لا يعد التوصيف الدقيق للقرار الإماراتي اتفاقا بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بقدر ماهو اتفاق للإعلان على قرار موجود فعلا، أي أنه لا ينشأ هذا الإعلان علاقات جديدة بين الإمارات العربية وإسرائيل، وإنما يأخذها إلى مستوى أعلى بالإعلان عنها.

بين الحين والآخر يظهر بعض القادة الإسرائيليين بتصريحاتهم التي تقول: "لدينا علاقات مع دول إسلامية وعربية جانب منها سري بالفعل، ولسنا عادة الطرف الذي يخجل منها، الطرف الآخر هو المهتم بالتكتم على العلاقات"، والإمارات إحدى هذه الدول العربية لتمتعها بعلاقات جيدة وتنسيق دبلوماسي وأمني مع إسرائيل منذ سنوات، فهناك لقاءات رسمية لوفود البلدين ولقاءات شخصية مع كبار الدولتين، إضافة إلى وجود ممثلية إسرائيلية في أبو ظبي لتمثيل إسرائيل في وكالة الطاقة المتجددة التابعة للأمم المتحدة منذ عام 2015، فهذا يعني أن العلاقات موجودة وقوية وسعت الإمارات إلى الإعلان عنها رسميا، فما الذي استفادته الإمارات من هذه العلاقات التي كانت وراء الكواليس وأظهرتها الآن إلى العلن؟.

باعتقادي أن الإمارات لديها عدوين اثنين لا ثالث لهما، الخطر الإيراني وخطر الإخوان المسلمين، واللذان يعتبران كأكبر خطرين مهددين لدولة الإمارات عبر سنوات طويلة منذ بداية نشؤها عام 1971، فكان نزاعها مع إيران منذ النشأة على ثلاثة جزر (أبو موسى، وطنب الصغرى وطنب الكبرى)، حيث كلتا الدولتين المتشاطئة تدعي عائدية هذه الجزر إليها، وزاد الشعور بالخطر الإيراني بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979 وتعهد قادتها بتصدير الثورة إلى دول الجوار وتغيير الأنظمة فيها، إضافة إلى نشوب الحرب العراقية– الإيرانية وتدخل دول الخليج بالدعم والإسناد ضد إيران، كل هذه الأحداث ولدت عند القادة السياسيين في دول الخليج أن الأخطار التي واجهتهم منذ النشأة لم تأتي من إسرائيل وإنما جاءت من دول الإسلام السياسي تحديدا.

زادت المخاوف الخليجية بعد تولي باراك أوباما حكم الولايات المتحدة وإعلانه الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، واندلاع ظاهرة الربيع العربي في أغلب الدول وسقوط عروش الأنظمة المستبدة، مما جعل حكام دول الخليج يعيشون حالة الخوف والهلع من مصيرهم إذا ما اندلعت شرارة الاحتجاجات في دولهم، وهذا الشعور نفسه موجود عند القيادات الإسرائيلية مما سبب التململ والخذلان تجاه الإدارة الأمريكية لاعتراضهم على السياسة الأمريكية تجاه إيران والاتفاق النووي، وكذلك بتمكين جماعة الإسلام السياسي وخصوصا الإخوان المسلمين لممارسة الحكم، مما جعل الدول الخليجية تبحث عن بدائل لتأمين استقرارها وحماية أنظمتها، منها الإنفاق بشكل كبير على التسلح، أو البحث عن حلفاء آخرين كالمعارضين للقرار الأمريكي الداعم للاتفاق النووي وبسط اليد لجماعة الإسلام السياسي، وإسرائيل لم تكن بعيدة عن هذا التفكير المشترك وبالتالي سعت دول الخليج إلى مد يد التعاون مع إسرائيل لمواجهة الخطرين المشتركين.

الإمارات تحديدا تشعر بأنها دولة غنية وطموحة ولديها الكثير من كفاءة الأداء، مما يجعلها تمتلك سبب آخر يدعوها لتمتين علاقاتها بإسرائيل، فيعتقد البلدين أنهما لو تعاونا بشكل عميق سوف يعود ذلك بالفوائد على الجانبين، إذا لماذا تم توقيت إظهار الإعلان عن علاقتهما الآن؟.

توقيت الإعلان كان مناسبا للدول الثلاثة:

أولا/ بالنسبة للراعي وهي الولايات المتحدة الأمريكية، لأن الرئيس الأمريكي ترامب يعاني من موقف صعب نسبيا في الانتخابات المقبلة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، ويريد أن يعزز فرصه الانتخابية بأي انتصار يحسب له سواء داخلي أو خارجي، وخصوصا بعد أن فشل في عقد صفقة القرن، وفشل تسوية شبه الأزمة الكورية، وتعثره في إقناع الإيرانيين في الحضور إلى التفاوض، فنجاحه بعقد اتفاق سلام بين إسرائيل ودولة عربية مهمة مثل الإمارات ربما سيعزز من فرص فوزه بالانتخابات.

ثانيا/ بالنسبة للإمارات، فهي حريصة على أن تعزز كما هو واضح من فرص فوز ترامب في الانتخابات حتى تقطع الطريق على منافسه جو بايدن المرشح الديمقراطي الذي تعتبره دول كثيرة امتداد لسياسات أوباما الذي اتبع سياسات أقلقت الدول العربية، كما أن إعلان جو بايدن بشكل صريح إذا وصل للبيت الأبيض فيفضل أن يمد يده إلى إيران وإحياء الاتفاق النووي بشروط جديدة ومهاجمته لبعض الأنظمة العربية وانتقاده لسياسة ترامب في تعاونه مع أنظمة مستبدة في المنطقة، وعلى هذا الأساس ليس من المستغرب أن تسعى الإمارات إلى أن تدعم ترامب على حساب منافسه بايدن.

ثالثا/ أما بالنسبة لإسرائيل، فأن لرئيس وزراءها موقف صعب جدا داخل دولته، لعدم إيفاءه بالوعود التي قطعها أثناء حملاته الانتخابية التي أوصلته للحكم، إضافة إلى ملاحقة القضاء له بتهم كفيلة بأبعاده من السلطة والسجن، لذا فهو حريص على التمسك بالطريق الوحيد الذي يبعد مصيره ويكسبه حصانة من الملاحقات القضائية بضرورة تمسكه بالسلطة، فعليه أن يفوز بالانتخابات القادمة وأن يعطي وعودا انتخابية واقعية لا كالتي قطعها سابقا بضم أراضي غور وادي الأردن وبسط السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية، وقد ثبت أن ذلك غير ممكن لأسباب ليس أقلها التناقض الأمريكي والمعارضة الدولية الكبيرة، فكان لابد من توفير البديل لتعويض فشله في تحقيق مطالب الجماهير، كالقيام بمبادرة سلام مع دولة عربية مهمة مثل الإمارات يمكن أن يعزز فرصه الانتخابية إذا عجل بإجراء انتخابات عامة إسرائيلية أخرى.

من جهة أخرى، أعربت السلطة الفلسطينية عن غضبها واستياءها من قرار التطبيع، لأنها تعتقد أن قرار التطبيع مع إسرائيل بدون مقابل مناسب سيسلبها أحدى أوراق الضغط على إسرائيل لتقديم أي تنازلات، فالأخيرة لم تقدم أي تنازل حقيقي في مقابل الحصول على مكسب كبير جدا وهو تطبيع العلاقات مع دولة عربية.

الأمر المثير للاستغراب هو مواقف بعض الدول التي انتقدت موقف الإمارات من قرارها الأخير، مثل دولة قطر التي تتمتع بعلاقة متينة مع إسرائيل، وتركيا أيضا الأخرى انتقدت الموقف الإماراتي بينما هي أول دولة إسلامية تقيم علاقات مع إسرائيل عام 1949 برغم توتر العلاقات لكن هذا لا يعني عدم وجودها، وكذا الحال مع الأردن التي وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1994، ومصر التي اعترفت بإسرائيل كدولة عام 1979، الكل يعزف على وتر مشاعر المجتمع والرفض بالتطبيع مع إسرائيل بخلاف ما تسره من التلهف وراء التطبيع من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة وليس لمصلحة القضية الفلسطينية (كبش الفداء)، فالسلطة الفلسطينية وحركة حماس شاركوا بضياع حقوق الفلسطينيين بكثرة تنازعهم وتناحرهم واشتباكهم العسكري منذ عام 2007 إلى الآن، وبذلت بعض الأطراف أشواطا في التقريب فيما بينهم وليس مساعدتهم في الحصول على حقوقهم من إسرائيل.

إذن القرار الإماراتي هو قرار يخدم الطرفين بالإضافة إلى الولايات المتحدة ودول العالم الراغبة بالحصول على تحقيق هدوء نسبي في الشرق الأوسط، ولكنه لا يعود بالنفع على القضية الفلسطينية المتأزمة، والسؤال المهم هو بما إن الإمارات قد فتحت طريق التطبيع أمام الدول الأخرى، فعلى من سيكون الدور الثاني ويحذو حذو الإمارات فهل ستكون البحرين؟.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات