قضايا محلية

إشكاليات مشروع قانون مناهضة العنف الأسري

   طوال السنوات السابقة, لم يتمكن العراق من إقرار قانون مناهضة العنف الأسري بمساندة من الأحزاب الدينية في مجلس النواب العراقي, على الرغم من كثرة حوادث العنف التي تشهدها البلاد من وقت لآخر, التي أدت أحياناً لجرائم القتل المتعمد تحت مسمى (جرائم الشرف).

ففي بداية نيسان من 2020, حثت الأمم المتحدة في العراق مجلس النواب العراقي بالإسراع لإقرار قانون مناهضة العنف الأسري, وسط تقارير مثيرة للقلق, وخاصة في ظل الحجر المنزلي بعد تفشي جائحة كورونا, إذ سجلت وزارة الداخلية خلال النصف الأول من 2020 أكثر من (13,000) قضية عنف أسري حسب تصريح المتحدث الرسمي للوزارة, الأمر الذي جعل حكومة مصطفى الكاظمي عازمة على تمرير مشروع القانون خلال فترتها المؤقتة, فقد أرسلت نسخة منه للبرلمان في 4/آب الماضي, للتصويت عليه, على الرغم من معارضته للدستور والقوانين العراقية الأخرى, مما ولد عدد من الإشكاليات على المشروع, منها ما يلي:

أولا: عبارة العنف الأسري

تعاني عبارة العنف الأسري في مشروع القانون من الغموض وعدم الوضوح, فالمادة (ثانيا/1) من المشروع عرفته بأنه كل فعل أو امتناع عن القيام بفعل أو التهديد بأي منهما يقوم به أحد أعضاء الأسرة, ما يرتب عليه ضرر مادي أو معنوي، بمعنى آخر يعرف على انه استخدام القوة المادية أو المعنوية لإلحاق الأذى بالآخر استخداماً غير مشروع.

فالمادة السابقة من مشروع القانون تخالف المادة (أولا/41) من قانون العقوبات العراقي لسنة 1969, التي تعطي حق التأديب للزوج والأب والمعلم, والمادة الأولى من مشروع القانون تنص على عدم وجود الجريمة إذا وقع الفعل استعمالاً لحق مقرراً بمقتضى القانون ويعد استعمالاً للحق.

ثانيا: عدم تحديد الجرائم (العنف)

إن عدم تحديد ما هي جرائم العنف الأسري تحديداً دقيقاً يؤدي للمساواة بين الأفعال الإجرامية التي يرفضها العقلاء كالتعذيب المؤدي لعاهة مستديمة مثلا, وبين الإجراءات العادية التي يتبعها الوالدين لحماية أبنائهم من المخاطر الفكرية والأخلاقية, فالمادة (2) من مشروع القانون تسلب حق الوالدين بممارسة مهامهم في تربية الأبناء المقرة لهم في المادة (29) من الدستور العراقي لسنة 2005 (الأسرة أساس المجتمع والدولة تحافظ على كيانها وقيمتها الدينية والأخلاقية والوطنية وتكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة,... الخ), بمعنى آخر, من حق الوالدان معاقبة الأبناء إذا قرروا ترك الدراسة, أو قاموا بأي فعل غير عقلاني يضر بمصلحتهم مستقبلاً كتناول المخدرات أو شرب الكحول.. الخ.

فمشروع القانون يعّد كل فعل يندرج تحت رعاية الوالدين وتربيتهم لأبنائهم هو جريمة عنف أسري, وهذه النقطة تشير إلى توجه خطير يضرب استقرار الأسرة بمرور الوقت، ويعمل للحد ومصادرة لسلطة الأب داخل الأسرة, ويمنعه من ممارسة دوره في تربية أولاده, وتأديب الزوجة.

كان الأجدر بالمشرع العراقي أن يعرف الجرائم ويحدد عقوبة كل واحدة منها ﻛ(جريمة التعذيب الجسدي والحرق, إدمان الكحول والمخدرات, حرمان النساء من الإرث, جريمة الإجبار على الزواج  بدلا من الدية أو ما تعرف ﺑ(الفصلية), جريمة إجبار الأطفال على التسول وترك الدراسة, جريمة الإجهاض, منع تسديد نفقة الزوجة, جريمة الضرب المستتبع للإدماء وإحداث ضرر جسيم أو عاهة مستديمة).

ثالثا: المخبر السري

نص مشروع القانون على ما يسمى بالمخبر السري في المادة (8) والمتضمنة على أحقية تسجيل بلاغ لدى المحكمة من أي شخص ضد أي عائلة, شك بأنها تستخدم نوع من أنواع العنف الأسري في منزلها، وهذه النقطة تفتح الباب أمام مشاكل ودعاوى كيدية من الممكن أن تضر بسمعة الأسرة وتعرضها للإحراج والتشويه حتى تثبت براءتها, خاصة أن مشروع القانون في مادته (13) يسمح برفع الشكوى دون التقييد بالاختصاص المكاني, بمعنى (يحق لأي شخص حتى لو كان من محافظة أخرى, بإقامة دعوة عنف اسري على أي عائلة ما, دون ذكر اسمه بالطلب المقدم)، بينما المادة (8) تخالف القانون العراقي بحصر إقامة الشكوى بصاحب الحق (المجني عليه).

رابعا: دور الإيواء

إلى جانب ما سبق, هناك إشكالات على المواد (15) و(16) الخاصة ﺑ(دور الإيواء), لما تتضمن من مخاطر كثيرة ومتعددة على الأولاد, ففي حال تم إبعادهم عن الوالدين, بسبب الخلاف الأسري, فالحل يكون بالصلح عن طريق دائرة الإرشاد والبحث الاجتماعي وليس هناك حاجة لدور الإيواء للأطفال, وإذا كان الخلاف ذو طابع إجرامي, فالمجرم من يعاقب لا الضحية (سواء الأم أو الأب), إذن لماذا يعاقب الطفل بنقله لدار الإيواء بدل من معاقبة من قام بالجريمة؟. وعلينا أيضاً التفكير كثيرا بنتائج نقل الأطفال لدور الإيواء وخاصة البنات منهم.

والإشكال الآخر على مشروع القانون يعود للمادة (ثامنا/1) التي جعلت مديرية حماية الأسرة تابعة لوزارة الداخلية, ولا تكون تابعة لمؤسسات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية, باعتبار أن الأخيرة صلب عملها يتركز على الأسرة.

خلاصة لما سبق، أردنا أن نؤكد على أن مشروع قانون مناهضة العنف الأسري لا يتفق مع المجتمع العراقي, وفيه الكثير من الأفكار الهجينة التي من الممكن أن تهدم بنية الأسرة والمجتمع العراقي بمرور الوقت، فقد ركز على نتائجه أكثر من الاهتمام بالعلل والأسباب, والعمل على معالجتها قبل التفاقم, ولم يراعي وجود القوانين الأخرى.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات

اقرا ايضا