حلقات نقاشية

مركز المستقبل ناقش غياب التخطيط الاستراتيجي في العراق

   ضمن نشاطات مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية قدّم الباحث في المركز والأستاذ في جامعة بابل الدكتور قحطان حسين اللاوندي ورقة بحثية بعنوان: (غياب التخطيط الاستراتيجي لدى صانع القرار العراقي)، وذلك في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي عُقد الكترونيا من خلال برنامج (zoom) بمشاركة عدد من الباحثين والأكاديميين والمثقفين.

وفيما يلي نص الورقة البحثية:

لا شكّ ان التخطيط الاستراتيجي يُعد عاملا مهما في صياغة وتصميم سياسة أية دولة، وذلك لان التخطيط الاستراتيجي يشكّل مرتكزا تستند إليه آليات ووسائل إدارة الدولة في الجوانب كافة سواء الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية أو الإدارية، وبالتالي فان نجاح الحكومات في إدارة شؤون دولها يتوقف على درجة إتقانها للاستراتيجية التي تضعها وتكريس جهودها وإمكانياتها لتنفيذ بنودها.

ان التخطيط الاستراتيجي يعني تحديد الأهداف التي تسعى إليها المجتمعات البشرية بطرق علمية، مع التركيز على المستقبل للوصول لنتائج مستقبلية بمعنى إن التخطيط الاستراتيجي هو تخطيط بعيد المدى يأخذ في الاعتبار المتغيرات الداخلية والخارجية ويحدد القطاعات المستهدفة، وبذلك يمكن القول بأن التخطيط الاستراتيجي هو تحديد للأهداف والغايات الأساسية في مجال معين، وهنا نقصد المجال السياسي في المدى البعيد ثم اختيار وسائل بعينها من بين خيارات مدروسة ومحسوبة لتحقيق هذه الأهداف أي إنه تفكير منظم لما يريد أن يفعله الإنسان أو أن يكون عليه في المستقبل البعيد كغاية يسعى للوصول إليها من خلال البحث الدقيق لاختيار أفضل الوسائل لتحقيق الهدف أو الأهداف بأقل كلف وبأقل وقت، ان التخطيط الاستراتيجي الذي يتضمن كل من التحليل الاستراتيجي والاختيار الاستراتيجي وتحديد البدائل يسعى إلى الوصول إلى الترابط والتناسق بين الأهداف الاستراتيجية والمرحلية والأهداف قصيرة المدى، وكذلك الترابط والتناسق بين الأهداف والتشريعات والسياسات الاستراتيجية، وتحقيق التكامل بين كل منها بحيث تصب كل الجهود في اتجاه تحقيق الغايات المحددة بأفضل السبل وفي ظل الظروف والمخاطر والتطورات وعلى الصعيد المحلي والإقليمي والدولي.

ان للتخطيط الاستراتيجي أهمية فائقة عندما تقاس ثقافة الشعوب والدول وتقدمها ونجاحها بوجود ثقافة التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، فنجد مثلاً دولاً أصبحت في مقدمة الدول صناعياً واقتصادياً خلال فترة قصيرة من الزمن بعدما دمرت اقتصادها الحروب والفقر ومشاكل النمو السكاني، وذلك من خلال وجود ثقافة التخطيط الاستراتيجي لدى هذه الدول فأصبحت بفضله في مصاف الدول العالمية صناعياً واقتصادياً، وأكبر مثال على ذلك دول الشرق الأقصى ابتداءً باليابان ومروراً بكوريا الجنوبية وماليزيا وانتهاءً بالصين. ونجد أيضاً دولاً صغيرة جداً لا تكاد أن تظهر على الخارطة العالمية أصبحت في مصاف الدول العالمية بسبب وجود التخطيط الاستراتيجي المبني على دراسات علمية متقدمة.

وفي المقابل نجد الدول التي تعاني من غياب التخطيط الاستراتيجي غارقة في كمٍّ هائل من المشكلات في مجالات الحياة كافة، إذ يؤطر الإرباك والفشل مساحة كبيرة من نشاطات وأعمال مؤسساتها وأجهزتها، وتسود فيها القرارات غير المدروسة وغير العلمية والتي سرعان ما يتم نقضها بقرارات أخرى مما يولد مشهدا مليئا بالفوضى الهدّامة، ومن هذه الدول العراق، الذي يعاني من غياب واضح للتخطيط الاستراتيجي كنتيجة طبيعية لهشاشة النظام السياسي والصراع الواضح بين أركانه.

ويسترسل اللاوندي بالقول ان التساؤل المهم الذي يغازل الأذهان هو: ما سبب غياب التخطيط الاستراتيجي لدى صانع القرار العراقي؟. وقبل الإجابة عن هذا السؤال لابد أن نوضح بأن التخطيط الاستراتيجي يحظى بأهمية كبرى في الدول المتقدمة ذات البيئة المستقرة والتي تشهد تكاملا بنّاءً بين مؤسساتها، التي تعمل وفق منهج إداري علمي قائم على توزيع الأدوار وتقسيم المهام وفق اطار قانوني متكامل يفرض هيبته على الجميع، أما الدول التي تعاني من أوضاع غير مستقرة كالعراق فالتخطيط الاستراتيجي فيه لا يحظى باهتمام كافي بل ربما يكون غائبا عن أجندة الحكومات وذلك لأسباب عدة منها:

1- طبيعة النظام السياسي التوافقي في العراق (المحاصصة) الذي جعل كل وزارة تعمل بشكل مستقل عن الأخريات فغاب العمل المشترك المنظم والتكاملي، فضلا عن ان كل وزارة هي من حصة حزب سياسي معين يقوم بتسخير الوزارة لمنفعة أعضاءه ومؤيديه وفق أساليب بعيدة عن المصلحة الوطنية وتضمن المنفعة الآنية العاجلة للوزير وكتلته.

2- تغييب دور الكفاءات العلمية وعدم أخذ الحكومة بمشورتهم فيما يتعلق بالتخطيط الاستراتيجي وأهميته، وهذا نابع من استئثار الطبقة السياسية بالقرارات المصيرية للبلد وغالبا ما تكون هذه القرارات بعيدة عن متطلبات المصلحة الوطنية.

3- ان الحكومات المتعاقبة وان كانت تعلن عن برنامج حكومي يستند إلى رؤية قد تشكّل مرتكزاً لتخطيط استراتيجي، لكن هذا البرنامج الحكومي لا يعدو كونه خطاب إعلامي يدرك من وضعه انه غير قابل للتطبيق لأسباب عديدة منها لعبة التسقيط والتسقيط المضاد التي تمارسها الأحزاب السياسية فيما بينها، وذلك خوفا من نجاح حزب أو مسؤول ما في مهامه وبالتالي ازدياد شعبيته وتوظيف هذه الشعبية في الانتخابات.

4- أغلب الحكومات في العراق تعمل بمنطق السعي لإدامة الاستحواذ على السلطة وهي تخطط لتحقيق هذا الهدف حتى لو تطلب ذلك اتباع سياسات فوضوية بعيدة عن التفكير الاستراتيجي الهادف، بمعنى آخر ان هدف الاستحواذ على السلطة يحتل الأولوية لدى أحزاب العراق على حساب هدف الإنجاز وتحقيق الأهداف الوطنية العامة.

5- شكّل الصراع الإقليمي والدولي على النفوذ في الساحة العراقية، معوقا كبيراً أمام التخطيط الاستراتيجي المطلوب لتحقيق التنمية في العراق، إذ ان التخطيط الاستراتيجي الناجح يهدف لتحقيق مصلحة البلد بالدرجة الأولى حتى لو كان ذلك على حساب مصالح الدول الأخرى، لذلك تسعى الدول ذات النفوذ في العراق إلى إفشال أي تخطيط استراتيجي وطني لأنه ربما يلحق الضرر بمصالحها خصوصا في ظل غياب شخصيات وطنية كفوءة ذات قدرات دبلوماسية تمكّنها من التوفيق بين المصالح العراقية ومصالح الدول الأخرى.

6- غياب التعاون بين الشعب والحكومة لضمان نجاح أي تخطيط استراتيجي مفترض، إذ ان الفئات الاجتماعية والطبقات الشعبية تتبنى سلوكيات قائمة على طلب النفع الآني والمباشر والفئوي وهي غير مستعدة لتفهم بعض القوانين والقرارات الحكومية ذات النتائج بعيدة المدى، مما يؤدي إلى بلورة رأي عام معارض لقرارات حكومية تتأمل منها الحكومة نتائج إيجابية خلال مدد زمنية طويلة.

ويستمر اللاوندي في عرض ورقته قائلاً: وللأسباب أعلاه تبقى مسألة التخطيط الاستراتيجي مغيّبة في العراق وهو ان وجد لا يعدو ان يكون حبرا على ورق، وفي ظل هذا الغياب بالتزامن مع تفاقم المشكلات السياسية والاقتصادية والأمنية في العراق، فان الماسكين بالسلطة في العراق مطالبين اكثر من أي وقت مضى بالاهتمام بالتخطيط الاستراتيجي كونه احد المرتكزات المهمة التي تمهد لتحقيق الإنجاز على الصعد كافة من خلال رسم خطة استراتيجية متكاملة تتضمن الأهداف ووسائل تحقيقها والخطط البديلة استنادا لرؤية علمية يضعها ذوي الخبرة والكفاءة، ولعل أولى الخطوات لضمان تخطيط استراتيجي هو إعادة الدور المهم والحيوي لوزارة التخطيط وكذلك دوائر التخطيط الاستراتيجي في كل مؤسسات الدولة العراقية، ولا يخفى على احد ان نجاح هذه المسألة مرتبط بتحقيق الإصلاح الشامل في العراق الذي يطالب به الشعب والتيارات السياسية على حدّ سواء.

ولإغناء الموضوع بالآراء القيّمة علميا طرح مقدم الورقة السؤالين الآتيين:

السؤال الأول/ ما أسباب غياب التخطيط الاستراتيجي في العراق؟السؤال الثاني/ كيف نصل إلى تخطيط استراتيجي حقيقي قابل للتنفيذ وضامن لتحقيق التنمية في العراق؟.

فرق بين التخطيط والتفعيل

الدكتور طارق عبد الحافظ الزبيدي التدريسي في كلية العلوم السياسية- جامعة بغداد قال: ابتداءً هناك فرق بين غياب التخطيط الاستراتيجي أو عدم تفعيل التخطيط الاستراتيجي، الدولة العراقية منذ تأسيسها لغاية اليوم توجد فيها خطط كثيرة، والدليل عند الذهاب إلى وزارة التخطيط أو أي دائرة من دوائر الدولة تجد هناك خطط استراتيجية بعضها خطط خمسية (5 سنوات) والبعض الآخر (بين 10-20 سنة) وأحيانا توجد خطط بعيدة المدى (30 سنة فاكثر)، ولا توجد وزارة في الدولة العراقية لا تحتوي على دائرة أو مديرية مختصة بالتخطيط الاستراتيجي، وعندما تطلب الخطط تجدها ولكن ما مدى العمل بها وما مدى تطبيقها؟ الجواب انها خطط لا يتم التقييد بها، والحجج حاضرة (ظروف البلد، الأزمة المالية، سياسات الوزير، الواقعية في التعامل مع الأزمات الآنية) وغيرها من الحجج، علماً ان غياب التخطيط الاستراتيجي في العراق بدأ تقريباً مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، والسبب ان الدولة العراقية بدأت تعمل وفق ما يسمى بخطط الطوارئ، وأسباب غياب تطبيق التخطيط الاستراتيجي ما يلي:

1- الحروب والوضع الأمني وانعكاس ذلك على بنية الدولة العراقية بكل مفاصلها.

2- عدم وجود إلزامية في بعض القوانين على التقييد بالخطط الاستراتيجية، في حالات كثيرة يتم الخروج على الخطط المصممة من قبل الشخص المنفذ ولا نجد قانون صارم يحاسب من يخالف الخطط المرسومة، على العكس في بعض الحالات يكرم الشخص الذي خالف الخطط كونه قد اجتهد لغرض المصلحة الوطنية.

3- التدخل السلبي للسياسة في وضع أو تنفيذ التخطيط الاستراتيجي.

4- التدهور الاقتصادي الذي يعيشه البلد يؤدي إلى تعثر الكثير من الخطط الاستراتيجية.

5- غياب عقلية رجل الدولة الذي يخطط قبل ان ينفذ، وشيوع ثقافة رجل السياسة الذي ينفذ ثم يخطط.

إضافة الى ان أهم الوسائل والآليات الضامنة للوصول لتخطيط استراتيجي فاعل وحقيقي في العراق بالآتي:

1- تفعيل دور وزارة التخطيط من اجل وضع خطط انية مستعجلة، ومتابعة الاستراتيجيات غير المفعلة.

2- البدء بوضع خطط استراتيجية اقتصادية، قبل غيرها من الاستراتيجيات، وبعد نجاح الخطة الاقتصادية الاستراتيجية وتطبيقها بشكل فعال والانتقال الى التخطيط الاستراتيجي العام والشامل لكل مفاصل الدولة.

3- تشريع قوانين تلزم دوائر الدولة بتطبيق الخطط الاستراتيجية الموضوعة لكل وزارة ومحاسبة من يخالف هذه الخطط.

4- الاعتماد على المختصين في وضع وتطبيق الاستراتيجيات وعدم القبول بالضغوط السياسية التي غالباً ما تؤثر تأثير سلبي على التخطيط والتنفيذ.

5- ضرورة الاستفادة من تجارب الدول التي نجحت في مجال التخطيط الاستراتيجي مثل دولة ماليزيا أو غيرها.

الافتقار الى التخطيط يعني الفشل

د. أسعد كاظم شبيب عميد كلية العلوم السياسية في جامعة الكوفة قال: لا شك لدينا ان التخطيط الاستراتيجي ركيزة فاعلة في صنع وتنفيذ السياسات الداخلية والخارجية، فأي مشروع تنموي أو قضايا تخص أمن وسيادة البلد وتطوره لا يستند على خطط استراتيجية يكون نهايته الفشل أو التعثر، من هنا فإن من اهم عيوب العملية السياسية في العراق غياب التخطيط الاستراتيجي وهذا راجع إلى أسباب مختلفة منها ما يتعلق بالبنية الاجتماعية والسياسية التي تعتمد عليها العملية السياسية في العراق، ثانيا انعكاسات التشوه الذي بدأ مع شكل نظام الحكم في العراق بدأ من تغيير النظام السياسي الاستبدادي السابق الذي هو الآخر سيتم بكل صفات الفشل وغياب المشاريع والقرار العقلاني الاستراتيجية، من جانب ثاني فإن غياب المشاريع والقرارات الاستراتيجية يبرز مع أي أزمة صغيرة أو كبيرة ولعل أبرزها موقف المؤسسات العلمية السياسية من الانتهاكات الخارجية واستفحال المشاكل الداخلية، وغياب المعالجات الاقتصادية لاسيما وأن الدولة العراقية ظلت مرهونة بالاقتصاد الريعي القائم على الأحادي النفطي.

على المخطط الاستراتيجي الاستعانة والتعلم

الدكتور محمد مسلم الحسيني، بروكسل-بلجيكا يرى ان: التخطيط الاستراتيجي الناجح يجب أن يؤطر بمثابات حقيقية واقعية مخلصة تقوم على أساس علمي وعملي مشهود وتوجه بإرادات حيّة قادرة وكفوءة مزدانة بالشروط الأساسيّة التالية:

أولا/ الاختصاص والمهنية: مهندس الخطط الاستراتيجية يجب أن يكون قد شهدت له خبراته العلمية والعملية بكفاءته ونهجه ونجاعة أفكاره واتساع تجاربه وخبراته الشخصية، من لا يملك هذه المستلزمات يجب الّا يتبوأ مكانا في التخطيط الاستراتيجي الذي يعوّل عليه البلد لشق مستقبله ومستقبل أبنائه.

السياسي سطحي المعرفة عليه الاّ يحشر نفسه بين أهل العلم والمعرفة فيكون حجر عثرة أمامهم أو يدفعهم كرها إلى الوقوع بالهفوات التي قد تكون قاتله، هذا ما حصل ويحصل في إدارة شؤون العراق المتعثرة بسبب هدم السياسي لما يبنيه المختص وصاحب المعرفة والكفاءة أو يريد بنائه، المخطط لاستراتيجيات البلد يجب الاّ تأتي به أحزاب أو أهواء أو إرادات معينه إنما يأتي به أهل العلم والمعرفة لأنه سيكون أمام امتحان عسير ومسؤولية كبرى، السياسي غير المختص عليه تشجيع البحث عن أهل الخبرة والمعرفة في التخطيط لا أن يقوم عبثا مقامهم أو يتدخل في اختيارهم.

ثانيا/ الإخلاص: وهذه كلمة كبيرة الأبعاد لكنها أساس النجاح في التخطيط الاستراتيجي لكل بلد، هل من يخطط لبناء بلده هو مخلص في نيته وفعله أم أن المصالح الشخصيّة والفئوية والعنصرية والطائفية والحزبية وغيرها تبقى نصب عينيه؟، المخلص هو من يتجرد عن كل أهوائه الخاصة والعامة أمام مصلحة بلده ومشروعه، المخلص هو الذي لا ينظر الاّ بعين الإنسانية لأبناء بلده ومجتمعه، فينظر نظرة عدل ومساواة كي لا يحصل الخلل وتسوء النية، المخطط والمنفذ يجب أن يسلكا بضمير حي أمام المهمة المرمية على عاتقهما والمسؤولية المتبناة ومن لا يملك هذه النظرة وهذا الشعور لا مكانه له في التخطيط لبناء مستقبل أمة.

مع الأسف قلما وجدنا المثل الذي يقتدى به من أناس ينكرون الذات ويتنكرون لمصالحهم وأهوائهم، المركز الذي يعتليه المسؤول يجب أن يكون مهمة صعبة في عنقه ومرحلة مؤلمة ومجهدة في حياته، لا غاية وهدف يصبو له ويتقاتل عليه من أجل الفائدة والمتعة الشخصية الدنيئة.

ثالثا/ توافق الرؤى: التخطيط لمستقبل بلد يجب أن يكون على أساس التوافق والتقارب في الرؤى والأفكار بين الأطراف والكتل المتباينة وليس على أسس النرجسية والأنانية والكسب أكثر من الغير، التنافس والتسابق بين الأطراف على الفائدة والمصلحة الذاتية لا تؤدي الاّ الى الخراب والتشتت عاجلا أو آجلا، فالذي يدرس ويخطط استراتيجية بلد عليه أن يجعل العدل والقسط والإحسان أمام عينيه، لا يظلم أحدا ولا يقتص من أحد ولا يحابي أحد على أحد.

ان الفهم الاستراتيجي يجب أن يكون على أساس الحاجة العامة للبلد وليس جزء من البلد وعلى جميع الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والمالية والدبلوماسية، الرؤى التوافقية يجب أن تكون مبنية على أسس العدالة بكل شيء لا على أسس ضيقه وإرادات محدودة.

رابعا/ الاستعانة بتجارب الغير: هناك ستراتيجيات بناء بلدان في العالم نجحت بفترات قياسية، على المخطط الاستراتيجي الاستعانة والتعلم والبحث في تلك الستراتيجيات كي تكون موقع انطلاق وتبني تطبيق ما يصلح تطبيقه وترك الباقي للظروف الملائمة، لأن التجارب غير الناجحة ستختصر لنا الوقت وتقلل عنا جهد البحث وتعطينا مناعة ضد الفشل والخطأ والتلكؤ أن أحسنا السيرة ونجحنا في استخدام النهج، رغم أني لا أحب التشاؤم غير أني لا أجد أي شرط من هذه الشروط للتخطيط الاستراتيجي مطروح على الساحة العراقية حاليا مع الأسف!.

غياب ثقافة الوعي للتخطيط

الباحث حسن كاظم السباعي قال: كانت ولا تزال الفرص تتوالى على أرض العراق ليسمو في ازدهاره منذ قديم الزمن، كان ولا يزال عريقًا وموقعه وخيراته وكفاءة أبنائه مضرب للمثل داخليًا وخارجيًا. ومع سقوط الاستبداد عام ٢٠٠٣م اشرأبت الأعناق من جديد، وتنفَّس العراق الصعداء متأملًا بزوغ نجم حضارة مجيدة كحال أي شعب ينتفض من ركامه ليبني ويزدهر شجرته لا تزال بدون أوراق أو ثمار ماؤه المحيط به من كل جانب صار نهبا للطامعين من ساسة الداخل وقوى الخارج، كان الشعب ينتظر أن يثب وثبة عالية في التقدّم والمدنيّة، لكنه انحدر من شاهق ليبحث عن إسكان أو فرصة عمل فيُردّ خائبا!.

لماذا ينجذب للخلف وما الذي يدعوه للانحدار وهو في ذروة شبابه وعنفوانه رغم مؤهلاته الجيوبوليتيكية؟، هنا نجد أن ثمة عوامل داخلية وخارجية تتداخل لتحول دون صعوده؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: حالة عدم الاستقرار الداخلي، حيث لم تسمح له بعض الدول أن يثبت نظامه الديموقراطي، في وسط غياب نظام المواطنة الحقيقية، وتغليب مصالح حزبية أو طائفية أو عرقية. وعليه ظلَّ العراق يدور حول نفسه حيران أسِفا، مع أن الشعب أثبت أنه لا يريد الرجوع إلى الوراء بمظاهراته ومطالباته ومحاولة شبابه حيث يريدوا أن يذللوا العقبات بكل إخلاص ومقاومة، شعب خضع لكثير من التحديات فقاوم، كثرت عثراته لكنه لم يستسلم ولا يزال يتطلع نحو الأمام دائمًا.

اليوم جاء دور الشباب العراقي ليعيد رسم أولوياته ووضع معالم استراتيجياته ليعود ويمهد نفسه وأرضه لهدف أعلى وهو جعل العراق في وضع يستحقه، ومشوار الألف ميل يبدأ برسم خطوط عريضة لاستراتيجية واقعية يمكن تحقيقها في زمن معروف يتناسب والأهداف التي وضعها ليحتفظ فيها بسيادته، ثم يحتكم إلى دستوره الذي ينبغي أن يؤسس على المواطنة الصالحة والتعددية، والاستقلال الاقتصادي، ومشاريع استثمار البنى التحتية، والانفتاح على العالم. ولا يخفى أن العراق لا يشبه أيًا من دول الإقليم، فهو فريد من نوعه، فلا هو كالشعوب التي رضيت بحكومات الأُسر المالكة، والمؤسف أيضًا أنه لم يعتبر أو يستفد من الفرصة الديمقراطية التي أتيحت له فلم ينتخب المؤهلين لإدارة الحكومة وهذا طبيعي باعتبارها تجربة جديدة. لكن بعد عقدين من الزمن لابد له أن يعتبر من تجربته نفسها وأن يخرج من هذه الدوامة ليرتقي وذلك بإعطاء الفرصة لجميع المدارس الفكرية أن تدلي بدلائها وأن تطرح ما لديها من آراء ونظريات فكرية وسياسية، وذلك بشكلٍ عادل ومتساوٍ، حيث إنَّ ذلك حقيق أن يخرج الأكفأ والأجدر، كما لابد من التركيز علی جانب التعليم لزيادة الوعي فهو كفيل بتهيئة الشعب لقبول التعددية واللاعنف في سبيل الإعمار والسلامة والأمن والازدهار والوثبة من جديد.

غياب الإدارة الإستراتيجية لواقع المستقبل

الأستاذ الدكتور مناضل الجواري من كلية الادارة والاقتصاد –جامعة كربلاء يقول: تقليديا يعد التخطيط الستراتيجي تخطيط طويل المدى للمستقبل البعيد أو long run planning ويتصف بالكلية totalism أي يشمل أو يأخذ بالحسبان جميع المتغيرات الداخلية والخارجية والقطاعات والشرائح المختلفة وعلى صعيد المؤسسات الاقتصادية فهو يدرس مستقبل المؤسسة وعلاقاتها وتكاملها وارتباطاتها مع الغير، اضف إلى ذلك الواقع الإنتاجي والاقتصادي لها أي واقع الأنشطة الإنتاجية القائمة وعلاقتها بالبيئة المحيطة الداخلية والخارجية، وفي اطار الإدارة الستراتيجية يشكل التخطيط الاستراتيجي أهمية بالغة فهو يتسم بوضوح الرؤية والأهداف وإزالة الغموض وتزويد متخذي القرار بالية واضحة في التفكير فهو يتطرق التوقعات ودراستها في اطار البيئة المحيطة والإلمام بالتهديدات المختلفة الأمنية والاقتصادية...الخ، فهو أسلوب عمل يحدد مهام وواجبات كل المستويات في البلد، فهو مفتاح النجاح للاقتصاد برمته وللوحدات الاقتصادية، ويتساءل عن تحديد الأهداف وماهية البيئة المحيطة التي يتم التعامل معها وماهي العقبات، ويضع سيناريوهات مختلفة لنجاح الاقتصاد باحتمالات عدة ويخطط للطوارئ ويعد الخطط المختلفة لغرض التنمية الاقتصادية والتنمية المستدامة والتنمية البشرية وما إلى ذلك.

يعاني الاقتصاد العراقي بشدة من غياب التخطيط الستراتيجي فانخفاض مؤشرات الأداء الاقتصادي economic performance وتدهور البنى التحتية المطلوبة وتهالكها وانخفاض معدلات الإنتاج والإنتاجية وتوقف القطاعات عن الإنتاج وانخفاض التشغيل وزيادة البطالة وارتفاع معدلات تفشي الفساد المالي والإداري وانخفاض الشفافية وانخفاض أسعار النفط للاقتصاد الريعي الوحيد الجانب، فعلى متخذي القرار في العراق إصلاح القطاع الحكومي والخاص واعتماد آلية التخطيط الاقتصادي الستراتيجي ودعم منظمات المجتمع المدني وفهم خطورة الوضع الاقتصادي القائم وضرورة العمل المشترك لإصلاح الخلل والأخذ بكل أنواع التخطيط الستراتيجي واعتماده في:

- التخطيط الستراتيجي الأمني.

- التخطيط الستراتيجي في مجال السياحة.

- التخطيط الستراتيجي في جودة الخدمات الصحية –المصرفية –النقل.

- التخطيط الستراتيجي الاقتصادي –تنمية القطاعات المختلفة –الزراعة والصناعة.

ان التخطيط الستراتيجي يتطلب إدارة ستراتيجية تأخذ على عاتقها هذه المهمة وتنظر إلى الأمام بدراسة المستقبل آخذة بنظر الاعتبار دراسة الواقع القائم للاقتصاد الوطني.

النظام السياسي بعيد عن التخطيط الاستراتيجي

الدكتور حسين السرحان الباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية يقول: لازال النظام السياسي وسلطاته في العراق بعيدة عن فهم التخطيط الاستراتيجي وأهميته في ترسيخ بناء الدولة وتعضيد مؤسساته، قبل 2003 كان نظام شمولي سلطوي امني هدفه المحافظة على السلطة، وبعد عام 2003 تواجدت "قوى سياسية" هدفها لا يختلف عن الحزب الواحد الحاكم في المحافظة على السلطة وتعزيز التمسك بها. ولهذا وظفت منظومة الدولة وأطرها التشريعية بدء من الدستور وصولا إلى ادنى مستوى من التعليمات وأنظمة العمل. ونتيجة لذلك، فان هذه القوى –ان صح التعبير– غرقت في مستنقع المخالفات للفوز بأكبر قدر من المكاسب، ولهذا اليوم هي تطمح إلى استدامة المكاسب والتملص من الرقابة والعدالة.

السبب الآخر هو ان اللازمات المتلاحقة لا يمكن ان تجعل المؤسسات الوطنية ومنظومة الدولة -ان وجدتا افتراضا-، من التفكير والعمل على وضع خطط استراتيجية.

وسبب ثالث يتعلق بالإرادة السياسية الوطنية المؤمنة ببناء الدولة، والتي هي معدومة منذ عام 2003 وحتى قبله، حتى لو وجدت خطط استراتيجية إلا ان الإرادة السياسية المشوهة والضيقة النظر ذوبت جهود إعدادها وتركتها على رفوف البيروقراطية المقيتة، فقد تم إعداد اكثر من عشرات الاستراتيجيات في قطاعات الحياة المختلفة، ولكن لم يتم التقيد بها والالتزام بتطبيقها. لان هدف السلطة ليس مع بناء الدولة.

نرى ان توطيد الأنظمة المؤسساتية المبنية على تناسقية تشريعية ضامنة للتطور والتقدم ومختصرة لكثير من إجراءات البيروقراطية، هي الحل الأبرز. ويكون ذلك عبر توافر عدة أركان:

- اطر تشريعية متكاملة متناسقة.

- سيادة القانون وإنفاذه على كامل إقليم الدولة والأفراد.

- رقابة.

- المساءلة.

- التمكين.

- الشفافية.

هذه الأركان أو المقومات هي من تجعل المؤسسات ملزمة بوضع الخطط الاستراتيجية موضوع التنفيذ. وهي من تقود حتما إلى الذهاب إلى منهج حل الأزمات وتجاوزها وليس تأجيلها.

عدم دراسة الرؤيا المستقبلية

المحامي أحمد السعد قال: اعتقد التخطيط الاستراتيجي أو التخطيط بعيد المدى يكون فاعلا وإيجابيا لو تم اتخاذ الخطوات المدروسة والصحيحة وجعل كل مصالح الدولة في تكييف واقعي بحيث تكون نتائج ذلك التكييف اكثر تطوراً ونمواً مع تقدم عمر البلد. الملاحظ في العراق غياب أو تجاهل صانع القرار للتخطيط الاستراتيجي بسبب عدم دراسة الرؤيا المستقبلية وتفحص الوضع العام وما ينتج عنه من أزمات على مصالح الناس، عدم وجود قرار استراتيجي موحد بسبب تشارك القوى السياسية في ازدواج اتخاذ القرار، انغماس اغلب القوى الماسكة بزمام السلطة بمصالحها ومنافعها التي تريد تنميتها بصورة مستمرة، تخوف صاحب القرار من وضع خطة استراتيجية يعتمدها كلياً وبعدها يخشى ظهور أزمات لا يمكن تداركها.

وللوصول إلى آليات ونتائج عملية ضامنة للوصول إلى تخطيط استراتيجي سليم يمكن اتباع تجارب الدول المتقدمة التي وصلت أوج ازدهارها ورفاهيتها من وضع خطط اقتصادية مستقبلية يعتمد عليها بقرارات رصينة، الوعي التام بأهمية دراسة قطاعات الدولة وتوفير الاحتياجات لتلك القطاعات، إصدار تشريعات قانونية من شأنها تنظيم الوضع العام وتوفير سبل التعاطي مع الأزمات بوضع قانوني مستقر، تجرد صاحب القرار من التأثيرات الحاصلة واتخاذه مصلحة البلد العليا هي المعيار لوضع تخطيط استراتيجي بعيد المدى يساهم بالتطور الاقتصادي والازدهار الاجتماعي.

عدم وجود فهم كافي لبناء الدولة

المحامي زهير الميالي يرى ان: أسباب غياب التخطيط الاستراتيجي في العراق هو عدم وجود دولة مؤسسات في العراق، وكذلك عدم وجود فهم كافي لبناء الدولة لدى المتصدّين من أصحاب القرار.

إضافة إلى ذلك، أن بناء الدولة العراقية أصلا هو مبني على نوع من الهشاشة والتخلف في الهيكل البنياني قديماً وحاليا، كذلك وجود عوز تشريعي ودستوري يبين الخطوط العامة التي يسلكها ويسير عليها من يتصدى لموقع المسؤولية، وعدم وجود جدول تشريعي يوضح أولويات التي يريد المشرع إقرارها، ودخول أغلب القوانين والتشريعات في سلة المحاصصة وبدعة السلة الواحدة أن السير على هذا البدع يفرغ القانون المشرع من محتواه.

ان الآليات التي تؤدي إلى وجود تخطيط استراتيجي تتضمن تقنين القوانين إلى مهمة وثانوية تؤدي هذه الحالة إلى التخلص من التداخل التشريعي، وجعل القضاء هو الفيصل في التعارضات التي تنشأ بين مؤسسات الدولة المختلفة، وإيجاد لجان مختصة داخل البرلمان من القانونيين واكاديميي العلوم السياسية الذين يعطون استشارات ويقدموها للسلطة التشريعية، عدم وجود ثقافة انتخابية لدى الناخب يميز بين المرشحين، وجود العشائرية في التصويت بأعلى مستواها.

......................................

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات