رغم أن الناس في العراق على وجه الخصوص، والعالم عموما عانوا في السنوات الأخيرة معاناة بعضها ناجمة عن الأسباب الاقتصادية وبعضها عن أسباب اجتماعية وأخرى لأسباب سياسية وأمنية، حيث أعتبر إرهاب الجماعات السلفية سمة عقد الألفية إلا أن عام 2020 مثل ظرفا قاسيا ومختلفا كليا عن السنوات الصعبة التي سبقته، فقد تجمعت جملة من الأحداث المأساوية في هذا العام وبعضها خرج عن نطاق السيطرة بالمرة، وهذا ما سيجعل العالم من الممكن أن يعيد حساباته في عدد من المسائل لاسيما في الأنظمة الصحية ونظام دول الرفاهية ومتبنيات الفلسفة الرأسمالية الحاكمة في عدد من البلدان الغربية ومنها الولايات المتحدة الأمريكية.

أما بالنسبة للعراق الذي يفتقر إلى الفلسفة السياسية في نظام حكمه فقد مثل هذا العام على المستوى السياسي استمرار حركة الاحتجاجات الشعبية بصورة لم يعرفها العراق الذي تحكمه قوى المعارضة بجميع مسمياتها وانتماءاتها، وعصفت ببغداد العاصمة، والوسط والجنوب من البلاد انتفاضة شاملة استجابت لها شرائح مختلفة من المجتمع لاسيما طلبة المدارس والجامعات، واستطاعت تحقيق عدد من المطالب أبزرها إقرار قانوني الانتخابات والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وكذلك أجبرت حكومة السيد عادل عبد المهدي على تقديم استقالتها بعد مطالبة ممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء من الحكومة تقديم استقالتها على وجه السرعة، ورغم ما يعد انجاز في استقالة الحكومة لكن البديل لم يكن لغاية الآن بأفضل من عادل عبد المهدي حيث جرى الاتفاق بعد أشهر مراثونية على اختيار السيد مصطفى الكاظمي لرئاسة الحكومة الذي أضعف الحركة الاحتجاجية بعد استمالة عدد من أشخاصها، ولا تزال حكومته تتعثر في معالجة الكثير من المسائل المهمة ومنها الجانب الاقتصادي وتداعياته على المستوى المالي وأسعار صرف الدولار الأمريكي بالدينار العراقي، وهو ما أثار موجة شعبية ساخطة من الرفض بسبب الخسائر التي سببها للمواطنين وارتفاع الأسعار بالنسبة للطبقات الفقيرة، من جانب ثاني لا تزال مسألة إجراء الانتخابات المبكرة في شهر حزيران من العام المقبل مثار جدل داخل الأوساط السياسية بحكم الخلل القانوني الذي أصاب المحكمة الاتحادية التي يحتاج قانونها إلى تعديل من قبل مجلس النواب، فيما تمثل تقسيم المحافظات إلى دوائر انتخابية وسطى مثار تحفظ عند عدد من الكتل السياسية.

ومن المفاجئات التي طرأت على هذا العام انتشار وباء قاتل ادعى  covid 19 كانت بداية من مدينة ووهان الصينية وقد انتشر خلال أيام قليلة إلى كل دول العالم ولا يزال الوباء مستمرا في موجاته وتقلباته، وقد تسبب لغاية الآن عشرات الآلاف من حالات الوفاة، وبالملايين من حالات الإصابة، ولم تكن من آثار وباء فيروس كورونا حالات الوفاة القاسية وإنما تسبب في تعطيل الحياة العامة وفرض حظر على حركة السير والمطارات والسفر داخل البلدان وخارجها، وكان من آثاره أيضا أنه تسبب في خسائر اقتصادية على مستوى الأموال والوظائف والحركة التجارية والصناعية، وقد تكون هذه الخسائر كانت السبب في المراجعة السياسية في عدد من البلدان لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية حيث تسبب الوباء في بطالة الملايين من الأمريكان، الأمر الذي أثر سلبا على الانتخابات الرئاسية الأمريكية بالنسبة للمرشح الجمهوري الرئيس دونالد ترامب وخسارته في كسب الولاية الثانية أمام غريمه الديمقراطية نائب الرئيس السابق في عهد باراك أوباما الذي فاز بأغلبية مريحة لاسيما في الولايات الأمريكية المترجحة مثل: كاليفورنيا، وبسلفينا، وأريزونا، وجورجيا، ورغم ذلك طعن الرئيس الحالي دونالد ترامب بنتائج الانتخابات واصفا لها بالمزورة ولا يزال على رأيه على الرغم من مرور أشهر على الانتخابات، واقتراب موعد تسليم إدارة البيت الأبيض إلى الرئيس المنتخب جو بايدن ولم نعرف إذا ما كان ترامب يسلم السلطة بسهولة أم لا، أي أنه هل سيحذي حذو الرؤساء الأمريكان السابقين في عرف تسلم البيت الأبيض، هذا السؤال سيتضح جوابه خلال أسابيع قليلة ولو أن المؤشرات تدلل على أنه سيسلم إدارة السلطة إلى بايدن لأن أركان حزبه ومنهم زعيم الأغلبية من الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ قد أقر بفوز بايدن.

وبايدن المعروف عنه في حكم أوباما بأنه ذا نهج براغماتي عقلاني فيما يخص التعامل مع تعقيدات الشرق الأوسط ومنه العراق وهو كان من أبرز الداعمين لمسألة الفيدراليات والحكم المستقل بالنسبة لإقليم كردستان ولا نعلم إذا ما كان سيعيد نظريته هذه خلال رئاسته، أم أنه سيأخذ بنظر الاعتبارات الرغبة الداخلية للإقليم والتي حاليا هي لا تميل إلى الإنفصال بحكم الأسباب الداخلية المتضخمة ومنها أزمة الاحتجاجات الشعبية الناجمة عن تأخر الرواتب، وكثرة البطالة وكثرة الحديث عن ضياع الأموال وانتشار الفساد لاسيما في ما يخص بالواردات المالية لنفط كركوك المصادر ذاتيا من قبل الإقليم.

والخلاصة التي نضعها في هذا المقال تتركز على الكيفية التي سيتعامل بها الرئيس المنتخب بايدن مع ما سمته إدارة ترامب بالنفوذ الإيراني في العراق، وتصاعد الهجمات ضد المصالح الأمريكية فيه، وساهم في ذلك اغتيال الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في الأول من كانون الثاني من عام2020 قرب مطار بغداد، الأمر الذي عقد من شكل العلاقة بين الأمريكان والإيرانيين وحلفائهم، وبانتظار ما الذي ستفعله إدارة بايدن في تقليل الفجوة التي أحدثتها إدارة ترامب بعد التصعيد مع إيران.

ومما تقدم، فقد مثل عام 2020 عاما قاسيا بكل المعايير الإنسانية والصحية يتمنى الناس في العالم من الخالق الأسمى أن ينهي وباء كورونا فيروس الذي أعجز الأنظمة الصحية الحديثة عن معالجته طوال الأشهر الماضية، ويأمل الناس بأن يكون الوضع الصحي مطمئنا للمواطنين مثلما كان وأن يعجل العالم في الاكتشافات الطبية التي تمنع الوباء من قتل المزيد من الناس، وأن تعود الحياة العامة إلى طبيعتها من عودة دور العلم والسفر..الخ فيما يمثل هذا التمني حكم العراقيين أيضا إلى جانب المطالبة بالاستقرار السياسي والاقتصادي في نظام سياسي ديمقراطي عقلاني بعد القضاء على مافيات الفساد والانقسامات المكوناتية والحزبية، وانتشار الفساد الإداري والمالي.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات