قضايا محلية

إشكاليات الانتخابات المبكرة في ظل حكومة الكاظمي

   بعد أن خلفت حكومة الكاظمي حكومة عادل عبد المهدي الذي قدم استقالته مطلع ديسمبر/كانون الأول 2019، تحت ضغط احتجاجات شعبية مناهضة للحكومة والطبقة السياسية الحاكمة المتهمة بالفساد والتبعية للخارج، كما شهدت الدعوة إلى تغيير الحكومة وحل مجلس النواب، وصولاً للمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة بهدف إحداث تغيير جذري في المنظومة السياسية التي قامت على ركائز المحاصصة الطائفية بين الكتل السياسية المهيمنة على مفاصل النظام السياسي الذي تشكل بعد 2003، وقوبلت تلك المطالب باستجابة حكومية من مجلس النواب الذي عمل على إقرار قانون انتخابات جديد مبنياً على ضرورة أن تعاون كل الأطراف المعنية لإكمال قانون الانتخابات الجديد ووضع أسس عملية انتخابية نزيهة وعادلة، ومن المقرر أن تكون من مهام حكومة الكاظمي المؤقتة إجراء انتخابات مبكرة، لكن لا يبدو على حكومة الكاظمي الجدية الواضحة بأجراء هذه الانتخابات في ظل الظروف التي يعيشها العراق وفق المعطيات المالية، بالإضافة إلى أن الاجتماع المشترك بين هيئة المستشارين في رئاسة الوزراء واللجنة المالية وهيئة رئاسة البرلمان بخصوص الأزمة المالية وأولويات الصرف، لم يشهد مناقشة توفير المخصّصات المالية لإجراء الانتخابات على الرغم من أن هذا الملف يأتي ضمن أولويات الحكومة الحالية.

ولم تشهد حكومة الكاظمي التصويت على الموازنة واستكمال القانون الانتخابي واكتمال المحكمة الاتحادية التي يخلو أحد مقاعدها، وعدم إقرار الموازنة يُعتبر أحد المعوقات الأساسية، إذ تتطلّب الانتخابات تخصيص نحو 250 مليون دولار للوفاء بحاجات المفوضية لإجراء الانتخابات المبكرة.

وحسب تصريح للرئيس السابق لمفوضية الانتخابات العراقية عادل اللامي أن الإمكانية الفنية متوفّرة لدى المفوضية لإجراء الانتخابات خلال أشهر، لكن عدم وجود الإرادة السياسية هو المعوق الرئيس، وأن قانون الانتخابات لا يُعدُّ صادراً لأنه لم يخرج من البرلمان حتى الآن فضلاً عن عدم الجدية لدى الكتل السياسية في إكمال جدول الدوائر الانتخابية المرفق مع القانون، ولا يعتبر اللامي النقص الحاصل في أحد أعضاء المحكمة الاتحادية أمرا معطّلا للانتخابات مبيّناً أنها حجّة واهية.

وتعتبر الخلافات السياسية وعدم حسم الملفات القانونية والتنظيمية عامل أساسي بعدم الإسراع بأجراء الانتخابات المبكرة، وكذلك في إكمال التصويت على قانون الانتخابات الجديد الذي يتضمن طريقة الانتخاب الفردي بالنسبة للمرشحين واعتماد نظام الدوائر المتعددة على مستوى القضاء في كل محافظة، إلى جانب صعود المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات في الدائرة الواحدة، وأن إقرار القانون بصيغته الجديدة يعد تراجعاً لهيمنة الأحزاب والكتل السياسية وأن ممانعة الأحزاب داخل البرلمان لعدد من مواد القانون بخصوص نسبة التمثيل السياسي للقوائم وطريقة الانتخاب الفردي كان سبباً واضحاً في تأجيل البرلمان على تصويت المشروع أكثر من مرة، فيما برزت عدة مشكلات فنية بالدخول لتفاصيل المشروع لم يتوقعها المشرعين سواء بشأن الدوائر المتعددة وكيفية احتسابها إن كان على أساس المحافظات أو الأقضية وانتخابات الخارج وتمثيل النساء.

وفي ضوء تأزم المشهد العراقي وافتقار الكاظمي لغطاء برلماني يتيح لهُ الإيفاء بتعهداته بتنظيم انتخابات مبكرة في ظل الأزمة المالية التي يعيشها العراق المتمثل بإقرار قانون الانتخابات الجديد وتشكيل مفوضية جديدة للانتخابات تمهيداً لإمكانية إجراء الانتخابات المبكرة برغم صعوبة تكلفتها واعتبارها فرصة مواتية، للبدء في تغيير قواعد المنظومة السياسية والشروع في بناء نظام سياسي كفء يرتكز على أسس المواطنة والثقة التي تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وبما يسهم في إحداث تغيير جوهري في معادلة الحكم القائمة، وقد لا يبدو أن الكاظمي قادراً للقيام بكل تلك التعهدات بالمدة الزمنية التي تعهد بها مما يثير الشكوك حول قدرته للإيفاء بكل وعوده، هذا وقد بدأ الكاظمي بتغيير عدة مناصب سيادية وعسكرية لكنها لم تكن لترضي تطلعات الشعب العراقي الداعي إلى تغيير جذري في بنية النظام السياسي الذي تشكل في عراق ما بعد 2003 مروراً بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة بداية بتغيير قانون الانتخابات وتغيير قانون الأحزاب الذي يواجه معوقات، إذ أن بعض الأحزاب ترفض القيام بهذا الأمر، لأن الغاية من أي قانون للأحزاب هو إنهاء ارتباطها بالخارج والحد من هدر المال العام بتمويل الأحزاب من خلال تقديم إعانة مالية تندرج ضمن الموازنة العامة للبلاد وهو ما يثقل كاهل الدولة، خاصة أن العراق يعاني من أزمة مالية حادة وضعف في البنى الاقتصادية، وأن تخصيص إعانات هو أمر لا يتناسب مع الوضع المالي والاقتصادي في البلاد خاصة للعشر أو الخمسة عشر سنة القادمة لا سيما أن منظومة الأحزاب قامت بشكل أساسي على الفرز المذهبي والطائفي والمناطقي وتسعى الأحزاب في ممانعة ومماطلة التصويت على مشروع قانون الأحزاب خوفاً على إنهاء نفوذها وتسلطها.

وسط كل هذه المعطيات فلا يبدو أن الكاظمي قادراً للإيفاء بوعده للثوار والشعب العراقي الذي بدأ يفقد صبره من الثلة الحاكمة، وبطبيعة الحال فأن قرار الانتخابات المبكرة يحتاج لإرادة جدية وتوافق سياسي وسط مجلس النواب، ومن الصعب الجزم بواقعية السلطة التشريعية للمضي بخطوات إنهاء قانون الانتخابات الجديد لعدم توافر الاتفاقات بين الكتل السياسية التي لا تريد فقدان نفوذها والتي تسعى لإثبات أحقيتها الواحدة دون الأخرى، ولكل كتلة سياسية حجج وإثباتات في فرض سيادتها على الشارع العراقي الذي لا يبدو عليه القبول أو حتى الاقتناع بكل الخطوات التي تبديها الحكومة، هذا وقد أثبتت الحكومة فشلها الذريع بأكثر من مناسبة وثمة اتجاهات متعددة ترى أن القوى المؤيدة لإجراء الانتخابات المبكرة في العراق تسعى للحصول على امتيازات جديدة والسعي لكسب الجماهير، فعلى مدى الأعوام الماضية جرى بناء العملية السياسية على أساس محاصصة عرقية وطائفية بسبب قوانين الانتخابات ومفوضية الانتخابات التي تشكلت على أساسها وبموجب مخرجات تلك القوانين وتأثيرها على التمثيل البرلماني، حيث جرى توزيع المقاعد والمناصب طبقاً للمحاصصة وهو الأمر الذي تجلى بوضوح في الجدل الدائر حول طريقة الانتخاب الفردي واعتماد نظام الدوائر المتعددة الذي سيتوقف على مدى قدرة القوى السياسية العراقية ونجاحها في إدارة الأزمة الممتدة تدريجياً والمشاورات وليس بالضربة القاضية، لتغيير المعادلة السياسية في العراق في ظل تشابكاتها الإقليمية والدولية.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات