اعلى الصفحة
dfgdfgdgfd
X


       لم تكن التغيرات التي أجراها الملك سلمان بن عبد العزيز محل صدفة بقدر كونها إنقلاب على المسار الذي خضعت عليه المملكة في حقبة سلفه عبد الله، فضلاً عن كونه يمثل الإنقلاب السديري الثالث من حيث التسلسل الزمني للأسرة الحاكمة بعد إنقلاب الملك فيصل عام 1964 والملك خالد عام 1982، الذي عزز من مكانة العائلة السديرية في السلطة.

الإنقلاب الناعم: أولوية الأحفاد على الأبناء

      جرى التقليد الملكي في السعودية على أساس وصية تنسب الى مؤسس المملكة العربية السعودية عبد العزيز آل سعود بأولوية حكم الأبناء على الأحفاد في مواقع القيادة الرئيسة، وهذا التقليد قد ساهم في تعزيز مكانة السعودية من حيث الإستقرار في الأداء السياسي، إذ لامجال للمنازعة على السلطة بسبب تقيد معظم الأدوار الرئيسة بالتقييد العرفي في هذا الشأن. إذ حتى الأخطاء النسبية التي أصدرها الملك عبد الله بشأن تعيين بعض الأبناء الأصغر سناً لم يكن لها تأثير بسبب إقترانها بمعارضة البعض من الأخوة الكبار أو تقديمهم لطلب الإعفاء.

وعلى أي حال، فإن معظم المخالفات العرفية التي قام بها الملك عبد الله بن عبد العزيز لم تكن ذات أثر على مستقبل المملكة لأنها بقيت في نطاق الأبناء ولم تتجاوزه الى الأحفاد، بيد إن وفاة الملك عبد الله غيرت الكثير من هذه المعايير التي كانت قائمة الى حد ما، لاسيما مايخص المحدد العرفي لتداول السلطة الأمر الذي قد يؤهل إحتمالات تحويل الصراع والتنافس على السلطة الى حرب حقيقية بعد وفاة الملك سلمان لكثرة الأبناء ولعدم وجود مورد يتفق عليه الجميع في تقاسم النفوذ الحكومي بينهم.

لم تكن التغيرات التي قام بها الملك سلمان بن عبد العزيز ذات طابع عفوي، بل تحمل في طياتها محاولة تعزيز الجناح السديري في السلطة خصوصاً بعد تعيين الأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد الذي لم يستغرق طويلاً في منصبه حتى تم تعينه ولياً للعهد، فضلاً عن تعيين الأمير محمد بن سلمان الإبن الأصغر للملك ولياً لولي العهد. وبذلك يكون الملك الجديد قد إنقلب على التقاليد الملكية بشكل كامل بسبب وجود عدد من الأبناء الذين لم يشركوا في المناصب المذكورة كالأمير تركي الثاني بن عبد العزيز أو غيرهم.

ويعد هذا التحول الأصعب تاريخياً كونه لايمثل تزعم الجناح السديري للسلطة فحسب، بل يمتد تأثيره ليكون صدام مستقبلي بين الأحفاد أنفسهم بسبب المعايير التي إعتمدها الملك والتي تمثل إنتقالاً نوعياً عن الأعراف التاريخية التي إرتبطت بنظام المملكة السياسي منذ تأسيسها.

السديريون: ولادة جديدة

      يعد السديريون الجناح الأقوى في المملكة اليوم، الى جانب فريقين آخرين هما جناح أبناء فيصل بن عبد العزيز، وجناح الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز، والسديريون، هو إسم يطلق على سبعة من أبناء الملك عبد العزيز آل سعود من زوجته حصة بنت أحمد السديري الذي يعد الملك سلمان بن عبد العزيز سادسهم من حيث العمر ويكبره إثنين من الأمراء الأحياء هم عبد الرحمن وتركي الثاني ويصغره الأمير أحمد بن عبد العزيز. أما ما يخص بقية الأجنحة فإنها أصبحت ضعيفة الى حد كبير خصوصاً أبناء فيصل بن عبد العزيز بعد إعفاء الأمير سعود الفيصل من وزارة الخارجية وتكليف السفير عادل الجبير بها.

وتعكس رغبة الملك في إصدار الأوامر الملكية ما يساعد تأمين مركز صنع القرار السياسي والأمني، خصوصاً حيال الدور الذي تسعى المملكة ممارسته في المنطقة، فالمعارضين لسياسات التدخل المفرط كالأمير مقرن بن عبد العزيز أو الأمير طلال بن عبد العزيز صاحب حركة الأمراء الأحرار الداعية الى ملكية دستورية تحكم البلاد من شأنهم أن يعرقلوا أي مشروع يتبناه الملك حيال المنطقة، فضلاً عن أنه يزعزع من حركة التفاعل داخل غرفة صنع القرار بسبب المعارضة المستمرة للقرارات.

وبالتالي فإن التسلسل الزمني لإصدار القرارات الملكية عبر تأمين مركز السلطة يساهم في تعزيز سلطة الملك والأسرة السديرية على السلطة، ورغم ذلك يرى المراقبين أن من أهم المخاوف التي قد تهيمن على المشهد السعودي مستقبلاً هو الخلاف على إختيار الملك القادم نظراً لأن هيئة البيعة التي أسسها الملك منذ عام 2006 لم تجتمع لإختيار أولياء ولّيي العهد، وهذا ما يعني صعوبة إنتقال الشكل الأميري في ولاية العهد الى الملوكية مستقبلاً.

تحولات الدور الخارجي: تورط أم صياغة إقليمية

      واحدة من أهم التحولات التي شهدتها السعودية بوصول الملك سلمان بن عبد العزيز الى السلطة وجناحه السديري هو تخلي المملكة عن سياستها القائمة على أساس الحذر والتهدئة والتعامل من منطق المبادرات لمعالجة قضايا المنطقة والتحول بإتجاه التدخل المفرط وإستخدام الإسلوب العسكري المباشر في معالجة الأزمات التي تمر بها المنطقة.

فمن حيث المقارنة يمكن ملاحظة إختلاف الدور السعودي عندما تبنى المبادرة الخليجية بزعامة عبد الله عن التدخل العسكري الذي قادته المملكة بقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز ضد اليمن، فضلاً عن القرارات التي إتخذتها المملكة ضد الحوثين في اليمن، إلى جانب ذلك تحشيد الجيوش العربية لممارسة دور جديد في الأمن الإقليمي، علاوةً على دورهم في العراق وسوريا الدافع بإتجاه توسيع نفوذهم هناك.

ويبدو إن هذا التغيير قد جاء متوافقاً مع الرغبة الأمريكية في صياغة دور جديد للمملكة في منطقة الشرق الأوسط، إذ يذكر الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط "سايمون هندرسون" إن رؤية الأمير محمد بن نايف للأمن في المنطقة تتفق تماماً مع رؤية الولايات المتحدة الأمريكية وخصوصاً وكالة الإستخبارات المركزية (CIA)، فضلاً عن أنه يمتلك رؤية واضحة في التعامل مع الإرهابيين والسلفيين الجهاديين بسبب التحالف الوثيق بين السديريون والمؤسسة الوهابية في المملكة.

وعلى مستوى السياسة الخارجية فقد إستبدل الملك سعود الفيصل بسفيرها لدى الولايات المتحدة الأمريكية عادل الجبير الذي يرجح الكثير من المختصين أن إختياره كان نتيجة لضغوط أمريكية في هذا الشأن، خصوصاً وأن الوزير الجديد لا ينتمي الى الأسرة الحاكمة.

إن التعديلات الملكية وإن كانت تعبر عن تحول داخلي لإدارة الحكم إلا أنها في الحقيقة لا يمكن عزلها عن الدور السعودي الجديد ومشروع المملكة العربية في إنهاء نفوذ الأخوان الواسع في منطقة الشرق الأوسط بعد ضرب مصر وتعزيز دور الإمارات العربية المتحدة الى جانبها بدلاً من التحالف القطري التركي، وهذا ما إرتبط برؤية أمنية واضحة قادرة على ربط المتغيرات التي تعيشها المنطقة والمصالح الدولية فيها، وهو ما يرتبط أساساً برؤية القادة الجدد كالجبير ومحمد بن نايف في هذا الجانب.

ورغم ذلك تبقى المخاوف تحيط بالمشهد السعودي مستقبلاً خصوصاً مع وجود الأبناء الضائعون بين كبر السن وبين المطالبة بالتغيير لمملكة دستورية، فضلاً عن المطالب الإجتماعية الهادفة الى التغيير خصوصاً في القطيف والإحساء التي سوف يكون لها دوراً مهماً في تأمين مسارات جديدة لنظام المملكة في ظل هذه الفوضى.

 

مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية

 http://mcsr.net

 الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز



التعليقات
اضف تعليق

X