قضايا محلية

المشاهد المستقبلية للحشد الشعبي في ضوء المتغيرات الخارجية والداخلية

     يرتبط الحشد الشعبي العراقي بواقع الأمن الوطني في ظهوره إضافة إلى واقعه السياسي الذي عزز هذا الظهور، ولهذا تباينت المواقف إزاءه قبولا ورفضا، مما زاد من الاهتمام في استشراف مستقبله في الواقع السياسي والأمني في العراق، وفقا للظروف والمعطيات والمتغيرات الداخلية والخارجية بشكل يضع مشاهد متباينة إزاء ذلك وكالآتي:

أولا: المتغيرات الخارجية

عند وضع المشاهد المستقبلية للحشد الشعبي في سياق الاستشراف يواجه ذلك المتغيرات الخارجية الإقليمية والدولية، والتركيز هنا ينصب حول موقف الولايات المتحدة الأمريكية كمتغير رئيس وأساس بعد وصول الرئيس الديمقراطي جوزيف بايدن للبيت الابيض، فمن المعروف أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تبنى مقاربة متشددة إزاء الحشد الشعبي العراقي وعمد إلى توجيه ضربات عسكرية مباشرة إلى مقاره ومشاجبهِ واستهداف قادته، كجزء من مقاربته المتشددة إزاء إيران، وتم ربط كل سياساته وتصريحاته بإنهاء وإضعاف الحشد الشعبي عسكريا وسياسيا وحتى اجتماعيا في قبالة أي تفضيلات إيجابية أو دعم محتمل يقدم للعراق وقادته وساسته.

من المتوقع أن يتبنى الرئيس المنتخب بايدن نهجاً مغايرا إلى حد ما تجاه الحشد الشعبي وإيران وكل محور المقاومة، لأن وجوده كنائبا سابقا للرئيس أوباما لثمانية سنوات كان مبنيا على نهج ورؤية ومواقف وسياسات أقل ضغطا طيلة مدة حكم الإدارة الديمقراطية، وكان هذا النهج أكثر تفهما للواقع السياسي والعسكري والأمني لإيران بشكل عام في منطقة الخليج، فإيران تمتلك أدوات ردع فاعلة وأذرع قوية لاستهداف مصالح حيوية لواشنطن وحلفاءها في المنطقة، إضافة إلى معرفتها بعدم فاعلية سياسة الضغوط القصوى التي مارستها إدارة الرئيس السابق ترامب ضد إيران ومحور المقاومة والحشد الشعبي في الإضعاف والاستهداف بالمستويات كافة.

قد يجرب بايدن بعض الخيارات التي لجأ إليها سلفه تجاه الحشد الشعبي، في حال استمرار تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة، ولكن لن تتعدى هذه الخيارات العقوبات الاقتصادية والتضييق السياسي، مع استبعاد الخيارات العسكرية المباشرة أو غير المباشرة إلا في حالة صد هجوم أو تحول التهديد إلى واقع.

ترجيح الاحتمال الأول أقوى، وهذا ناتج من المؤشرات الأولية لرؤية بايدن في التعامل مع المحور بشكل عام حينما عمد إلى تجميد العقوبات ضد حركة أنصار الله اليمنية لإعطاء فرصة للحوار وحل أزمة اليمن، وفق الطرق السياسية ومحاولة تحييد التحالف العربي بقيادة السعودية لاستهداف الحركة في صنعاء، وذلك بعد أن صرحت مصادر أمريكية رسمية في البيت الأبيض وحتى الكونغرس بضرورة مراجعة صفقات بيع السلاح للسعودية وإعادة تقييمها وفقا للاحتياجات الواقعية وضرورة إرساء الاستقرار في المنطقة.

هذا يؤشر على أن واشنطن الآن بصدد إعادة فتح قنوات الحوار والتفاوض مع إيران لغرض العودة إلى تفعيل الاتفاق النووي المعروف بخطة العمل المشتركة 5+1، وهذا يشمل تخفيف الضغوطات ضد الحشد الشعبي لكن بشكل تدريجي مع إبقاء الخيارات الاقتصادية المتعلقة بفرض عقوبات على قادة الحشد الشعبي وحركة تسليحه وتمويله قائمة لكن دون استهدافه أو التركيز على إنهاء وجوده باعتباره جزء من الأمر الواقع.

وفق هذه المقاربة، فأن الدول الخليجية الحليفة لواشنطن لن تكون سعيدة، لكنها مضطرة أن تعمل وفقا لها، وقد تلجأ إلى اجتراح سياسات ومواقف أقل تشددا تجاه الحشد الشعبي وإيران في هذه المرحلة تحديدا في السنة الأولى من ولاية بايدن، لكن في كامن الدول الخليجية وتحديدا السعودية والإمارات والبحرين عداء مستحكم اتجاه إيران، ولديها مخاوف حقيقية على مصالحها ووضعها الداخلي، ولهذا ستستخدم وسائل ضاغطة ومغرية لتقليص أي تسامح أمريكي محتمل تجاه إيران والحشد الشعبي. فهي تمتلك مجموعة من الأدوات المتمثلة بشركات علاقات أمريكية وصحف ومواقع عالمية إضافة إلى دبلوماسية الشيكات (المال السياسي)، تحركها لتوجيه المسارات الأمريكية وفقا لمصالحها.

بالمقابل بايدن لا يريد صلحا أو تقاربا خليجيا مع إيران عمليا؛ لأنه يفقد إدارته لقنوات ومنافذ التدخل وفرض المصالح واستحصال المكاسب والمنافع والنفوذ بشكل مستدام، فكلما وجدت مؤشرات صراع وتنافس يسمح ذلك للإدارة أن تتدخل وتلعب أدوارا تدخلية وفقا لمصالحها ومصالح إسرائيل، فكما هو معروف أن منطقة الخليج بالنسبة لواشنطن منطقة نفوذ مهمة تفتقد إلى البنائية الوظيفية اللازمة، ولهذا لازالت تنظر إليها على أنها مناطق للوصايا الدولية ومحميات خاضعة لها، وهي لا تتعدى أن تكون خزان نفطي وسوق اقتصادي وفضاء مرن لتحقيق المصالح الأمريكية.

وفقا لذلك، فأن مستقبل الحشد الشعبي سيكون أكثر وضوحا بالبقاء والتمركز والتموضع في الواقع العراقي وسيفرض وجوده تبعا لاستمرار هذه المتغيرات ومخرجاتها المحتملة واردة الذكر، لكنه لن يتمدد أكثر أو يتسع تأثيره ولن تكون هنالك قاعدة صلبة مستمرة تساعد على ذلك طالما أن المتغيرات تتغير.

ثانيا: المتغيرات الداخلية

يرتكز استشراف مستقبل الحشد الشعبي وفقا للمتغيرات المحلية داخل العراق على موقف الحكومة العراقية الحالية والقادمة حسب إجراء الانتخابات البرلمانية ومخرجاتها، وأيضا وفقا لمواقف القوى السياسية الشيعية من الحشد الشعبي، هذه القوى تشهد انقسامات وصراعات وتقاطعات فيما بينها واحد أهم الأسباب هو الحشد الشعبي ومستقبله وتأثيره في العملية السياسية والواقع الأمني والاجتماعي في العراق.

حكومة مصطفى الكاظمي رغم أنها جاءت وفقا لاحتجاجات شعبية موجهة في جزء من مقاصدها ضد الحشد الشعبي إلا أنه لم يكن راديكاليا بشكل واضح ضد الحشد رغم أنه أقدم على بعض القرارات والسياسات التي تؤشر عدم اهتمامه بالحشد أو رغبته في تحييده وفرض سيطرته عليه، ومثال ذلك إعفاء فالح الفياض من مستشارية الأمن الوطني وعدم تحركه عند فرض عقوبات أمريكية عليه، إضافة إلى فعاليات حصر السلاح بيد الدولة التي شملت بعض الجهات المنضوية تحت راية الحشد ومقربة منه. كذلك تصريحاته التي يلمح بها ضد الحشد فيما يخص هيبة الدولة وحصر السلاح بيدها.

ولهذا يمكن القول، إن حكومة الكاظمي ونظرا لأن القوى السياسية الداعمة للحشد كانت جزء مهم في وصوله لرئاسة الوزراء لديها قدرة على تعويق إجراءاته وإضعاف أداء حكومته واستهدافه شخصيا، فهو لن يذهب بعيدا ضد الحشد، ولكنه يحتاج أن يتناغم مع القاعدة الجماهيرية والسياسية المضادة للحشد، ويسعى للبحث عن توازن في التعامل معه عبر التحفظ عليه والتلميح بانتقاده أحيانا والتسامح معه أحيانا أخرى.

أما استشراف موقف الحكومة القادمة من الحشد الشعبي فهذا يرتبط بنتائج الانتخابات وبيان ثقل الجناح السياسي للحشد من جهة، وثقل وقوة القوى السياسية التي تتبنى أجندات مضادة له من جهة أخرى داخل البرلمان والحكومة. فإذا كانت القوى المضادة وجودها فاعل وواسع وتعمل على التناغم مع المتغيرات الخارجية المضادة للحشد فأنه حتما سيتعرض سياسيا إلى انكسارات وضغوطات داخلية وخارجية تعمل على تقويض قوته، مما يؤدي إلى تصدعات وتصادمات يحسمها من بيده رئاسة الحكومة ومن يؤثر بها، ومدى الثقل السياسي الذي يحظى به لصالحه، ويتم وفق هذا المشهد تراجع قوة الحشد الشعبي وتحجيم شعبيته لأن المقترب السياسي يعمل على استدامة الحضور الشعبي الداعم والعكس صحيح.

أما السيناريو الآخر، هو محافظة الحشد الشعبي على حضوره السياسي نيابيا وتنفيذيا من خلال الاحتفاظ بقاعدته الانتخابية، وهذا يتساوق معه تنامي قدراته العسكرية والتسليحية والإعلامية وفي ظل ذلك فان استبصار مستقبل الحشد الشعبي سيكون واضحا باتجاه البقاء والتوسع وتزايد التأثير والفاعلية.

المؤشرات تدل على أن هنالك تراجعا في حظوظ الحشد الشعبي انتخابيا لوجود قوى جديدة تدخل للبرلمان تقضم من حصة الجميع، إضافة إلى طبيعة قانون الانتخابات المعقدة، لكن لا يعني ذلك أن حضوره السياسي والعسكري سينتهي لكن قد يتقلص نسبيا وتدريجيا، ولهذا فأن المتغير الداخلي الذي تمثله الحكومة القادمة ونتائج الانتخابات ومخرجاتها لن تكون مضادة للحشد بشكل واسع لكن موجات الرفض والاحتجاج ستكون أكثر حضورا وهذا يقابله تمتع الحشد بمقبولية وامتلاكه لأدوات المواجهة تعمل على توازن أوضاعه ووجوده واستعادة فاعليته وزخمه.

فيما يخص مواقف القوى السياسية الشيعية تحديدا من الحشد وتحديد مستقبله، فهي ترتبط أيضا بنتائج الانتخابات من جهة، وأيضا القدرات العسكرية والتسليحية لهذه الأطراف ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية منها، دعما واحتواءً ضد الحشد، إضافة إلى نتيجة التحالفات السياسية فيما بينها والموقف من الحكومة القادمة.

استنتاج طبيعة هذه المتغيرات وأثرها على مستقبل الحشد يرتبط بإدارة هذا الصراع الشيعي الشيعي بين الأطراف السياسية والذي أحد أهم مسبباته ومحرضاته هو الحشد وسلاحه وفاعليته.

من المرجح تصاعد وتيرة هذا الصراع بسبب الانقسامات السياسية وتقارب النتائج الانتخابية وتساوى الدعم الخارجي لهذه الأطراف، مما يعيق توصلها إلى ميثاق أو عقد سياسي يحافظ على وحدة البيت الشيعي، وهذا ينسحب صوب الفصائل المسلحة لجميع الأطراف التي تشكل توازنا في الامتداد والولاء والتأثير لكل طرف.

هذا يعني أن الحشد لن يشهد تراجعا ملحوظا يؤشر عمليا بقاءه مستقبلا لكنه سيتعرض إلى ضغوطات في الميدان السياسي والأمني والاقتصادي يؤثر على عمقه ويزعزع هيكليته التنظيمية باتجاه إنشطارات متلاحقة تسلط عليه من الفاعل السياسي التنفيذي إضافة إلى فصائل القوى الشيعية الأخرى التي من المتوقع أن تكون مقربة من الحكومة القادمة أكثر من الحشد الشعبي.

في النهاية وفقا لهذه المتغيرات والمعطيات والتوقعات، نستنتج انه ليس من المحتمل في المدى المنظور أن يتراجع الحشد أو يراهن على حله وإنهاءه، لكن سيتعرض للإضعاف وتقليص التأثير والعمق والفاعلية وتتزايد عليه الضغوطات والسياسات المضادة لتحجيمه، وهذا المتغير يرتبط في السياق الداخلي سياسيا وشعبيا مع امتلاكه عناصر الرد والبقاء والدفاع عن مكتسباته.

ولهذا فأن المشهد المتمثل بالحل والإنهاء والإضعاف لن يكون قريبا ولا في المدى المتوسط لكن على صعيد المدى الطويل وربطا بين هذه المتغيرات الداخلية والخارجية في حال ثباتها واستمرارها ضد الحشد الشعبي وقبل ذلك إيران وكل محور المقاومة، فأن الواقع سيفرض سيناريو التراجع المحدود الذي يتمثل بإعادة الهيكلة والتنظيم والأولويات ومحدودية الأداء، مما يدفع بالحشد ومن الآن بالتوجه صوب العمل المؤسساتي وإتباع السياقات القانونية ونهج المقاومة السياسية لترجمة قدراته في البقاء والاستمرار على حساب البعد الأمني والعسكري دونما افتقاد لهذا الخيار.

إن الحشد الشعبي استطاع أن يختبر الساحة الداخلية والخارجية إضافة إلى اختباره للساحة الأمنية والعسكرية ما سيدفعه إلى قراءة هذه المتغيرات والمعطيات بشكل يتفق ومصالحه مما يستدعيه لإعادة ترتيب أوضاعه ومراجعة أداءه والتكيف إزاء كل ذلك بما يعزز خياراته لتبني الطرق الرسمية وزيادة فاعلية العمل المؤسساتي وترصين أوضاعه القانونية وتقنين كل إجراءاته وفعالياته ضمن إطار القانون والنظام العام، ويعززه في ذلك التركيز على المقاومة السياسية المرتكزة على البعد القانوني والتشريعي الذي سيمارسه داخل البرلمان والحكومة والتأثير في الرأي العام بدلا من سلطة السلاح والنهج العسكري فحسب مع احتفاظه بهذا الخيار والعودة إليه لمواجهة أي تهديدات وجودية قائمة ومحتملة.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات