قضايا محلية

العراق: مائة عام على تأسيس دولته الحديثة

    يرجع تأسيس الدولة العراقية الحديثة إلى عام 1921 في جملة أحداث دولية، وداخلية، سياسية وعسكرية، ساهمت في ذلك التأسيس، وقد تكون هي أيضا السبب في رمزية ذكرى التأسيس، إلا أن العراق الكيان السياسي والجغرافي كما تشير كتب التاريخ شهدت أرضه استيطان عدد من الحضارات العرقية كالحضارة السومرية، والبابلية والكلدانية، وكان مركزا للخلافة الإسلامية في عهد الإمام علي (ع) في مدينة الكوفة، وكذلك مركزا للدولة العباسية في مدينة بغداد، ومن ثم للدولة البويهية والدولة العثمانية، وقد نجد تقابل في الأهمية العالمية لحضارات العراق القديمة حضارات تاريخية عريقة في دول أخرى كحضارة وادي النيل في مصر والحضارة اليونانية والحضارة الرومانية في الغرب والحضارات الفينيقية في بلاد الشام، وحضارة حضرموت القديمة في اليمن الحالية.

ساهم العنصر الخارجي المتمثل في الجانب السياسي والعسكري البريطاني لدى احتلاله للعراق كجزء من حالة التنافس مع الدول الغربية على بلدان العالم الإسلامي وعلى أنقاض الدولة العثمانية، وقد وضعت بريطانيا الدولة العظمى القوية آنذاك كيان الدولة الحالي من الناحية الجغرافية شمالا وجنوبا من خلال الاتفاقات السياسية مع الطرفين الحدوديين الكبيرين للعراق هما تركيا الكمالية، وإيران الشاهنشاهية، وكان لها أي بريطانيا الدور الأكبر في قيام النظام السياسي آنذاك وإقراره بالدستور الوضعي، وحاولت أن تؤسس لحياة سياسية قائمة على الانتخابات البرلمانية في اختيار السلطة التنفيذية المتمثلة في رئيس الوزراء في حين كان على رأس الدولة الملك وهي تجربة تشبه إلى حد كبير النظام السياسي في بريطاني، وهذه الحالة كانت سمة الدول الغربية في مناطق تنافسها، ومع صعود النزعة المعادية للنظام الملكي في العراق، أطيح به كليا في حادثة دموية قتل فيها أغلب أفراد العائلة المالكة، وأركان الحكومة آنذاك، ليؤسس مع عام 1958 نظاما سياسيا قائما على الحكم الجمهوري ذو النزعة الشمولية لينحدر هذا النظام إلى صيغة أكثر استبدادية ودموية مع صعود نظام حزب البعث بعد القضاء على حكم عبد الكريم قاسم ذو النزعة الوحدوية المواطناتية، وحكم الأخوين العارفين ذو الصبغة الدينية المحافظة، ولم تكن سمة الدولة العراقية في عهد البعث الصراعات الداخلية فحسب كما كان في نهاية العهد الملكي وحقبة حكومة عبد الكريم قاسم والعارفين وإنما أدخل نظام صدام حسين الدولة العراقية في صراعات خارجية بدأها من الحرب الثمان سنوات المتواصلة مع إيران، ومن ثم الحرب مع الخليج أثر دخول الكويت، ومن ثم تصاعد التوتر مع الجانب الدولي المتمثل بإسرائيل والولايات المتحدة تحت شعارات قومجية مثل تحرير فلسطين والقضاء على إسرائيل طوال عقد التسعينات، في الوقت الذي كانت الدولة العراقية تشهد انتفاضات شعبية خاصة في الوسط والجنوب والمحافظات الكردية في شمال العراق ضد النظام البعثي وتجابه بسياسة القمع والقتل والإعدام والمقابر الجماعية والمزيد من التضييق على الحريات الشخصية والدينية والفكرية،  إلى أن قررت الولايات المتحدة بقيادة جورج بوش الابن وحلفائه الدوليين في عام 2003 أن تغير النظام بقوة السلاح بدعوة تهديده للسلم الدولي وحيازة السلاح المحرم دوليا ودعم الجماعات الإرهابية، وبالنتيجة أدخلت الدولة منذ الحرب العراقية الإيرانية وحتى مرحلة ما بعد عام 2003 حالة من الفوضى والعبثية وصعود النزعات القبلية والطائفية والقومية على حساب المواطنة وتلاشت الطبقة الوسطى، وقد مرت الدولة العراقية في عقد الألفينات في بعض الوجوه ما يشبه مرحلة التأسيس فقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية بعد إسقاطها للنظام الدكتاتوري أن تؤسس إلى حياة ديمقراطية وكتابة دستور ضامن، لكنها في الوقت ذاته زرعت ما يعرف إرضاء كل الأطراف السياسية والمكوناتية على حساب الديمقراطية وسيادة القانون والمواطنة فصعدت عندنا حالة اللادولة على حساب الدولة المتمثلة بسيطرة قوى الفساد والفوضى وانتشار القبلية وفوضى السلاح، وهيمنة الأطراف الإقليمية ومحاولة جعل الدولة العراقية ساحة للصراعات الإقليمية بين الأطراف المتنافسة والمتحاربة.

هناك عدد من الآراء التي تحلل للجوء الولايات المتحدة الأمريكية إلى تعزيز هذه الخيارات منها:

إن الولايات المتحدة تدرك تعددية أطراف المجتمع العراقي فأرادت مشاركة الكل في إدارتها من خلال بناء نظام سياسي برلماني، وديمقراطية تقاسميه، جامعة لكل الأطراف السياسية الحزبية والمكوناتية، وبالتأكيد أن الديمقراطية بقدر ما أنها لا تسمح بالقضاء والتهميش لكنها أيضا لا تنجح بتعدد قوى الحكم وإدارة الدولة في وقت واحد أي لابد من وجود ائتلاف حاكم وائتلاف أو ائتلافات معارضة والعكس صحيح، أما أن الولايات المتحدة ليس لها معرفة تماما بالمجتمع العراقي فقد فشلت في وضع نظام سياسي يساهم في بناء الدولة ومعالجة ملفاتها الأمنية والاقتصادية والعمرانية وهنا تفوقت عليها بريطانيا في مرحلة تأسيس الدولة العراقية، أو أنها كانت تعول على القيادات والأحزاب التي دخلت العراق في بناء الدولة العراقية الجديدة، وبالنتيجة أن الفشل الحاصل في إدارة الدولة العراقية ساهم في إضعافها وأدخلها في أزمات متوالية أمنية واقتصادية وخدمية وأصبحت الفئات المجتمعية ساخطة من الطبقة السياسية التي مارست إدارة الدولة.

مما تقدم، فان الدولة العراقية منذ التأسيس كانت سمة عدم الاستقرار والصراع إحدى أبرز سماتها، وأنها وأن كانت رائدة نسبيا في عدة مجالات في سنوات التأسيس الأولى: تعليميا، صناعيا، تجاريا وحتى سياسيا على مستوى دول الشرق الأوسط حيث كانت الدولة العراقية تقارن بالدول الغربية في سنوات العهد الملكي إلا أن الدولة العراقية في الجمهوريات التي مرت بها تعرضت إلى انتكاسات متعددة جعلتها متراجعة في كل الجوانب، وبالمقارنة مع التجارب الإقليمية الحديثة النشأة فهي فاشلة، وتعيش حالة الهشاشة وفق المعايير الدولية، وتعيش الدولة طموحات الأقليات أما بالركون إلى خطاب المظلومية أو الطائفية، أو المطالبة بالإنفصال عن العراق، والنهوض بالدولة في ذكرى المئوية لتأسيسها، جهد يقع بالدرجة الأولى على أبنائها بالتوحد وتقديم المصلحة العليا للدولة على المصالح الذاتية والحزبية والفئوية، أما عقلية الشركة الرابحة التي تعامل بها الدولة من قبل أغلب الكيانات الحاكمة فأنها لا تؤدي إلى الوصول إلى مرحلة الأفول والتفكك وغياب الرفاهية الاقتصادية والاستقرار السياسي وما يترتب على ذلك من معاناة لمواطنيها ومستقبل أبنائها.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2021 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات