطيل بحقهم فزيارة البابا هنا للمرجعية الدينية العليا قد يضفي صفة الاعتراف الرسمي بهذه الطائفة.

رابعاً: تساهم في تنشيط السياحية التاريخية والدينية خاصة بعد إعلان وفد البابا بزيارته إلى مواقع دينية تأريخية في عدة محافظات ومنها مدينة الناصرية في جنوب العراق ومن خلال الزيارة قد يتعرف العالم على هذه المواقع التي تكاد تكون مهمولة وغير معروفة لدى أغلب مجتمعات العالم.

خامساً: ترسيخ قيم المواطنة واحترام حقوق المواطنين الأقل عددا كالمسيحيين والصابئة واليهود وغيرهم.

سادساً: الأبعاد السياسية كالمساهمة في تغيير نظرة الإعلام العالمي والإقليمي للعراق خاصة فيما يتعلق بالوضع الأمني.

هذه المقومات صحيح ممكنة تحقيقها بكل انسيابية بعد الزيارة لكن تحتاج إلى رؤية إستراتيجية من قبل السلطات العراقية، وإلا قد لا تأتي مرحلة مابعد الزيارة بالنتائج المرجوة فيما بعد، خاصة وأن العراق مر بتجربة مماثلة في بعض الوجوة مثل تصنيف اليونسكو التابعة للأمم المتحدة لمدن ومناطق وأماكن كالأهوار في جنوب العراق على لائحة التراث العالمي، لكن في ظل انعدام البيئة المناسبة للسياحة وغياب الإعلام السياحي الوطني لم يحقق العراق أي تقدم يذكر وبقى الوضع على ما هو عليه في تنشيط الجانب السياحي في تلك المناطق.

ومما تقدم نستطيع القول: "إن زيارة البابا للعراق إذا ما تحققت فعلا بعد أن تبين رغبة بابا الفاتيكان من خلال إرسال الوفود التحضيرية، ولابد للسلطات العراقية والقوى السياسية والدينية أن تعمل أولا جاهدة على إنجاح هذه الزيارة التي يمكن وصفها بالتاريخية من خلال تشكيل اللجان المختصة بذلك، وإيصال رسالة للعالم بقدرة العراق على تنظيم زيارات من هذا النوع لتكون بادرة أولى لزيارات أخرى من شخصيات عالمية، تضاف إلى الزيارات المليونية للعتبات الشيعية المقدسة، وكذلك إيصال رسائل مهمة للناس الراغبين بزيارة العراق للسياحة الدينية والسياحية من مختلف الأديان والمشارب والبلدان".

فإذا نجحت السلطات العراقية بذلك وفق روية وخطط إستراتيجية تتضمن الجانب التطويري وخلق البيئة السياحية المناسبة سيحقق العراق تقدما على المستوى الدولي ومن ثم سيحقق تقدما اقتصاديا يقوي من اقتصاده الأحادي المعتمد على الجانب الريعي النفطي فقط، بعد أن عجزت السلطات على الحفاظ على الاقتصاد الزراعي والصناعي.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات