لو دققنا النظر في تتابع الأحداث التي جرت مؤخرا في منطقة الشرق الأوسط تحديدا، نلاحظ بوضوح أن إسرائيل تسابق الزمن لضرب النفوذ الإيراني عبر تقليم أظافر حلفائها في المنطقة بأسرع وقت ممكن قبل حلول نهاية 2020، كيف ولماذا تسعى إسرائيل لضرب حلفاء إيران في العراق وسوريا واليمن ولبنان قبل هذا الموعد بالتحديد؟.

ستشهد الولايات المتحدة الأمريكية نهاية العام الحالي إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني وهي الانتخابات الرئاسية الأمريكية الـ59 التي تجرى كل أربع سنوات، وفي بداية عام 2021 سنكون أمام خيارين لا ثالث لهما: الخيار الأول هو خسارة الرئيس دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية ووصول منافسه الديمقراطي جو بايدن إلى كرسي رئاسة البيت الأبيض، أما الخيار الثاني فهو أن يحتفظ الرئيس الحالي ترامب برئاسته للبيت الأبيض ويحكم أمريكا للسنوات الأربع المقبلة.

وإذا أجرينا تحليل بسيط للخيارين المطروحين نلاحظ في حال تحقق الخيار الأول ووصول جو بايدن للحكم وبحسب موقفه المعلن بوضوح، من الممكن العمل على تخفيف العقوبات المفروضة على إيران وإعادة التفاوض معها مرة أخرى وإحياء أتفاق لوزان النووي الذي وقعته الولايات المتحدة الأمريكية مع الدول الستة في 2015 والذي اعتبرته واشنطن في وقتها بالتاريخي، مما سيكون جلوس جو بايدن على طاولة الحوار والمفاوضات مع إيران أمرا متاحا.

أما في حال تحقق الخيار الثاني واحتفظ ترامب بالرئاسة الأمريكية، فمن المرجح أيضا أن ترامب سيجلس على طاولة المفاوضات مع إيران لأكثر من سبب: السبب الأول أن خيار الحرب غير مطروح بالنسبة إلى ترامب، وهو دائما ما يدين الرؤساء السابقين الذين جروا أمريكا إلى حروب في الشرق الأوسط والتي تسببت بخسائر اقتصادية كبيرة للولايات المتحدة فنحن نريد الثروة –بحسب تعبيره-، إذا فهو يريد أن يستفيد من إيران لا أن يعرض حكومته للضرر ولا يريد أن يتناقض مع نفسه بجر أمريكا إلى حرب مهلكة، وبالتالي فهو يسعى إلى تحقيق ما صرح عنه في إحدى تغريداته بالجلوس مع إيران على طاولة الحوار ولكن بشروطه الخاصة، ومن أجل أن يفرض شروطه الخاصة لابد من أن تكون إيران في وضع حرج وصعب على جميع المستويات، ولذلك يعطي الضوء الأخضر لإسرائيل بشن عمليات عسكرية ضد إيران وأذرعها في المنطقة لإضعافها وإخضاعها للمفاوضات.

السبب الثاني الذي يدفع ترامب التفاوض مع إيران هو توجه الأخيرة شرقا نحو روسيا والصين وعقد الاتفاقيات ولاسيما اتفاق إيران مع الصين الذي يتضمن استثمار الأخيرة أكثر من 400 مليار دولار داخل إيران في مقابل تدفق النفط والغاز الإيراني إلى الصين بالإضافة إلى الامتيازات الاقتصادية الكثيرة على الأراضي الإيرانية، كما يعد هذا الاتفاق خطيرا على أمريكا لأنه يعني تخفيف أثر العقوبات الأمريكية على إيران وبالتالي لن تولي إيران اهتماما كبيرا للعقوبات الأمريكية، والأخطر من ذلك هو السماح للصين بالتسلل بنفوذها إلى قلب الشرق الأوسط مما يشكل تهديدا على قواعد الولايات المتحدة العسكرية.

السبب الثالث أن ترامب سيكون ميالا إلى التفاوض في ولايته الثانية لتحرره من كل الضغوط الانتخابية، فلن يكون هناك لوبي صهيوني ولا ضغوط من الحلفاء الخارجيين، ولإستحالة ترشحه لفترة ثالثة سيكون هاجس ترامب خالي من الضغوط والتوجه نحو تحقيق إنجاز كبير الذي فشل في تحقيقه في الفترة الماضية من خلال حل أزمة الخلافات في شبه الجزيرة الكورية التي تعد منطقة تنافس وصراع بين أربع قوى كبرى وهي الولايات المتحدة واليابان والصين وروسيا، وتعثرت جهوده أيضا في حل أزمة القضية الفلسطينية وتسبب بإنتكاسة كبرى في العلاقات الأمريكية الفلسطينية بإعلانه عن القدس عاصمة لإسرائيل، وعن صفقة القرن واتخاذه مواقف عدائية شديدة ضد السلطة، وتحريضه على اتخاذ مواقف ضد الفلسطينيين، لذلك فمن الأسهل للرئيس ترامب بأن يعيد التفاوض مع إيران، فالملف الإيراني أسهل بكثير للولايات المتحدة من باقي القضايا المشار إليها أعلاه وتحقيق الإنجاز له.

في كلا الخيارين المطروحين، تتوقع إسرائيل أن تجرى المفاوضات بين الولايات المتحدة وبين إيران، ونتيجة هذه المفاوضات ستزعجها كثيرا، فهي تسعى إلى تقليل الأضرار الممكنة التي قد تصيبها، ومن أجل استباق هذه المفاوضات وفرض قوة واقعية على الطرف الإيراني تحاول إسرائيل جاهدة إضعاف إيران بأكبر قدر ممكن، بحيث إن أسفرت نتيجة المفاوضات بسماح وتسهيل أمريكا لتطوير إيران من قدراتها بالأسلحة الصاروخية والنووية –كما حدث مع باراك أوباما- فأن إسرائيل ستكون قد حققت جزء من استراتيجياتها عبر تجريد إيران من أكبر قدر ممكن من قدراتها من خلال ضرب حلفائها في المنطقة وخصوصا في دول ما يعرف بمحور المقاومة التي تمثل شوكة في عنق إسرائيل.

إن الأحداث التي دارت رحاها في إيران والعراق واليمن وسوريا وآخرها في لبنان، كانت قد وجهت أصابع الاتهام إلى إسرائيل، فيما تنفي الأخيرة تورطها في أي عملية عسكرية تحدث في المنطقة سواء تفجيرات إيران أو ضرب مقرات الحشد في العراق أو تفجيرات بيروت، ومن المرجح أن نفيها للأحداث ليس ذات أهمية كبيرة لعدة أسباب: أولا/ إن إسرائيل لا تعلن بالضرورة عن كل عملية تقوم بها، فوزير خارجيتها غابي أشكنازي عندما سأل عن العمليات التي تحدث في إيران أجاب قائلا: "لن نسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية وفي إطار قطع الطريق عليها نحن نقوم بأفعال من الأفضل أن لا نتحدث عنها"، ثانيا/ في العملية الحدودية التي تحدثت عنها إسرائيل وقالت: "إن هناك عناصر من حزب الله تسللت إلى الحدود الإسرائيلية، وتعمدت القوات الإسرائيلية عدم استهداف العناصر المتسللين حتى لا تضطر إلى مواجهة عسكرية مع حزب الله اللبناني هي غير راغبة فيها الآن"، فمن الطبيعي إن كانت إسرائيل وراء تفجيرات بيروت أو غيرها من العمليات العسكرية أن لا تعلن بشكل مباشر عن مسؤوليتها، لنفس الأسباب التي دفعتها لعدم إعلان مسؤوليتها التي حدثت في إيران أو تسلل عناصر حزب الله عبر الحدود الإسرائيلية.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات