تعد الوظيفة العامة في العراق عنصر جذب خاصة بعد 2003، كون الراتب بدأ بالتحسن بالقياس إلى ما قبل 2003، بعد أن كانت سابقاً عنصر نفور (عند البعض) لأسباب متعددة، مقابل ذلك أصاب القطاع الخاص انتكاسة كبيرة نتيجة عدة ظروف أمنية وسياسية واقتصادية، وبالرغم من كون الوظيفة العامة هي حق لجميع العراقيين دون استثناء إلا أن الدولة مهما كانت احتياجاتها لا يمكن أن تستوعب الجميع بل هناك ضرورة لإنعاش القطاع الخاص لاسيما المعامل والمصانع التي تنتج الحاجات الضرورية، فالإصلاح الإداري مهم جداً وهي نقطة الشروع إلى جميع أنواع الإصلاحات الأخرى.

الذي يقرا هذه السطور من الأحبة القراء الكرام قد يستغرب من اختيار هكذا موضوع من حيث كونه لا يدخل في اختصاص العلوم السياسية بل يدخل في اختصاص الإدارة والاقتصاد، وبالذات اختصاص (التنمية البشرية وتطوير المهارات)، لكن لابد من التوضيح أن بوصلة البحث في هذه الورقة تتجه نحو الموظف وعلاقته بالوظيفة، وابرز التساؤلات التي تحاول الإجابة عنها، هل كل موظف علاقته جيدة مع وظيفته؟، وما طبيعة العلاقة هل هي علاقة عسكرية أم طردية؟، وإذا ما وجد من الموظفين من يتميز بعلاقته غير الجيدة بالوظيفة هل يتعلق ذلك بشخص الموظف أم بطبيعة الوظيفة ذاتها؟، أم بسبب القوانين والأنظمة الإدارية النافذة.

المقصود بالموظف واضح ليس هناك حاجة إلى التطرق له، فهو كل شخص يؤدي مهامه في دائرة خدمة عامة ضمن نطاق مؤسسات الدولة، لكن الغموض دائما ما يكتنف العلاقة بينه وبين وظيفته هل هي على ما يرام أم لا؟ الفرضية التي انطلقت منها الورقة البحثية تؤكد على أن هناك من يحب الوظيفة العامة ويتمنى أن يعمل بها دون مقابل ما قبل التوظيف وقد يتمنى أن يعمل حتى في العطل الرسمية ولكن بعد التوظيف يصيبه الخمول والكسل المفاجئ -طبعا البعض ليس الكل-، ثم الأهم من ذلك أن الكتابة عن هذا الموضوع ليس مقصود منها حالة معينة أو ملاحظة خاصة بالكاتب، بل حالة عامة أصابت الوظيفة العامة من شمال العراق إلى جنوبه؟ فالجميع يتساءل لماذا وكيف حصل ذلك؟.

عند متابعة علاقة الموظف بوظيفته في العراق نجد أن نسبة ممن علاقته سلبية أكثر بكثير ممن علاقته ايجابية، وقد يسجل على هذه العلاقة عدة ملاحظات التي نذكر أبرزها مع الاعتذار لاستعمال بعض المصطلحات باللهجة العراقية العامية لغرض توضيح الفكرة ليس إلا:

1- أولى الملاحظات التي تسجل عند مراجعة دائرة معينة على سبيل المثال، نجد من يقول لك من الموظفين المتواجدين: "اذهب اليوم الموظف أو الموظفة الفلانية غير موجودة"، وقد يكون في ذات القسم أو الشعبة أكثر من (20) موظف متواجد في نفس اليوم، التساؤل الذي يخطر في الذهن وأنت تتأمل في تحديد طبيعة العلاقة بينهما، لماذا هؤلاء المتواجدين يعتمدون على شخص واحد إذا غاب يتوقف العمل؟، أليس من الأولى أن تكون كفاءة الجميع بنفس كفاءة الشخص الغائب المطلوب؟ قد يقول البعض أنه بسبب تقسيم العمل والغائب مختص بمسألة بذاتها، لكن هل تقسيم العمل يبرر عدم معرفة جميع الموظفين الآخرين بالإجراءات التي يفترض أن تكون عامة وشاملة لجميع الموظفين؟.

2- بعض الموظفين يعرف ما هو مطلوب منه ويعمل وفق ذلك، وهناك من لا يعرف ويحاول أن يتدرب ليعرف (خاصة في بداية التعيين)، ولكن هناك من لا يعرف ويَصر على ضرورة أن يبقى دون عمل (طير الطاير حسب تعبيرهم)،  لديه خدمة 30 سنة تقريبا ولا يعرف أن يكتب طلبا، ولا يعرف أن يطبع كتابا!، هنا نجد العلاقة بينهما عكسية، فكيف يمكن أن نحولها إلى طردية؟ ثم الأدهى من ذلك يتضح بالمستقبل أنه يعرف ما هو مطلوب ويتظاهر انه لا يعرف، وهنا المعالجة تصبح أصعب!.

3- بالمستقبل القريب والبعيد، الموظف الذي علاقته ليست على ما يرام بالوظيفة غالباً ما يكون بعيد عن المحاسبة والمسؤولية، كونه لا يعمل فهو بالضرورة لا يخطأ، دائما الذي يخطأ الذي يعمل وعلاقته بالوظيفة جيدة، لذلك نجده خالي من العقوبات ومرتاح البال (ملك زمانه)، هنا قد يكون التساؤل هل يفترض أن تكون علاقة الموظف مع وظيفته ليست على ما يرام لكي يكون خارج إطار المساءلة من الأخطاء؟.

4- الكثير ممن علاقته ليست على ما يرام نجد علاقته مع ربه جيدة من حيث آداء الالتزامات العبادية، بحيث الصلاة على وقتها وغيرها من الالتزامات، هنا التساؤل هل يفترض أن تتساوى علاقته مع ربه التي تتميز بالإيجابية مع وظيفته العامة كونه موظف؟، ثم ألا يفترض بالموظف أن يقدم خدمة نافعة مقابل الأجر الذي يتقاضاه (الراتب)؟، أم أن تقديم الخدمة من عدمه لا تؤثر على علاقته العبادية من حيث كونه ابن البلد، ومواطن ويتقاضى الأجر ليس لكونه يعمل بل كونه مواطن في الدولة وعلى الدولة أن ترعى أبناءها.

5- في بعض الأحيان، يترك ممن علاقته ليس جيدة بالوظيفة، كونه غير قابل للتغيير، وتصبح أي محاولة معه صعبة (هذا اتركه يتعب)، (هذا كلشي ما يعرف)، (تعب أيدك ولا تتعب لسانك)، (هذا يشلع القلب ثم يعمل الشغلة وبالأخير تطلع كلها خطأ)، (يفترض الموظف الفلاني يشتغلها أضبط)، السؤال الجوهري هنا إذا يترك بهذا الشكل هل صحيح فيه فائدة للعباد والبلاد؟، ولكن متى تتحسن علاقته بالوظيفة؟، وهل توجد معالجة علمية وإدارية؟ كيف يمكن حل هذه الإشكالية الموجودة في كل دوائر الدولة العراقية.

6- الله يكون بعون المسؤول في دائرة معينة ممن لديه الكثير من هؤلاء، ليس من باب الدفاع عنه لكن هو في موقف لا يحسد عليه فهو في حيرة من أمره، ليس هناك طريقة واقعية للتعامل مع هؤلاء، فمهما تأمل ومهما فكر فأن الحلول معهم صعبة، والصعوبة تكون في إصرارهم على بقاء الحال على ما هو عليه، فإرادة التغيير للأفضل غير موجودة عندهم، فهم يعملون على قاعدة (أني ظروفي تختلف).

جميع الملاحظات أعلاه، هي ليست مقصودة لحالة خاصة بل هي حالة عامة في جميع دوائر الدولة والموظف ممن يصنف بأن علاقته ليست على ما يرام بوظيفته فهو ليس خصم أو عدو بل هو مواطن له حقوق وعليه واجبات نتمنى أن نجد له حل لتحسين هذه العلاقة المهمة.

تسجيل الملاحظات أعلاه ليس الغاية منه الانتقاد بل النقد البناء، بمعنى تشخص الخطأ لغرض إيجاد الحل، فالمقترحات كثيرة لكن في غالبها الأعم تكون غير واقعية بسبب إصرار البعض على المحافظة على الواقع القائم وعدم تغييره كون الأخير يلبي طموحه في أن يبقى دون جهد ودون عمل نافع يوازي الراتب الذي يتقاضاه، ولكن هذا لا يمنع من ذكر أهم الحلول.

1- العمل على تكثيف الاجتماعات الدورية والنصيحة المستمرة وتوجيه جميع الموظفين على أن وجودك في الخدمة هو تقديم عمل مقابل أجر، وليس مجرد أسم ضمن قائمة الأسماء، فتقديم الخدمة واجب وطني وديني وأخلاقي.

2- التهرب من المسؤولية الإدارية هو ليس من باب الذكاء والفطنة، بل هو تخلي أخلاقي عن الالتزام بالعهد، فالقاعدة العامة تقول (حقوق مقابل واجبات)، فلا يمكن تأخذ حقك دون الواجب.

3- ضرورة تفعيل ضوابط شروط الترفيع والعلاوة المنصوص عليها في القوانين النافذة، فليس كل موظف ينتقل بشكل تلقائي إلى درجة أعلى بل هناك شروط لابد من وجودها وأهمها توصية المسؤول المباشر.

4- لا يمكن المطالبة بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والأهم منها ألا وهو الإصلاح الإداري يرمى على الرف، هذا لا يعني أن الإصلاحات الأخرى غير مهمة لكن القاعدة الأولى يجب أن تكون حاضرة و بقوة في جميع أنواع الإصلاحات.

5- مهما طالت المدة، ومهما تحايل البعض وتهرب من مسؤولياته، يبقى مشخص من قبل المسؤول ومن قبل الزملاء في العمل، بل في أحيان كثيرة الموظف ذاته، يعرف نفسه مقصر تجاه وظيفته لذلك نجده في أحيان يحس بتأنيب الضمير تارة، وفي أحيان أخرى يبقى قلق من موضوع الفائض عندما تظهر حملة تنقلات داخل الوزارات أو المؤسسات، وأحيان أخرى يعتقد إن إجراءاته صحيحة واستغلال للفرص المتاحة في ظل نظام الفوضى وغياب سلطة الدولة.

6- العمل على إجراء اختبارات إدارية دورية من جنس العمل، ويفترض أن تكون ليست نظرية بل عملية وتختص بالإجراءات التي يفترض أن يعمل بها كل موظف، ويجب أن لا تكون شكلية (العبور للجميع دون استثناء إلا من أبى وغاب عنها)، بل يفترض فيها نسب من النجاح والرسوب لغرض الترقية الإدارية، والذي يرسب بالإمكان تكرار المحاولة، لكي يتعلم الجميع فالناس سواسية في المهارات والقدرات فقط الاختلاف يكمن في الرغبة، فهناك من يرغب بالتعلم وهناك من يرغب أن يكون بمصطلح (الطير الطائر).

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات