تقارير

الحرب البيولوجية بين الماضي والحاضر

جائحة كورونا، لغز مرعب نعيشهُ منذ بداية عام 2020 مما أرعب العالم بأسره، واجهته نظريات عديدة كانت أبرزها نظرية المؤامرة وتعمد الانتشار السريع للفيروس في العالم، بحسب ما أكدته دراسة أجراها المعهد الإيطالي للدراسات الدولية على "إن الانتشار الواسع لجائحة كورونا أثبت أنه يمكن أن يكون معيارا مهما لتقييم آثار واستجابات الدول في مواجهة سيناريوهات الحروب البيولوجية والإرهاب البيولوجي".

وفي ظل سرعة الانتشار للفيروس، يعاني الكثيرون في جميع أنحاء العالم داخل منازلهم من آثار تدابير الاحتواء التي يمكن أن تأمر بها حكوماتهم في حالة شبيهة بالأجواء الناجمة عن هجوم بيولوجي.

كان الاستخدام المتعمد للعوامل البيولوجية في الحروب قديم جدا، إذ لجأ المحاربون القدماء إلى تسميم مياه الشرب والنبيذ والمأكولات، وإلقاء جثث المصابين بالأوبئة في معسكرات أعدائهم، ولقد استمر اللجوء إلى هذه العوامل حتى القرن العشرين، حيث استخدمها البريطانيون والأمريكان في جنوب شرقي آسيا لتدمير المحاصيل والغابات التي توفر ملجأ للقوات المحاربة لهم.

وتؤدي الحرب البيولوجية إلى صعوبات بالغة ليس على صعيد الدفاع فحسب، بل وعلى صعيد الهجوم كذلك، فمن الصعب ضبطها وتحديد مناطق تأثيرها عند اللجوء إليها، ولذا فإنها تعتبر أكثر الحروب خطورة، ولقد كانت هذه الحقيقة وراء الجهود التي بذلت طيلة القرن العشرين للحد من إمكانات استخدامها وتطوير الأسلحة الخاصة بها، حيث وقعت الدول الكبرى في العام 1925 (معاهدة جنيف) التي تمنع اللجوء إلى الأسلحة والوسائل البكتريولوجية في الحروب، وذلك بالإضافة إلى منع الغازات السامة وغيرها ولقد أقرت 29 دولة هذه الاتفاقية وكانت الولايات المتحدة أبرز الممتنعين عن الانضمام إليها، كما اتخذت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قرارا في ديسمبر 1966 يقضي بضرورة الالتزام بالبروتوكول المذكور وبذلت بريطانيا خلال الستينات جهودا باتجاه نزع السلاح البيولوجي ولاقت تلك الجهود دعما واسعا لا سيما من الاتحاد السوفيتي ومن جهة ثانية قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في العام 1969 بإعلان استنكار الولايات المتحدة لاستخدام الأسلحة البيولوجية، وأمر بتدمير مخزون بلاده منها وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل ليست من البلدان التي انضمت إلى مجموعة معاهدة جنيف.

وعلى الرغم من كافة هذه الجهود فإن خطر استخدام الأسلحة البيولوجية لا يزال ماثلا إلى يومنا هذا ولا تزال الدول الكبرى تتبادل الاتهامات حول إجراء اختبارات على الأسلحة البيولوجية وتطويرها.

ومما لا شك فيه، من الصعب ضبط انتشار الأسلحة البيولوجية نظرا لسهولة تطويرها، الأمر الذي يفاقم المعضلات التي تواجه الجهود المبذولة لنزعها على الصعيد الدولي، كما يزيد من احتمالات استخدامها في نزاع قد يكون محليا.

أبرز الأسلحة البيولوجية التي استخدمت في العالم

طاعون الماشية

أطلق جنكيز خان عندما غزا أوروبا في القرن الثالث عشر، طاعون الماشية كسلاح بيولوجي، فتسبب في القضاء على الماشية و الماعز و الثيران والزرافات وقد تفشى المرض في أفريقيا فأدى إلى حدوث المجاعات، كما وعُرف الطاعون البقري منذ بداية استئناس الماشية وتفيد التقارير أنه قد نشأ في وسط أوراسيا وانتشر في وقت لاحق إلى الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا وآسيا عن طرق التجارة والهجرة و تسبب الطاعون البقري في حدوث مجاعات واسعة في أفريقيا وأعاق التنمية الزراعية في آسيا.

بعد عقود من الجهود المتضافرة دوليًا لاستئصال هذا المرض، أعلنت رسميًا المنظمة العالمية لصحة الحيوان (OIE) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO) في عام 2011 عن استئصال الطاعون البقري من كوكب الأرض وبذلك فإنه يكون المرض الحيواني الأول والوحيد الذي تم استئصاله.

الطاعون الأسود

في تاريخ 25 مايو 1720 وصلت إلى ميناء مرسيليا السفينة سان أنطونيو الكبير متسببة في نشر وباء الطاعون، حيث أتضح أن حمولتها من القطن والحرير تحتوي على جرثومة الريسين المسببة لوباء الطاعون وبسبب الإهمال ورغم إجراءات أمنية مشددة تفشى الوباء في كل أرجاء المدينة وخصوصا في وسطها وبأحيائها القديمة مخلفا بين 30 و40 ألف قتيلا من مجموع 90 ألفا هو عدد سكان المدينة.

كان طاعون الموت الأسود أخطر كارثة واجهتها البشرية في القرن الرابع عشر، وأكثر الأوبئة قدرة على الانتقال والانتشار؛ إذ انتقل بسرعة من الصين إلى الهند وآسيا الوسطى حتى اجتاح أوروبا وشمال إفريقيا، وكانت له آثار اجتماعية وسياسية واقتصادية وحتى ثقافية هائلة، كما أدى إلى تغيرات كبيرة في التركيبة الديموغرافية بالقارة الأوروبية. ظهر طاعون الموت الأسود عام 1331 في الصين، ومن المفارقات العجيبة أنه ظهر في مقاطعة هوبي وهي المقاطعة التي ظهر فيها أيضاً فيروس كورونا الجديد وعاصمتها مدينة ووهان، انتقل المرض عام 1338 إلى منطقة بحيرة بايكال جنوبي سيبيريا، وفي 1345 انتقل إلى محيط نهر الفولغا، وفي 1345 تفشى الطاعون وسط الجنود بجيش المغول الذي كان يحاصر مدينة كافا (فيودوسيا) في شبه جزيرة القرم وقتل منهم الآلاف. فوضعوا جثث الموتى على المنجنيق وألقوها داخل أسوار المدينة وبذلك تخلصوا من الجثث بسرعة ونقلوا المرض إلى المدينة التي كانت مركزاً تجارياً مهماً مع أوروبا، وكان ذلك يعد الاستخدام الأول للأسلحة البيولوجية في التاريخ.

الجدري

صنف الجدري على أنه سلاح بيولوجي عالي الخطورة نظرا لقدرته الفتاكة على الإصابة والموت، بل يعد الجدري من أخطر الأسلحة التي استخدمتها القوات البريطانية عام 1763 للقضاء على رؤساء القبائل الهندية، حيث أرسلت لها العدوى مما أدى إلى قتل معظم السكان الأصليين بسبب انتشار الوباء، ذلك عندما أرسل قائد القوات البريطانية أغطية ومناديل ملوثة بالجدري إلى رؤساء هذه القبائل كهدية.

تنتقل عدوى الجدري عن طريق الرذاذ، وأبرز أعراضه التقيؤ، الصداع، آلام الظهر والعضلات، والارتفاع غير المتوقع في درجة حرارة الجسم، ذلك بعد التعرض للفيروس بأقل من أسبوعين، أما بعد الأسبوعين يظهر الطفح الجلدي على هيئة بقع حمراء، وفي عام 1980 أعلنت منظمة الصحة العالمية عن القضاء على المرض نهائيا، بالرغم من ذلك ما زالت كل من روسيا والولايات المتحدة تمتلك نُسخا من الفيروس في مختبراتها.

فيروس إيبولا

مرض فتاك ناجم عن الإصابة بأحد أشكال هذا الفيروس، وقد اكتُشِف الإيبولا لأول مرة في عام 1976 في جمهورية الكونغو الديمقراطية منتقلا إلى البشر من الحيوانات البرية، مما تسبب في معدل وفيات كبيرة نسبيا ويشكل الإيبولا كسلاح بيولوجي تهديدا كبيرا للإنسان بسبب حدته ومعدل الوفيات المرتبط به وسرعة انتشاره وقد ظهر كسلاح بيولوجي لأول مرة في الاتحاد السوفيتي بموجب خطة نفذت ما بين 1986 و1990 لكن لم تكتشف أدلة قاطعة على أنه مستخدم بالفعل.

الجمرة الخبيثة

بكتيريا الجمرة الخبيثة استخدمتها بريطانيا كسلاح بيولوجي في الحرب العالمية الثانية على جزيرة جرونارد الأسكتلندية، التي لم تتعافى من آثار المرض إلا في عام 1987، كما استخدمتها الوحدات اليابانية في منشوريا خلال ثلاثينيات القرن العشرين. وفي عام 1979 وقعت أكبر حادثة استنشاق لجراثيم الجمرة الخبيثة، عندما أطلقت خطأ في المركز البيولوجي العسكري في سفيردلوفيسك في روسيا، مما أدى إلى إصابة 79 شخصا وتسبب في موت 68 شخصا.

سم البوتولينوم

يعتبر هذا السم من الأسلحة البيولوجية الهامة جدا والمفضلة من بين برامج الأسلحة البيولوجية نظرا لقوته والإمكانية المحدودة للعلاج لأنه عديم اللون والرائحة ولا يتم اكتشافه إلا بعد حدوث الإصابة، ففي عام 1990 نشرت الجماعة اليابانية أوم شينريكيو السم على عدة أهداف سياسية، تبدأ أول علامات التسمم بعدم وضوح الرؤية، التقيؤ وصعوبة البلع، فإن لم يتم العلاج في تلك الحالة يبدأ الشلل في الترسخ والوصول إلى العضلات ثم إلى الجهاز التنفسي، ثم يؤدي إلى الوفاة في غضون 24 إلى 72 ساعة، توجد جراثيم البكتيريا المسببة لهذا السم في التربة، الرواسب البحرية، وعلى أسطح الفواكه والخضروات، وتكون غير مؤذية في هذه الحالة، حيث تبدأ في إنتاج السم عند النمو.

الكوليرا

في عام 2008 أتهم الرئيس الزيمبابوي الحكومة البريطانية باستخدام الكوليرا كسلاح بيولوجي أدى إلى مقتل مئات الأشخاص للإطاحة بنظامه، فالكوليرا قد تجتاح أي مكان لسهولة انتشارها في المناطق المزدحمة التي تعاني من عدم توافر المصادر النقية لمياه الشرب، فهي لا تنتشر بسهولة من إنسان إلى آخر، بينما تحدث بسبب تلوث في مصادر مياه الشرب حيث تتميز هذه البكتيريا بقدرتها على البقاء حية في مياه الصرف الصحي حوالي يوما كاملا، بينما تستمر إلى ما يقارب من الشهر والنصف في المياه التي تحوي نسبا عالية من المركبات العضوية والمخلفات، وفي عام 1816 وحتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، وقعت 7 أوبئة للكوليرا، كان الوباء الثالث هو أكثرها شراسة، حيث تجاوز عدد القتلى مليون شخص خلال 1852-1860 في روسيا.

ومما يجدر الإشارة إليه، إن الحروب البيولوجية وأثارها المدمرة وتأثيراتها التي لا حصر لها لا تفرق بين الدول الصديقة أو المعادية، فهي تجتاح العالم ولقد تعلمنا من كورونا الكثير من الدروس وأنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، وإن الحروب من هذه النوعية قادمة لا محالة من أجل السيطرة والهيمنة الاقتصادية والخضوع لدولة واحدة تتحكم في العالم بأسره للسيطرة والاستيلاء على مدخرات ومقدرات الشعوب خاصة الضعيفة منها.

بيد أن الأسلحة التقليدية من صواريخ ذات رؤوس نووية وصواريخ باليستية توجه نحو جهة ما من الكرة الأرضية عند إعلان حرب بين دولة وأخرى كان تأثيرها محدودا ومختصرا على بقعة محددة لجهة معنية، ولكن مع وجود الأسلحة الجرثومية فالوضع يختلف تماما حيث ينتشر الوباء، أو يسرب في مكان ما ليعم تأثيره معظم الدول وليس لدولة أو جهة محددة وذلك عبر وسيط لا يمكن التحكم فيه وهو الهواء الذي يلف الكرة الأرضية ليصيب الجميع بهذا الداء أو الوباء المهلك للإنسانية ومكتسباتها على حد سواء.

والجدير بالذكر أن أي دولة في يومنا هذا تستطيع تصنيع ترسانة كاملة من الأسلحة البيولوجية في زمن قصير، فكل ما تحتاج إليه غرفة معمل وبكتيريا معدية، وبمقدور خلية بكتيرية واحدة إنتاج مليار نسخة جديدة خلال عشر ساعات فقط، وبالتالي فزجاجة واحدة من البكتيريا المعدية كافية للقضاء على مدينة بحجم واشنطن الأميركية أو ووهان الصينية، ويقول العلماء أن نسبة واحد على المليون من جرام واحد فقط من بكتيريا الأنثراكس كافيا لقتل شخص بمجرد استنشاقه.

وتبقى الأسلحة البيولوجية أخطر الأسلحة التي يمكن استخدامها في الحروب بين الدول وتعد الأشد فتكاً لأنها أول أسلحة الدمار الشامل المستخدمة في الحروب ولما تتميز به أيضا من صِغر الحجم وسهولة الحصول عليها وسهولة استخدامها وانتشارها السريع بالإضافة إلى  قدرتها التدميرية الفتاكة، ومما يميز الأسلحة البيولوجية عن النووية دقتها المتناهية، حيث أنها تتعامل مع الكائنات الحية باختلافها، فالحروب البيولوجية لا تقتصر على نشر الأمراض والأوبئة بصورة مباشرة ضد العدو لكن قد يستخدمها البعض لإلحاق الضرر بمصادر الغذاء وقطع الإمدادات الغذائية الأساسية للعدو، مما يؤدي إلى نشر المجاعات ورغم ما لها من أضرار بالغة وتكلفة باهظة لا شك سيشارك في دفع ثمنها سكان الكوكب مجتمعين إلا أنها قد تكون نقطة اتزان وعدل في المفاوضات بين القوى المالكة لأدوات الانتصار العسكري المسبق.

......................................

الآراء الواردة في المقالات والبحوث المنشورة على الموقع ليست بالضرورة ان تعبر عن رأي المركز

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2020 Ⓒ

اشترك معنا على التلجرام لاخر التحديثات
https://t.me/infomscr
التعليقات