تشهد الموازنة العامة الكثير من علامات الاستفهام والغموض من جهة حجم الإنفاق وتبويب الصرف، ويفتقر العراق لموازنات مالية رصينة يعرف فيها المردود المالي للحكومة وقيمة النفقات وقيمة الفائض أو العجز وأسبابه التفصيلية؛ لافتقاره للحسابات الختامية التي تعني أن جميع ما تصرفه الحكومة مبوب ومعروف من حيث الباب المالي الذي أنفقت بموجبه تلك الأموال، أو من حيث الموازنة التشغيلية التي صرفت على النفقات والرواتب وغير ذلك، بما يعني أن تعرف الحكومة أين ذهب كل دولار في الموازنة على وجه التفصيل، ويشوب الموازنة الكثير من الفساد المالي والإداري، ولا يحظى العراق بموازنة مالية يمكن أن تعتمد كموازنة عامة للبلاد كما في بقية دول العالم، وأن النظام المعتمد في وضع الموازنة العامة للعراق يعتمد على الأبواب والبنود، وأنها لا تسلط الضوء على تحقيق الإيرادات المالية من دون أي اعتبار للتخطيط المتوسط أو طويل الأجل للموازنة وللوضع الاقتصادي العام في البلاد، إذ لم تعمد أي موازنة إلى تقييم عوامل الإنتاجية والأداء الحكومي العام والخاص، خاصة أن العراق بلد غني ويضم الكثير من الموارد الطبيعية كالنفط والغاز والزراعة.

وتعتبر الحسابات الختامية سجّل حسابي تفصيلي تسجل فيه كافة المبالغ التي قامت الدولة بأنفاقها فعليا على مختلف أوجه الإنفاق الحكومي، وكافة المبالغ التي قامت بتحصيلها، من مختلف المصادر الإيرادية وخلال فترة زمنية ماضية عادةً تكون سنة، وتنبع أهمية الحسابات الختامية من كونها أداة رقابية هامّة لتعزيز الشفافية وتفعيل المساءلة في إدارة المال العام والحفاظ عليه ومنع فرص الفساد.

كما وأن البيانات الختامية للموازنة العامة منذ 2003 تكاد تكون منعدمة، وأن عام 2015 هو العام الوحيد خلال 17 عاما الذي شهد تقديم الحسابات الختامية نهاية العام المالي وبصورة سليمة، وعلى الرغم من أن البرلمان كان قد صوّت على بعض الحسابات الختامية للموازنات المالية في بعض السنوات، إلا أن هذه الحسابات تم التصويت عليها داخل قبة البرلمان في مدة لا تزيد عن نصف ساعة من دون أي دراسة فضلا عن سنوات أخرى لم تقدم فيها حسابات ختامية.

وتعد الحسابات الختامية ضرورية جدا في معرفة ودراسة المصاريف الحكومية للسنة القادمة، فضلا عن ضرورتها في معرفة أوجه الإهدار، وفيما إذا كانت الحكومة ترمي إلى تقشف مالي في السنة اللاحقة، ولما لها من دور كبير في معالجة التوازن المالي للموازنة من ناحية العجز أو الفائض وكشف التعمد في هدر المال العام، وحتى يسهل التحقق من توازن الحساب الختامي لكل وزارة فإنه يجب على شعبة الحسابات الختامية في وزارة المالية إعداد التقرير النهائي الذي يتعين إرفاقه بالحساب الختامي العام للدولة، وبعد الانتهاء من إعداد ملخصات الحسابات الختامية لجميع الوزارات يمكن تجميعها في ملخص واحد يمثل جميع الوزارات، وتقوم وزارة المالية برفع الحساب الختامي بعد الانتهاء من إعداده إلى مجلس الوزراء في موعد لا يتعدى الشهر الرابع من السنة التالية، كما ترسل صورة منه إلى ديوان الرقابة المالية ليتسنى له تقديم تقرير عنه.

وفي ظل الفوضى وغياب الرقابة تستمر الأحزاب المهيمنة على سدة الحكم في التمسك بالقوانين التي تخدم مصالحها على حساب العراق والمصالح الوطنية والاستنزاف المستمر لميزانيات العراق مع وجود إشكالية في تنفيذ الأحكام القانونية المتعلقة بإعداد الحساب الختامي للموازنة العامة والمتمثلة في عدم إصدار الحسابات الختامية من قبل وزارة المالية في موعدها الذي نص عليه القانون الأساسي والقوانين الأخرى ذات الصلة، فيما توجد إشكالية أخرى تتصل بتطبيق مبدأ المساءلة في الإنفاق العام على الرغم من وجود العديد من المؤسسات الرقابية في البلاد مثل ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة والمجلس الأعلى لمكافحة الفساد ومن قبله المفتشين العموميين بالإضافة إلى صدور قانون الإدارة المالية الذي أقر في آيار/ مايو 2019 الذي خوّل البرلمان الطلب من وزارة التخطيط إرسال التقارير الخاصة عن مقدار الإنتاج المحلي وكذلك التضخم والاستيراد الحكومي، فضلا عن جداول مستحقات المتقاعدين العسكريين والمدنيين والفئات الأخرى.

وتحدد الحسابات الختامية المركز المالي، حيث تعتبر الأداة المهمة التي يجب أن يعول عليها في إعداد الموازنات، وفي قياس قدرة الموازنات على تحقيق الأهداف، فالموازنة أداة للتخطيط والحسابات الختامية تقارن المخطط بالمنفذ لمعرفة نسبة التنفيذ على الأقل، ومن المحزن فعلا أن تترك الحسابات الختامية على جنب ويتم إعداد الموازنات بعيدا عنها والسبب هو الفارق الزمني بين ظهور الحسابات الختامية وإعداد الموازنات والتي أصبحت تمتد لسنوات!، وإن إعداد الحسابات الختامية لا يخلو من وجود العديد من الملاحظات والثغرات بدليل تأخير إعدادها وتقديمها بالوقت المخطط مما قد يؤثر على تحديد المركز المالي لأي سنة من السنوات، ويتيح القول إن حساباتنا الختامية ليست بصحيحة كاملة، أي إنها ليست بخير على وفق معيار التاريخ الزمني في تقديمها للجهات المعنية على الأقل، ومن الجدير بالذكر أن الحسابات الختامية لا تتطلب  قانون لإصدارها على العكس من الموازنة العامة التي تصدر بموجب قانون.

ويحقق الحساب الختامي أحكام الرقابة على تنفيذ الموازنة العامة للدولة والتعرف على التجاوزات التي تمت على المخصصات التي تم تخصيصها في الموازنة العامة ومعرفة ما قدر الإيرادات الفعلية وما حصل منها وما قدر المصروفات والمبالغ الفعلية التي تم إنفاقها والنتيجة النهائية للحساب الختامي هي كيفية تسوية العجز أو الفائض، وغالباً ما يتم ذلك عن طريق الاحتياطي العام ويتبع ذلك كشف تفصيلي بخصوص مفردات إيرادات ومصروفات الميزانية.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات