يعد الإصلاح الانتخابي مدخل أساس للإصلاح السياسي، وتعد الانتخابات النزيهة ومخرجاتها الصحيحة من أهم مستلزمات تحقيق العدالة في سلامة التمثيل السياسي والارتباط الفعلي بين نتائج الانتخابات ومخرجاتها التشريعية والتنفيذية في تشكيل الحكومة.

هنالك ثلاثة مسارات للانطلاق نحو الإصلاح الانتخابي الذي يعد مدخلا أساسيا للإصلاح السياسي وهي:

1- القانون

2- الإدارة الانتخابية

3- تنظيم المنافسة الانتخابية.

فيما يخص القانون:

لابد من التركيز على تشريع قانون تحدد فيه معايير وطنية دستورية، بشكل يضمن التمثيل العادل للجميع، يخرج جميع القوى من الاصطفافات الطائفية والمذهبية والمناطقية وتجديد الحياة السياسية وبناؤها على أسس وقواعد صلبة تخرج البلد من الأزمات المتلاحقة التي تعصف بمؤسساته السياسية والدستورية، وليس إعادة تموضع القوى الحالية في السلطة. القانون الحالي المطروح في مجلس النواب يشهد تجاذبات وتقاطعات بين القوى السياسية بخصوص تقسيم الدوائر الانتخابية والنظام الانتخابي المتبع، والمؤشرات تدل أن هذه القوى لا تريد التنازل عن مكتسباتها في القانون والنظام الانتخابي رغم الاتفاق على الدوائر المتوسطة في المحافظات بجعل الدوائر من ٣-٥، مع تداخلات في النطاق الجغرافي لهذه الدوائر بشكل لم يحظى بمقبولية من بعض الأطراف السياسية، وهذا قد ينعكس بالنتيجة على إقرار القانون، المهم في هذا المسار أن أتباع سياق الترشيح الفردي ونظام أعلى الأصوات في الفوز في هذه الدوائر تم الاتفاق عليه وهذا أهم ما يمكن اعتباره بارقة أمل في تغيير طبيعة النظام الانتخابي ليكون بشكل أكثر عدالة ومنطقية في التمثيل النيابي رغم وجود العديد من الطرق التي قد تسلكها الأحزاب السياسية التقليدية في التكيّف مع هذا التغيير عبر إنشاء كيانات ظل وتشكيل تحالفات ودعم قوائم فردية ومرشحين مستقلين في تلك القوائم وغيرها.

أما بخصوص الإدارة الانتخابية:

فتتضمن ضرورة وجود معيار الكفاءة والنزاهة والاستقلالية في التوزيع الوظيفي والإداري  للمدراء وغيرهم داخل مفوضية الانتخابات مع دعمها بصلاحيات قانونية وإدارية لضبط التنافس الانتخابي وسير العملية الانتخابية.

ولغاية الآن، ورغم تشكيل مجلس المفوضية من القضاة ووفق القانون الجديد للمفوضية لكن لازالت القوى السياسية تتصارع على هيكلة المفوضية وتريد إبقاء المناصب العليا فيها لصالحها، وأطراف تطالب بالتوازن الوظيفي والعدالة (المحاصصة) في تسنيم هذه المواقع، يضاف إلى ذلك أن عملية تأهيل وتدريب الملاكات الوظيفية بعد إحالة ملاكها السابق إلى التقاعد والنقل، تحتاج إلى وقت قد يتعارض مع استحقاق الانتخابات المبكرة شعبيا، أو قد تكون هنالك إخفاقات واختلالات في عملها في حال عدم توفير التدريب والتأهيل اللازم لاكتساب الخبرة لموظفيها.

مع كل ذلك، لا يمكن أن تقارن هذه المفوضية وقانونها وتوجهاتها ووقوعها تحت الضغط الشعبي مع المفوضيات السابقة، من حيث آلية الاختيار لمجلس مفوضيها وملاكاتها لتجذر آليات المحاصصة الحزبية والفئوية في اختيارهم وانعكس ذلك بشكل سلبي على مخرجات العملية الانتخابية لكل الممارسات الانتخابية السابقة.

أما بخصوص تنظيم المنافسة الانتخابية:

فهي تتعلق بتطوير آليات عمل المفوضية وإجراء الانتخابات، وتتضمن ضرورة تطوير وتحديث ومكننة العملية الانتخابية والارتقاء بها من الطريقة اليدوية والالكترونية التي شهدتها آخر انتخابات في عملية الاقتراع والفرز سواء داخل محطات الاقتراع أو المراكز الانتخابية، إلى ضرورة اعتماد البطاقة البايومترية المحدثة، إذ لا يمكن أن تحقق النتائج المرجوة، إلا في حال اعتماد البطاقة البايومترية وبالإمكان الاستعانة بطريقة عمل البطاقة الوطنية الموحدة والتعاون مع مديرية الأحوال المدنية في هذا الشأن، ولابد بالإشارة في هذا المجال إلى أن تطبيق آلية الاقتراع والفرز وإصدار النتائج بالطريقة الالكترونية يستدعي إعادة النظر بكامل الإجراءات اليدوية المعمول بها ووضع النصوص اللازمة في قانون الانتخابات أو قانون المفوضية لمراعاة ضمان هذا التحول.

وقبل أيام دعا رئيس مجلس النواب إلى تضمين اعتماد البطاقة البايومترية في القانون الانتخابي، ويحظى هذا المطلب بقبول سياسي من بعض القوى السياسية خاصة بعد اعتراف إحدى تلك القوى بوجود أكثر من مليون ونصف بطاقة ناخب الكترونية جاهزة لتزوير نتائج الانتخابات المقبلة عبر استغلال انتخابات النازحين والمغتربين وقوى الأمن، لكن بعض الأطراف لم ترحب بذلك وتدعي أن عملية تحديث بيانات الناخبين يحتاج إلى وقت لا يقل عن سنة ونصف وهذا يتعارض مع تبكير الانتخابات، وبالتالي يوحي ذلك أن البطاقة الالكترونية قد تكون هي الخيار في ممارسة الاقتراع، وهذا يعني أن التشكيك بالنتائج سيكون حاضر وسيعكس عدم وجود أي تغيير في الخريطة الانتخابية، فأهم ما يمكن أن يعول عليه في مسار الإصلاح الانتخابي هو ضمان نزاهة الانتخابات أو على الأقل تقليل ذلك إلى الحد الأدنى.

يتزامن مع ضرورة تنظيم المنافسة الانتخابية إضافة إلى ضمان نزاهة العملية الانتخابية ضرورة توفير بيئة عادلة وشفافة لجميع المشاركين في التنافس الانتخابي، فلا زالت أجواء هيمنة القوى الكبيرة على الأجواء السياسية حاضرة ومتحكمة سواء على مستوى امتلاكها لأدوات التأثير على الناخب العراقي من مال سياسي وماكينات إعلامية ضخمة وتبينها لخطاب سياسي استقطابي، أو عبر وجودها في مواقع الدولة والقرار السياسي والتنفيذي الذي يتيح لها التأثير في خيارات الناخب ونتائج الانتخابات وتوظيف موارد تلك المناصب في سياق الاستقطاب الانتخابي عبر الوعود في منح التفضيلات الوظيفية والخدمات المرتبطة بعمل تلك المواقع التي تضطر المواطن لمنح صوته لتلك القوى لقاء تلك الخدمات المؤقتة والوعود بالتعيين وغير ذلك.

قد يراهن على مكتسبات وملامح إصلاح وتغيير ايجابي في القانون والنظام الانتخابي الجديد في التعبير عن اهتمامات ومطالب العراقيين فيما يخص الترشيح الفردي وتخفيض سن الترشيح ونظام أعلى الأصوات وتعدد الدوائر الانتخابية، ويراهن أيضا على معطيات التغيير في المفوضية من حيث قانونها ومجلس مفوضيها بنمط ايجابي في التعويل على إدارة الانتخابات بشكل سليم، لكن لا يمكن لغاية الآن ووفقا للمعطيات والظروف التعويل والمراهنة على ضمان نتائج الانتخابات ما لم يتم معالجة أدوات نجاح وتنظيم المنافسة الانتخابية المتعلقة بنزاهة الانتخابات وضبط آليات وأدوات إجراءها وفقا لمقتضيات القانون والعدالة. فهذا المسار الإصلاحي قد يكون الجزء الذي ستعول عليه القوى التقليدية في الإبقاء على وجودها وترسيخ جذورها في العملية السياسية.

هذه أبرز المسارات الإصلاحية الممكنة لترشيد العملية الانتخابية في العراق للمرحلة المقبلة، ولازالت الفرصة قائمة أمام القوى السياسية لوضع اللبنات الأولى للتصحيح، والبناء على هذه المسارات، خاصة فيما إذا توفرت إرادة سياسية وضواغط اجتماعية وإعلام داعم لقضايا الإصلاح الانتخابي في العراق.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات